تبويس الشّوارب
قرأت، من مقدمة كتاب أهدانيه صديق قبل أيام، استشهاداً للروائي الألماني فرانزكافكا، يقول:
"إنالكتاب الذي لا يصدمك كقارئ، ويغير الكثير من قناعاتك الراسخة، ينبغي أن تتوقف عنقراءته، لأنك لن تأخذ منه شيئاً"!..
وأرى في قول كافكا شيئاً من الصحة.. لا الصحة كلها... فليست كل الكتب يجب أن تكون صادمة، وأن يكون هدفها الأول، وربما الأخير، تغيير قناعات القراء بالضربة القاضية!... فثمةكتب يمكن أن تعطيك المعرفة بشكل حيادي.. أو تزيد من معارفك في مجال ما، أنت ترغبه.. أو هي متلائمة مع اهتماماتك المعرفية.. كأن يكون الكتاب بحثاً في علوم الفيزياء، أوعلوم البحار.. أو أفانين الرياضة.. على سبيل المثال لا الحصر...
ثم ماذا عن كتب الشعر الجلي والمتجلي؟.. وهل مهمة الشعر إحداث صدمة مباشرة لدى متلقيه،كي يصبح جديراً بتسميته شعراً؟... ولا أنكر تأثير الفن في التاريخ البشري، لكن هذاالتأثير لا يأتي عبر الصدمة.. بل عبر عملية حتٍّ بطيئة تشبه تساقط نقاط من الماء.. متواترة وبطيئة، تسّاقط فوق صخرة صلدة.. لكنها ترسم بتواترها الدؤوب، والمتحرك توقيعاً فوق الصخرة...
وقلالأمر ذاته عن الرواية، أو القصة، أو الشعر، أو الأغنية، أو السيرة الذاتية... فثمةفي هذه الفنون ما هو ممتع، يخبئ، ببراعة، بين تلافيف متعته وظيفته الأحفورية، وتحت يافطة عريضة، و(خبيثة)، هي متعة القراءة.. تلك التي تختزن فيروسات التغيير .. أو ما هو دافع لتعميق رؤية الحياة، والمعرفة الأفضل لأنفس البشر من حولنا، وسلوكياتهم، وعواطفهم، وردود أفعالهم..
ونظرة موضوعية إلى الموسيقا، وهي إنتاج يشارك الكتب والكتابة صفة الفن... سنعترف، دون كثير، أو قليل من الخلاف، أن هدف الموسيقا، وأقصد الراقي منها، يخاطب الروح، ويسمو بالوجدان إلى مدارج رفيعة، عبر لغة تجريدية بحتة، لا كلام فيها، ولا حروف.. بل نغمات متَّسقة، قد تدفع متلقيها إلى التحليق في أجواء ملائكية متخيلة...
ويبدولي أن كافكا (الصادم) في كتاباته، كان يقصد كتباً بعينها، وليس كل الكتب.. ويضحيالتعميم في هذا المجال غير مستساغ..
يقول الشاعر الأمريكي التقدمي والت وايتمان: "نحن نتعلم أفضل الدروس، ليس من الذين يمدحوننا، فالمديح توريط، إذا لم يأت في موضعه.. بل نتعلم من الذين ينتقدوننا،ويكتشفون نواقصنا، ونواقص عملنا، وممارساتنا الخاطئة"...
والواضح من كلام وايتمان أنه يقصد الكتابات الناقدة... حيث المديحالمجاني من الناقد، يودي إلى ورطة حقيقية عند بعض منتجي الأدب، شعراً أو نثراً.. وقد يدفع بهم إلى الجمود، أو إلى النرجسية، وتكرار عزف التجربة الأولى مرة تلوالمرة، إلى أن تتهرَّأ..
والحالة، لا بد مريرة، في الكتابات الصحفية المرتجلة.. حيث أغلبالكتابات، هي (تبويس شوارب).. لا جمر في موقدها.. ولا رماد...