كالعيس يقتلها الظما..
يلاحظ المراقب الثقافي الحصيف، أن الكتاب الجاد تراجع، ربما منذ بدايات ستينيات القرن المنصرم، بشكل مريع.. وانحدرت أرقام تداوله (ولا أقول: بيعه أو شراءه) يما يشبه كتلة ثلج في ذروة جرد جبلي.. جاء دفء الشمس، وأذابها إلى قطرات ماء، وما لبثت القطرات أن تحولت إلى جدول ماء يصب في بحر.. لا الأرض ارتوت من تدفقه.. ولا ملوحة البحر قلّت من انصبابه فيها..
وسيلحظ المراقب أمراً عجباً، هو أن الكتاب المحلي، المجلّي، الذي كان تُطبع ألفا نسخة منه في نهاية الخمسينيات، أيام كان عدد سكان البلاد أقل من ستة ملايين نسمة، أضحى الآن في نهايات العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، يطبع منه ألف نسخة فقط (قد تباع، أو لا تباع)... وفي حسابات النسبة والتناسب بين الكتاب ومتداوليه، وبين التفجر السكاني الذي وصل إلى حدود ثمانية عشر مليون نسمة.. يبدو الخط البياني الهابط، المتجه نحو الجحيم، مرعباً..
وسيقال لي أني حدّدت بداية هبوط نسب تداول الكتاب بعام 1961، وهو العام الذي بدأ فيه البث التلفزيوني في سورية (تحديداً، بدأ البث في الثالث والعشرين من شهر تموز، وهو التاريخ ذاته لذكرى ثورة يوليو_ 1952)، حيث لم يكن الناس على يقين بأن الصورة يمكن أن تنقل عير بث لاسلكي.. ومع ذلك نقلت الصورة إليهم، بالأبيض والأسود.. وشاهدوها عبر شاشات نصبت في الساحات العامة..
بعد كل هذه السنوات من بدء البث التلفزيوني، لا يمكن تحميل هذا البث وزر التراجع عن القراءة, فالوزر كل الوزر يقع على سلطة بدأت، أول ما بدأت، بكبت الحراك الاجتماعي والثقافي الناشط في البلد.. وأقفلت، أول ما أقفلت عشرات الصحف والمجلات والنوادي والروابط الثقافية، وختمتها بالشمع الأحمر، وصادرت مكتباتها (وعلى سبيل المثال، لا الحصر، نادي ابن خلدون في مدينة دير الزور، حيث رعاه نقيضان سياسيان، هما المفكر اليساري ثابت العزاوي، واليميني -في السياسة فقط- عبد القادر عياش.. ورابطة المثقفين في ديرعطية التي تأسست عام 1950).
وأعرف، وتعرفون، أن عادة القراءة، لم يغتلها التلفزيون.. بل تلك الاجراءات التي واكبت البث التلفزيوني، ولجمت الحراك السياسي والاجتماعي، وبالتالي الثقافي، عبر أجهزة، كان مثالها الثقافي الأعلى مسدس (غوبلز) الشهير... وفي تلك الفترة بدأت الثقافة والمثقفون دخولاً صعباً في عنق الزجاجة.. وللأسف فإن هذا العنق راح يضيق، ليس على مستوى، الحريات، بل على المستوى المعيشي للفئات الوسطى من الطبقة البرجوازية... وهذه الفئة، وهي الفئة التي كانت الأكثر استهلاكاً للثقافة، والتي تضم معلمين ومدرسين وموظفين وطلبة جامعات، وحرفيين وعمالاً حصلوا على قسط من التعليم، بدأ تفتيت نسيجها وإفقارها على صعيدين.. صعيد الدخل المالي، عبر تآكل أجورها.. وصعيد الوقت الضروري للقراءة..
وبذلك شهدنا، ونشهد، وسنشهد، تراجعاً مضطرداً في سوق الكتاب، تشير إليه أرقام مبيع الكتب، بما في ذلك المعرض الأخير في مكتبة الأسد... وكثيرون ممن لا يزالون مخلصين لعادة اقتناء الكتاب، قالوا إن الأسعار كانت كاوية، والحسومات كانت وهمية!.. وحجة العارضين أن أجور الأجنحة كان خيالياً، ويزيد عشرة أضعاف عن معرض فرانكفورت الدولي للكتاب..
ومع ذلك، يبقى سعر الكتاب في سورية هو الأرخص... ويقابله دخل المواطن الذي هو الأدنى.. والحق، في كل الأحوال، ليس على الطليان..
الأسبوع الأدبي mimari@scs-net.org