حصان طروادة

وليد معماري قرأها 5
 

لا أحب التنظير، اللهم، أن يكون التنظير خيمة ترمى فوق أبحاث واقعية، كي تحمي الأبحاث من تطفل المتطفلين... وفي علم الرياضيات يمكن أن يوصف حل المسألة الرياضية بأنه صحيح، أو خطأ، ولا توسط بين الصحيح والخطأ.. وفي هذا المجال، لا يمكن أن توصف النظرية الرياضية بأنها جميلة، أو قبيحة، أو رشيقة، أو ممتعة، أو شيقة، أومبهرة.. فالأمور هنا لا تحتمل لا الكناية، ولا الاستعارة، ولا التشبيه.‏

كذلك لا يمكن وصف المخالفة القانونية بأنها خطأ عفوي غير مقصود.. إذ يمكن عبر هذه البوابة أن ندخل في متاهات (المسامحة)، وفي مجال (تبويس الشوارب)، ولكن على حساب المصلحة العامة..‏

وهنا لا ألمز ولا أغمز من قناة أحد.. بل أتناول قضية عامة، إذ صار مصطلح العولمة شائعاً.. والتعريف الذي أضحى كلاسيكياً الآن، ينص على أن العولمة تعني، أو هي ما لبثت تعني، أنها: "خرق الحدود القومية للدول، وإخضاعها إلى مفاهيم برجوازية محددة، أو فتح مسارات أمامها تعكس تلك المسارات"...‏

وهذا التعريف واضح.. وتبسيطه، هو إلغاء الحدود بين الأمم والبلدان، كي تفتح، بغزوٍ، أو دون غزوٍ، أمام تدفق البضائع، الاستهلاكية منها، أو الاستراتيجية، المنتجة عبر شركات عملاقة، وبخطوط إنتاج مؤتمتة، و(مروبتة).. بحيث تلتهم الإنتاج البضائعي اليدوي (وكدت أقول: البدوي، أو الرعوي.. أو الإنتاج المتخلف عن تقنيات العصر..‏

إذن، هي حرب اقتصادية الأهداف أولاً وأخيراً.. وفي كل حرب لا بد من قصف تمهيدي، يشبه الدغدغة، وغايته إحداث صدمة أولى لدى العدو.. وهذا كان يحدث في المعارك التقليدية... لكننا الآن لسنا في معركة مدافع.. بل في معركة يستخدم فيها (الحرير) بدلاً من البارود... والقصف التمهيدي لها يبدأ في مجال الثقافة.. حيث، وعن خطة محكمة الرسم، يجري التمهيد لغزونا اقتصادياً عبر قصف تمهيدي يتم عبر قنوات الثقافة والإعلام.. وإشاعة سلوك الاستهلاك.. وهذا ما نراه واضحاً في عشرات القنوات التلفزيونية، التي تبث الفكر العولمي عبر ما يزيد عن ثمانين بالمئة من الأفلام السينمائية، والبرامج التلفزيونية.. ناهيك عن أغان تغزو أجيالنا بإيقاعات الصخب الرأسمالي، والكلمات التافهة...shethtggggggggggggggggdshtghstehs.JPG‏

ولا يشك أحد بأن هذه الموجات (التسونامية) يجب أن تواجه بمصدات دفاعية على الأقل.. وللأسف، فإن بعض مصداتنا، أو كلها، لا تتجاوز الاختباء في خيم القرون الغابرة.. والتلفع بعباءات منسوجة من وبر الإبل.. بينما الأجدى أن نتوجه في مجال المواجهة نحو سبل العلم والابتكار، والمنافسة في هذا المجال.. ونبذ القشور المهتلكة القادمة من حلول طوباوية...‏

ويقيني أن مليون قصيدة تهجو العولمة، أو مليار قصيدة تمدح تاريخنا التليد، ومحاولة الإيهام أن الدفاع عن لغتنا العربية الفصيحة، والتمسك بها، كفيل برد العولمة عن بلادنا، هو مجرد خيط في سجادة.. وليس هو السجادة... ولا أنكر أهمية هذا المنحى.. ولكن يجب عدم اعتماده كسبيل وحيد للمواجهة... فبيننا وبين الغزاة فجوة هائلة.. ربما علينا البدء بردمها عبر تحرير التعليم من أساليب التلقين، والانتقال به إلى مجالات تحاكي حركة الطبيعة الخلاقة... ولعل هذا قد يطلق حرية الإبداع والابتكار.. شرط أن يتوفر له الدعم المادي المالي.. والتصفيق لأوائل الطلبة، ونشر صورهم على صفحات الصحف، لا ينتج إلا نسخاً مكررة لمهن فاضت عن المطلوب.. واتسعت أفقياً.. ولكن دون جدوى تتصدى لحصان طروادة الذي صار في ساحتنا!..‏

الأسبوع الأدبي