بيتهوفن وفيينيافسكي موسيقى التّسامي والتّسامح

مي منسى قرأها 6
  

"السّلام والفرح" إنشاداً وعزفاً6666666666we4u6yewywe34weewwww.JPG

الارتقاء بالموسيقى عبور إلى اللاملموس، إلى تلك الطبقة الأثيرية من وجودنا، حيث تغدو الحواس في حال من الحبور الأسمى وفي آن معاً متيقّظة إلى جوهر النغم والدرب التي تقودنا إلى منابعه. فليلة الأوركسترا السمفونية كما اعتدناها مساء كل جمعة من دون أن تتكرّر مرة المعزوفات المدرجة في برامجها، كانت من تلك الليالي التي يتساءل فيها المتلقي السابح في أمواجها العاتية والعذبة، ماذا بعد كل هذه النعم الدافقة كشلالات عذبة من العازفين جماعات ومنفردين؟

فبقيادة مرنة ودقيقة تسلّم وليد غلمية توزيع الانتباه والتيقظ على الأوركسترا والجوقة والبيانو المنفرد في هندسة موسيقية ثالوثية أمنت التوازن الشفاف ما بين هذه النخبة الجيدة من منشدي جوقة الأب خليل رحمة ووليد مسلّم الذي جعل الملامس تغني تحت أنامله، مواكبا الغناء الجوقي كقطرات ندى على براعم فتية، والأوركسترا التي من أرضيتها كل انطلاق إلى المناخ العام لظاهر المقطوعة وخباياها.

في هذا الاختصار الذّكي والدّسم لبرنامج ضمّ عملين لا أكثر، كونشرتو لكمان وأوركسترا للمؤلف البولوني هنريك فيينيافسكي و"كورال فاتيزي" لبيتهوفن استطعنا أن نحمل معنا مذاقات من هذه الوليمة نروي بها الذاكرة، ومادة زكية للكتابة ما زال كمان سيزار إييزانو يملي عليها قشعريرات متحررة من كل خفر، وكأنه بقوسه يكتب الكلمات التي نود كتابتها.

فهذا العازف الذي طالما التحم بجسم الأوركسترا، وقلما أطل منها منفردا، أعطى للكمان أن يبوح بكل أسراره، ولقوسه أن يكشف عن هذا الغجري الآتي إلى الأوركسترا السمفونية من رومانيا وفي شرايينه إرث الغجر وقدرهم المختصر في أوتار الكمانات.

كونشرتو لكمان وأوركسترا من الزمن الرومنطيقي القابل المهارات العزفية بكل امتنان. فما من مؤلف موسيقي كان الكمان حرزه وتميمته إلا وأضفى على مقطوعاته تلك الشاعرية الليريكية الجذابة. العناصر التي كانت تدفق من قوس سيزار إييزانو على الأوتار هي منسوجة على نول الإرث البولوني. وكم في تجوال سمعنا في هذا النوع من المؤلفات يعود إلى البال نغما من أنغام سارازات الأسياني وفريتز كرايسلر النمسوي. يا له من عالم شاعري ألهب الكمان إلهامه فأبدع.

وللتوسع بهذه التحفة الوترية القاطفة مذاقاتها من كل خامات الآلات الوترية، دخل الشيللو في الحركة الثانية، جارحا، يعظم هذا الاحتفال الموجع الذي رصد له فيينيافسكي أمزجة الكمانات الجهيرة والحادة كلها، وفي الوسط كمان هذا العازف الباهر الذي أطلق من قمقم فيينيافسكي، المارد القادر على كل المهارات بهذا القوس الصارخ على الوتر، المداعب، النافذ إلى عمق شعيراته ليتفقد المفعول الأكثر أثرا في المتلقي. وكنا نتلقاه بمشاعرنا وإعجابنا بهذا الحوار الصعب بين العازف وآلته.

الفرح كمدّ البحر

مع بيتهوفن وجوقة الفرح والسلام للأب خليل رحمة، تغيّر المشهد، جارفاً، تصاعديا خلناه يشرع قبة كاتدرائية القديس يوسف لنسمع من خلال الأصوات الشجية صوت السلام الآتي.

الأوركسترا حضنت بيانو وليد مسلم والتسابيح البيتهوفينية من الجوقة. تذكرنا السمفونية التاسعة واختتام بيتهوفن لها بنشيد الفرح. "الكورال فنتيزي" هي تمهيد لها ونسخة أولية لما كان هذا العبقري في صدد تحضيره سمفونيته الأخيرة. البيانو كان المدخل والخيط القائد في هذه الآية المشغولة من قطرات الماء العذبة واللازمة المتنقلة بين كل مجموعة من الآلات الوترية حتى تغدو في سمعنا غناء قبل أن ترتفع أصوات الجوقة بهذا الأصول الذي تربت عليه منفردة أو مجتمعة. من أنامل وليد مسلم كنا نتلقى كرج الماء الذي به تتعمد النفوس ومن الأوركسترا شلالات تروي العطش وتنتقل مع الجوقة لتفسح أمامها الدرب إلى الصعود. كأننا كنا في حضرة ثلاث مقطوعات في واحدة لكل منها وحي رباني لا يدركه سوى المتعبدين للموسيقى والمصابين بدائها.

النهار