(2)- الفنان ميشيل كرشة (1900 – 1973)

الفنان التشكيلي السوري (ميشيل كرشة) المولود في حي القيمرية بدمشق القديمة عام 1900، والمتخرج في المدرسة الوطنية
العليا للفنون الجميلة بباريس عام 1925، والمُكرس حياته المهنية والأكاديمية للعمل في حقل تدريس الفنون والتربية الفنية منذ تخرجه حتى تقاعده. يمُثل الوجه الأكاديمي الأكثر حيوية وحرية وحركة ووفرة إنتاجية، وتأثيراً في اكتشاف عدد لا بأس فيه من الموهوبين الذين ساهموا أيضاً في رصف معالم الفن التشكيلي السوري الحديث، وأكثر قبولاً لروح الحداثة التعبيرية، وتخلصاً من القيود النمطية الصارمة التي تقيد الفنان (توفيق طارق) بمدارسها الكلاسيكية. وغدا بمثابة الركيزة التربوية لكشف الموهوبين ورعايتهم من خلال مقاعد الدراسة في مراحلها الأساسية المتعددة، وأكثر إفادة للأجيال الفنية اللاحقة في الحركة الفنية التشكيلية السورية، وافته المنية عام 1973 تاركاً ثروة بصرية لا تُقدر بثمن.
هذا المُعلم الذي كان له شرف تربية جيل فني مهم في مساحة الفن التشكيلي السوري، ويُعدّ في مقدمة الفنانين الخارجين على المدارس الكلاسيكية التقليدية متجهاً في لوحاته نحو (الانطباعية) التأثيرية التي تُعطي اللون أهمية خاصة على حساب الموضوع. ولوحاته هي سفر للفنانين الشباب الذين تتلمذوا على يديه وعبروا ناصية الابتكار والدخول الموفق في عوالم الحداثة التصويرية.
عُرف الفنان (كرشة) بغزارة إنتاجه الفني، وجلَده ومقدرته الفائقة على اختيار مواضيعه وإبراز مفاتن الوصف والتأليف التقني والفكرة التعبيرية الموحية، تجاوزت لوحاته الزيتية والمائية والمنفذة بملونات تقنية متعددة نحو ألف لوحة تشكيلية جامعة لجميع أطياف ذاكرة المكان السوري في شخوصه ومدائنه وريفه وجباله وسهوله وأوابده التاريخية، ومدينة دمشق خصوصاً.

دمشق حاضرته وملهمته والمحرك الحيوي لمفاتن بصره وبصيرته، والعامل الجوهري في نبش ركام مواهبه المتناثرة، تذكارات حافلة بالجمال وعاكسة لذاكرة مكانه ومُخيلته الخصبة، وعبثه المقصود فوق سطوح خاماته. ومحطة عبوره الفريد لنشر أفكاره، وتعاطفه مع جميع مكوناتها الطبيعية والبشرية، ونقل مشاعره وعواطفه الجياشة في مقامات ومقطوعات موسيقية حافلة بالخطوط والملونات المتداعية فوق سطوح خاماته المُستعملة، رسمَ وصوَّر جميع معالم مدينة دمشق من أسواقها العريقة ومساجدها وآثارها وبيوتها المتراصة والحافلة بالطبيعة الخلوية والصامتة، وعامرة بالمتاحف والمزارات والقلاع والكنائس.

يجد المتلقي فيها مجالاً رحباً لتصفح بصري أنيق، وتُصيبه الدهشة والإعجاب بما أنجزت يداه كل هذا الكم الهائل من التقاسيم البصرية التي احتضنت سورية عموماً ودمشق خصوصاً. دمشق العراقة والتاريخ والمعالم الحضارية والاجتماعية في مناظرها الخلابة وناسها الطيبين. ألوان خارجة من عقال قوس قزح معانقة شمس العرب الدافئة في سويعات الصحو الباكر والغفوة الرشيقة، وحكايات القرى والفلاحين وحصاد الحقول وأغاني البلاد والعباد، متواترة في موسيقا الحركة والتآلف اللوني، وعامرة بغناء البيوت والأشجار والأزهار والطيور، يدونها في ملامس رشيقة من ريشته المتمكنة في سياق صياغات فنية مُحلقة في مدارات المدارس الفنية التشكيلية والاتجاهات الانطباعية خصوصاً، تلك المعشبة بواقعية تعبيرية أرست لها جداول فرح لوني متجدد في لوحات يحسبها المتلقي خارجةً تواً من مختبر الفنان الشخصي على الرغم من رحيله الجسدي بما يُقارب نحو أربعة وثلاثين عاماً من وفاته. لوحاته غنية بملوناتها المبهجة وبتوثيق ذاكرة الأمكنة السورية الفسيحة المتناسلة من واحة قرية هنا ومدينة هناك، وشخوص آدمية متباينة الجماليات والأمزجة السلوكية، يجمعها أشبه بورود أنيقة في بستان ذاكرته البصرية.
المسجد الأموي الكبير، سوق مدحت باشا، الخياطين، ساحة المرجة، جبل قاسيون، الغوطة الشرقية والغربية، والتكية السليمانية، أبواب الجابية والشرقي والسلام، المتحف الوطني والحربي، نبع بردى، حركة الناس فيها، جميعها شكلت مصادر الفنان البصرية لرسم نصوصه السردية اللافتة وتصويرها، والمُعبرة عن موهبة متمكنة وفريدة في الحركة الفنية التشكيلية الفتية والناهضة.
إذا أخذنا لوحاته عن المسجد الأموي الكبير بدمشق وتأملناها كعينة مقصودة، لتحديد مواصفات فنه ومساحة ابتكاره وجدناها حاشدة بالتعبيرية الفائقة المتناسلة من جعبة الفنانين الانطباعيين التي تُعطي اللون وانسيابه أهمية خاصة على حساب الشكل الواقعي للمشهد. يتحكم النور وتوزع بقع الضوء كمنعسات افتراضية مُعبرة عن مرور الزمن، محكومة بمزاج الفنان وعينه ورؤيته لمساحة إلهامه، يُدرجها في سياق مجموعات هائلة من البقع اللونية المتراصة والمتآلفة حدة لونية وتناسقاً وسباحة في دائرة الألوان الأساسية، يكون لوهج لون منها سيادة وسطوة بصرية على بقية الألوان المتمة والمُساعدة، الأمكنة والشخوص والزخارف والجدران والأعمدة، غارقة في ملوناتها الراقصة والخالية من أية أوصاف نمطية وتفصيلية، وإنما هي أشبه بهياكل لونية عامة لواقع بصري مُقيم. صانعاً في حِرفيته وقدرته على امتلاك ناصية لوحته ومكوناته وطرقه في رصف معمارية لوحاته، منارات ثقافة بصرية للعابرين في حقول متعة بصرية غارقة في مساحات متفردة وحُبلى بمزاجه وحساسيته الفنية الخاصة والراقصة على أنغام اللون الماجن، والتي ترسم معالم طيف لوني متمايز.
النور
دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين
(1)- مقدمة في أبجدية الحوار
عبد الله أبو راشد