عالم مختلّ
عندما تبقى في العالم زهرة واحدة، وحمامة سلام واحدة, وامرأة واحدة تستحق التقبيل فأسرع اليها, لأجدني بلا شفاه, بلا صوت, وحتى بلا قلب، في عالم يحاول يوميا أن يسحق انسانيتي، ويعاملنني وكأنني رقم من بين ملايين الأصفار العربية العالمثالثية، التي تنام ذاكرتها ريثما تستقيظ, وتستيقظ عندما تنتهي وسائل الاعلام من بثّ سمومها العاهرة المسلية. ملايين لديها عقدة الجنس وعقدة الذكورة وعقدة التحرر وعقدة التديين وعقدة القبل وعقد لاتنتهي الا بلا اله الا الله. تلك الارقام تستيقظ على نشرة أحوال الطقس لانها سئمت من طقوس الحروب والمرارات والمجاعات والحرمان والتشرد المتنامي في ظل اقتصاد معولم مسيحه يهوة العاشق لسفك الدماء, ملايين كرهت كل من يذكرها أو يحذرها من مستقبل البشرية المجهول، وأدمنت بدلا منها برامج الإغواء بكل أشكاله وتلاوينه وتدرجاته، نعم أدمنته مسكوباً في بوتقة اللامبالاة المميتة.. أصبحت أكثر وحشية من أسلاف أسلافها. نعم في هذا العالم أصبحوا ينظرون الينا كأرقام ونحن نسألهم كلما ذهبنا الى كنيسة او مسجد كلفة جدرانه الاسمنتية والرخامية ملايين وملايين وعدد المصلين فيه لايتجاوز أصابع اليد نسألهم: والفقراء إخوتكم????? عندما يقتل الأخ أخاه.. عندما نتجرد من فعل الانسان وحسِّه فينا نحن البشر الذئاب وعندما نشعر برهبة الموت ونتذكر الله نسألهم: هل الله يحضر مع الموت??? عندما تسأل ولايجبيون, تظن أنها بداية نهاية الحضارات التي قامت على دفء العلاقات بين الناس. والملايين المهمشة تحلم بتسونامي يهز الأرض، كابوس مرعب سببه التجارب النووية الاخيرة في قاع البحار الآسيوية، نعم كابوس يحضرنا بتسونامي مرعب فظيع. الا اننا وهم أيضا لن تسعفنا الثواني لجمع أزواج أزواج من الكائنات كي نرسلها للشيخ البحار نوح الحكيم.
عندما يرهبني أن أكون معارضاً لسلطة بلادي فيحترق قلبي وقلب أمي وأخوتي في نفي قسري، ومثله السجن، وأن أكون عضواً في حكومة معرّضاً للاغتيال.. وصحفياً مغامراً يهدده الإرهابيون الملتحون بدين لايرون منه سوى بقعة ظلام دامس تمحو كل أنوار التحرر والمحبة والتسامح، وان أكون عالماً مسلماً مجتهداً فأهدَّد بالتكفير ويراق دمي ويسلبون مني زوجتي.. وان أكون مسيحياً زرادشتياً موسويا شيطانياً ملحداً من أقليات الأمة تطارده التفرقة والإبادات والتهجير.. عندها أسألهم كيف يمكن أن يكون المرء طبيعياً في عالم مختلّ.. كيف يمكن أن أصطحب زوجتي ورفاقي الى رحلة يرقصون يتكلمون يضحكون ملء القلب معبرين عما في داخلهم من حب وشجون دون حواجز وحدود. عندما ترسل ألف رسالة أو يرسلون لك مثلها فتعلق في أجهزة الأمن المركزي لانها ذيلت بكلمة حرية.. عندما تقرر العودة لحضن أمك الحنون وصحبة الأصدقاء ورفاق الدرب فيستقبلك زوار الفجر بتهمهم الجاهزة.. عندما أحلم بطفل ثمرة حياتي ويحلم طفلي بلعبة، بهدية الميلاد فأكذب عليه بأن "بابا نويل" قد مات بحادث سير، بسيارة ابن أحد منظري اقتاد السوق الاجتماعي (لأني لا أملك ثمن الهدية). عندما يقولون في الصحف للملايين المنحدرة نحو عمق الهاوية أن شدوا الأحزمة ويتلونها بكلمات مثل رمضان كريم ـ فصح مبارك ـ ميلاد وأضحى مجيدين وتستمر الخمس نجوم في الملاهي الليلية بالشذوذ متربعة على رأس الهرم المكون من شعب الله المرتاح. عندما نوجه سهام الكراهية لرفاق الأمس وتهمة الخيانة جاهزة لمن لايقف في الصف المناضل. عندما تطالع كتب الحب واشعاره فتجد أصدقها وأرقها ما كتب بالعربية وتواجه في الصفحة الاخيرة لكل صحف الوطن عنواناً بالبنط العريض (جريمة شرف أخرى). عندها نسأل في أي زمن نحن.???? زمن فيه ديمقراطيات واحزاب وحريات، ولكن مايزال هناك عبيد وسجناء رأي وتجارة رقيق ونساء مهددات بالختان والوشم والقتل. زمن وصلت فيه عبقرية الانسان الى ما لانهاية الابداع من فن وأدب وموسيقا وعلم ورقص.. زمن فيه مايزال الناس يحتكمون لفتوى رجال الدين... زمن كل شيء قابل للبيع والشراء و"معك قرش بتسوى قرش". زمن "كل مين إيدو إلو"، و "ألف عين تبكي ولاعين أمي تدمع". و "ياليل ياليل ياعين".. زمن "ماحدا في ماشي والماشي فيه مابيعرف لوين ماشي"... وألله ينجينا من الآتي.
(تشيلي)