دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين - (1)- مقدمة في أبجدية الحوار

عبدالله أبو راشد قرأها 6
 

ها هي ذي دمشق المدينة، حاضرة التاريخ وابنته الولود تستعد لاستقبال عامها الموعود بوصفها عاصمة للثقافة العربية 2008، تطوق صدرها العامر بأزهار الياسمين، وتجود قريحة كتابها وفنانيها بآيات الجمال، مقامات سرد بصرية ومنثور، راقصة على أنغام عشاقها الكثيرين، لوحات فنية سابحة في مدارات الزمن العربي العريق، لأقدم مدينة مأهولة في التاريخ.

وها نحن أولاء نقدم باقة مودة وعرفان ومحبة لهذه المدينة العريقة التي أحببناها، وما نزال، بأحيائها وشوارعها ومعالمها التاريخية والحضارية، وما تحوي من مساجد وكنائس وأديرة وتكايا ومزارات، وأسواق ومقاهٍ وبساتين وتلال وجبال وسهول وبشر، وما تجسده في مداراتها الحياتية كواحة إلهام، وقبلة ابتكار للعديد من الفنانين التشكيليين الأجانب والعرب والسوريين، وما تُحدثه من وسائط تفاعل بصري عِبر الخط واللون وتوليفات المبنى الشكلي والمحتوى الموضوعي، كمحددات وصف أساسية للفنان التشكيلي السوري الموهوب والأصيل، وصاحب المشروعية الفنية والنظرة الصائبة في نقل تجليات الجمال، المنتمي لذاكرة وطن وأمة وحضارة وتاريخ.

لمواهب فنية تشكيلية سورية حُفرت جداول ابتكار عميقة في لوحة الإبداع التشكيلي السوري الذي له من العمر نحو قرن من الزمن، نخوض مفاتنها البصرية في صور عرض انتقائية لثلاثة أجيال فنية متعاقبة ومُتجلية في مُبتكرات الرعيل الأول (التأسيس والريادة التاريخية)، والثاني (جيل الحداثة التعبيرية)، والثالث (جيل ما بعد الحداثة التجريبي.

إبداعات الرعيل الأول

كانت علاقة الفنان التشكيلي السوري مع (مدينته دمشق القديمة) علاقة مميزة وفائقة الخصوصية، ذات طبيعة روحية، محمولة بمساحات شاسعة من الوله والحب والعشق الصوفي المُرصع بنزعات وصف تسجيلي، لا تخرج عن المدارس والاتجاهات الاتباعية التقليدية بالفن، في أعمال فنية عامرة بالمحاكاة والمشابهة الواقعية للأماكن التاريخية والشخوص والطبيعة الخلوية الحافلة بالكائنات الحية النباتية والحيوانية، كنوع من توثيق ذاكرة ومُعايشة يومية لأحداث. نجد للملونات الزيتية والمائية الشفافة المصنوعة محلياً بطريقة يدوية كخلطة متجانسة لمجموعة أتربة وصباغات متنوعة الخصائص التقنية، لها سطوة واضحة القسمات في عموم التجارب الفنية التشكيلية.  تعتمد على تقنيات المشابهة والتسجيلية والرسم المستعار من فنون النزعات المركزية الأوربية الغربية والإيطالية خصوصاً في مراحله وخطواته، والقائمة على الرسم التمهيدي المُباشر للمناظر والمشاهد المراد رسمها وتصويرها برسوم سريعة (كروكي) ومن ثم نقلها في نسب قياسية على سطوح الخامة المستعملة.

الفنان توفيق طارق ( 1875 - 1940)

يُعد الفنان التشكيلي السوري (توفيق طارق) بحق واضع حجر الأساس لولادة فن تشكيلي سوري، والأب الروحي والمُعلم الأساسي للعديد من فناني الرعيل الأول والثاني في الحركة الفنية التشكيلية السورية، وهو المولود في مدينة دمشق القديمة عام 1875، والمحمول بموهبة فطرية (الرسم) مكنته من متابعة دراسة الفن في باريس وحصوله على شهادتي تخرج: الأولى في الهندسة المعمارية والثانية في هندسة المساحة الطبوغرافية، ليعود إلى تراب الوطن ويعمل موظفاً في مديرية المساحة والتحسين العقاري في بيروت ثم الانتقال إلى دمشق. ساهم إبان تلك الفترة في ترميم العديد من واجهات المساجد والأبنية القديمة، ومارس هوايته المفضلة في مجالات التصوير الزيتي الملون، ورسم عشرات اللوحات التسجيلية من مناظر تاريخية وطبيعة خلوية وصامتة ووجوه شخصية. أنشأ لنفسه محترفاً فنياً في دمشق لمزاولة تعليم الفنون للهواة والطلبة على أسس أكاديمية ومهنية، مماثلة لما تعلمه في فرنسا، لاسيما المفاهيم الكلاسيكية في الفن. من أشهر لوحاته (المسجد الأموي، مجلس الخليفة المأمون، أبو عبد الله الصغير، معركة حطين، تدمر وراعي الماعز، على العين). لوحاته تدخل عين المتلقي وعقله بلا استئذان، تفرد جناحي المتعة البصرية المتسللة من وراء ذاكرة وطن وشعب ومدائن وجماليات طبيعة وإنسان، تسبح في فلك الزمان الغابر مُستقرة على ضفاف لون هنا وخطوط متداخلة ومساحة هناك، وفكرة تصويرية محملة بزهو المكان ورقص ملوناته. تحكي قصص الأولين وخلوات الزمن المتوالي والمنتشر في حركة تعبيرية، ومسالك تقنية رتيبة ومُتقنة فوق سطوح اللوحات.  ترسم ربيعاً دائماً للخضرة والماء والوجوه الحسنة، تحط الرحال على مشهد امرأة فائقة الأنوثة والجمال تحمل على كتفها صفيحة ماء ملأتها تواً من بحر عين منزل ريفي قابع تحت أقدام جبل قاسيون. وأخرى تُقلد التاريخ وسامه الأبدي تذكرة عبور لمجد عربي عامر في تدمر وحطين والأموي والأندلس. لا تُغادر رسومه واحة الوصف والتسجيل البصري الأكاديمي في سياقاته الكلاسيكية التي تُعطي لشفافية اللون وتدريجاته الاشتقاقية سطوة ملحوظة في إبراز فتنته التصويرية، وتُبقي للنسب مداراتها الطبيعية في نسج لحمة التكوين، وتغدو للمتلقي أشبه بحفلة موسيقية مدروسة الأنغام والتوازن الإيقاعي للشخوص والملونات والخطوط والرموز.

النور