أحوال الهمزة
أحاول، جاهداً منذ وقت ليس بالقليل، على محو أمية شاب نشيط ومخلص في عمله، (يشتغل حوّيصاً.. على لغة أهل الشام) في ممرات وغرف المقر المركزي لاتحاد الكتاب العرب بدمشق، وتقديم شؤون من القهوة والشاي والزهورات والشاي الأحمر (الكاركدي) لمن يعانون حساسية الضغط المرتفع في الشرايين... وتقديم الماء الساخن، قبل درجات الغليان بقليل، للمدمنين على شرب (المتّة)، لمن يناصرون.. أو لا يناصرون، أو يقفون على الحياد، من حركات اليسار الناهض في كل أرجاء أمريكا الجنوبية، هذا اليسار الواعد بأنه سيكون (المسلّة) التي ستفقأ الصديد في دمامل كل قروحات البلاد التي يحاول تجميلها المستر، أو المايسترو، ديك تشيني..
وأظن أن هذه الزاوية التي أكتبها في هذا الركن من هذه الدورية الأدبية، لا تحتمل الاسترسال في بحوث سياسية، ولذا، أعود إلى القاعدة التي تقول أن أحرف العربية تسع وعشرون حرفاً.. تبدأ بالهمزة.. وأما حرف (ا) فقد أوجدوا له موضعاً يستقر فوق حرف لام مكرّر، ليصبح تسلسل الأحرف يمر عبر سلسلة (ف.ق. ك. ل. م. ن.) ثم (لا) حيث حرف (ل) كرسي نافل، وظيفته حمل الحرف (ا)، ويلفظ، ضمن إرباكات اللفظ التعليمي، المرتبك أصلاً، والمختلف عليه بلفظ: (لام ألف).. ولفظه الصحيح: ل. ا.. حسب اجتهادات سبل التعليم الحديث...
يقول أحد الباحثين الجادين بشؤون اللغة في كتاب صدر حديثاً، (وسأتناول بحثه لاحقاً): "لمَ الهمزة بالذات من بين حروف الهجاء تعاني من التبعية؟.. أوليست حرفاً صحيحاً؟.. وهل يُعقل حفظ أكثر من عشر قاعدات لتعلم طريقة كتابتها، وأحوالها المتعددة؟.. لم لا تكون الهمزة حرفاً طبيعياً ومستقلاً كبقية الحروف، ونريح العربي من كل تلك القاعدات، ومن هدر الوقت؟!"..
يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي، ما فحواه، أن: "رسم الهمزة اقتبس من حرف العين (ع _ء)، إلا أنها لم تأخذ وضعاً ثابتاً، فهي تجلس على كرسي مؤقت من حروف العلّة وذلك لتسهيل لفظها مدّاً، إن لم تلفظ: فأس: فاس _ بئر: بير... ولفظ الهمزة هو لغة تميمية.. بينما التسهيل بها لهجة حجازية.. والقرآن الكريم نبر الهمزة على طريقة تميم، ولم يسهل لفظها، وبقي التسهيل لغة من القراءات... والناس حتى الآن، في اللهجة المحكية، يسهلون الهمزة على الطريقة الحجازية، لتخفيف ثقل نبر الهمزة، ويظنون أنها غير فصيحة...
ولست أدري من أين جاء الباحث إبراهيم الجبين في كتابه الصادر حديثاً "لغة محمد" (مع احترامي لبحثه) من أن الخليفة عمر بن الخطاب (ر) قرّع أعرابياً (أي ضربه بالمقرعة) كان يقرأ الآيات مهموزة، بحجة أن الرسول (ص) لم يتل ما أوحي إليه بلغة الهمز..
ولست بصدد كتابة بحث في شؤون نحوية عويصة.. لكنني أقف أمام كتابات لكتاب يحملون ألقاباً كبيرة.. ويهملون في كتاباتهم المقام الجليل الذي يحتله حرف الهمزة.. ويستهترون به، دون وعي منهم بأنه أشرف الحروف، ومبتداها.. وأخطر ما في الأمر أن كثيراً من الكتابة الصحفية أسقطت هذا الأمر من حساباتها، بحجة أن عامة القراء أسقطوها من حساباتهم.. وكل يقرأ حسب لهجة عشيرته أو قريته.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم..
الأسبوع الأدبي