من نافذتي
حين يزور الفجر المدينة
من زمانٍ لم أفتح نافذتي.
نافذتي مطلّة على كلّ عناصر الحياة الملموسة، وغير الملموسة.
أمس، قصدتُ الفجر، استيقظت قبله. أحبّبت ملاقاته بعد غيبة، كما أستقبل المُحبين في المطار ولا أنتظر وصولهم إلى البيت. كلّ لحظةٍ تؤخِّرُ اللقاءَ منبوذة ومرفوضة.
ذهبتُ إليه وملء كفيّ أصوات عصافير، وقطرات ندى، ورفيف نسيمٍ صباحي، شذاه ألذّ من طعم الفاكهة في أول الجنى بعد طول شتاء.
الفجر في الجبل غيره في بيروت. خطواته واثقة وثابتة. لا أعرف إن كان يذهب إلى الغابة أم هي تخرج لاستقباله؟ رأيتها ترتدي حلّةَ البهاء وسرعان ما كشفت عن كامل مفاتنها... لم تخفِ شيئًا عنه. فتحت ذراعيها لتضمّه إلى صدرها بخالص الشوق، تاركةً للعيون الفضوليّة لذة الشَبَع.
حين زار الفجر الغابة، طردت عنها كلّ غبار وضباب وغبش... تكحلت بصفاءٍ لا يُرى إلاّ لحظة وصوله.
السماء غسلت وجهَ الغمام، جعلته ناصع الحضور، وما نسيت أن ترتّب له شعره احترامًا لقدوم الضيف الغالي.
أمس، ذهبت لملاقاة الفجر، وحزنت لكثرة ما أهدرت من لحظات تمنحنا الطبيعة فيها إمكانيّة استنشاق روحها كاملة، نحن الغارقين في سُبات مكتوبٍ علينا أبديّة كاملة.
اللقاء كان مثمرًا. هناك وعدتُه بالوفاء له، وانتظاره كل يوم، ووعدته بإعادة فتح نافذتي والوقوف فيها.
ردّ على الوعد بوعد آخر منه.
سيزورني حين تكون المدينة نائمة ولا تعير وصوله أيَّ اهتمام.
يكفيه أن يكون في المدينة فرد واحد بانتظاره...
حينها أدركت لماذا يزور الفجر المدينة!