أبالسة الظّلام المعاصرون
ثارت في جمهورية مصر الشقيقة، مؤخراً، معركة ثقافية، إثر وقف التوزيع الخارجي، لمجلة (إبداع) في إصدارها الثالث، بعد أن طُرح العدد في المكتبات، ونفدت الكميات المطروحة منه، رغم ارتفاع سعره (400 صفحة، بسعر يزيد عن 10 دولارات)، بأمر من رئيس الهيئة المصرية العامة، وذلك بسبب وشاية، أو دسيسة، تعترض على (كلمة) وردت في سطر من سطور إحدى القصائد!..
وقلت إنها معركة ثقافية، لأنها معركة حقاً ما بين النور والعتمة.. ما بين التنوير، والارتداد إلى عصر الظلمات.. وهي ليست المعركة الأولى، إذ على مدى التاريخ.. عندنا، وعند غيرنا، انتهى تفسير النص الإبداعي، والعلمي، لا إلى محاكمته وفق معايير الإبداع، بل وفق مساطر (الدوغما) الجامدة... ولا أود استعراض تاريخ الأمم، بدءاً من سقراط، مروراً بغاليليو غاليلي، الإيطالي، الذي قال بدوران الأرض حول الشمس، ومحاكمته أمام محاكم التفتيش.. ولا بمأساة الحلاج، ولا نهاية ابن المقفع.. ولا محاكمة طه حسين، على كتابه "في الشعر الجاهلي".. (وبين معترضتين.. من يرجع إلى محاضر محاكمة طه حسين، عام 1936 سيدهش كيف أن المحكمة أنصفته، وبرأته بأسانيد قانونية.. لكن حرّاس الظلام كانوا أقوى منه.. وأجبروه على التراجع خطوة إلى الخلف)!...
ومن السجالات، التي وردت في معركة مجلة (إبداع) القول _ وهو قول حق _ ، إن بيت أبي الطيب المتنبي: "يترشّفن من فمي رشفاتٍ هنَّ فيه أحلى من التوحيدِ".. هو الهرطقة بذاتها!.. لو أخذ على حرفيته... ومع ذلك لم يعترض عليه، في زمنه أحد.. وقد مرت كثير من قصائد أبي نواس وأبي تمام والمعري وكثيرون غيرهم، دون هيجان ظلامي... ولنتذكر قول أمير الشعراء أحمد شوقي، وقد مر البيت على قارئيه كأي بيت من شعر له رموزه الخاصة: "وجه الكنانة ليس يُغضبُ ربَّكم/ أن تجعلوه بينكم معبودا !"..
فهل هذا كفر؟!.. أم الكفر في قول الشاعر أمل دنقل: "المجد للشيطان معبود الرياح".. "إذا أُخذ الأمر على المعنى الحرفي؟!".. بينا الأجدر والأجدى والمنطقي قراءته على أنه "مجرد رمز للمقاومة والرفض، فنكون بذلك أعطينا الشعر حقّه، وعصمنا أنفسنا من الفهم الخاطئ الذي سيقودنا بالضرورة إلى المبالغة والتهويل في تحميل لغة الشعر ما لا تحتمل"..
وما أكثر ما سنجد من أمثلة في تاريخنا المعاصر، ومنها على سبيل المثال إثارة قضية ديوان نزار قباني (طفولة نهد) أمام البرلمان السوري، أواسط الخمسينات من القرن الماضي، ومطالبة بعض نواب اليمين بمصادرة الديوان ومحاكمة الشاعر.. وقد مر الأمر بسلام، لأن بعضاً من كتل (اليمين) في البرلمان كان متنوراً وحضاري التفكير..
ومن الأمثلة التي لا يمكن نسيانها رواية (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ، وقد صودرت، ثم طبعت في بيروت، ولم يسمح لها بالتداول في مصر، إلى أن خرقت إحدى الصحف الأسبوعية المصرية الأمر، ونشرت الرواية كملحق مجاني للصحيفة... وفي هذا المجال أرى أن رواية (أولاد حارتنا) التي حاول فيها محفوظ، إعادة رسم صورة الخلق الإلهي، بشكل فانتازي رمزي مدهش، رفيع المستوى، غير متيسر الفهم للعامة، نُسجت (ولم تُنسخ) على منوال رواية موبي ديك (1924)، للروائي الأمريكي هيرمان ميلفل... والأخيرة، لم تحظ بالتقدير إلا بعد سنوات من موت مؤلفها.. وقد رأى فيها النقاد أنها "إنجيل الرواية في القرن العشرين"!.. وحظيتْ بما تستحقه من تقدير..
فما بالنا، نطعن نجيب محفوظ بخنجر، ونزهق روح فرج فودة مجاناً، ونحاكم مارسيل خليفة على أغنية "أنا يوسف يا أبي".. من قصيدة لمحمود درويش.. ونصف محمد الماغوط بـ (الفاجر) من قبل ظلاميين قِلَّة في برلمان الكويت.. ثم نجرّم مارسيل خليفة ثانية، والشاعر قاسم حداد،على (عملاً لمجنون "ليلى")، من قبل ارتداديين نحو الجاهلية، في مملكة البحرين، لم يشاهدوا العمل أصلاً؟..
هل الذنب ذنب هؤلاء؟.. أم ذنبنا نحن، أصحاب الثقافة.. وقد سمحنا لأبالسة الظلام أن تمسح بأيديها السوداء فوق رؤوسنا.. ثم تمر من حولنا بسلام!!..
الأسبوع الأدبي