أفانين الكلام – عَ الأصل دوَّرْ
يظنبعض الجمهور المتلقي من عشاق الفن والإبداع، أن كتابة رواية ضخمة من وزن رواية الإخوة كرامازوف لثيودور دستويفسكي، أو بسط ملحمة، تعيد تفسير مسيرة البشر، وتقديم رؤية ميتافيزيقية جديدة مخالفة، ومفارقة للرؤى الميتافيزيقية الراسخة في ذهن العامة، عبر رواية (موبي ديك) لهيرمان ميلفل.. أو أن رواية "الحرافيش"، والعملالموازي لها: "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ.. دون تجاهل ملحمة "مدن الملح" لعبدالرحمن منيف.. أو "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست... كلها استمدت قيمتها من ضخامة حجمها.. في حين أن قيمتها تكمن في تصدّيها، وتصادمها مع (دوغما المطلق)...
والبداهة والنباهة تقول إنها أعمال عظيمة.. وقد تكون خالدة، هي،وسواها الكثير، من مثل الأوديسة، والإلياذة لهوميروس، ضمن سياق الإبداعاتالإنسانية.. لكنها بالتأكيد، لم تستمد قيمتها الإبداعية من حجمها الضخم.. بل من فكر (أحفوري)، يتصدّى بوعي كامل لرسم مسيرة البشرية، ويتوخّى وضع منهج لتفسير معضلةالوجود الإنساني الملتبس فوق هذه البسيطة..
وأعتقد أن الأدب العظيم لا يمكن قياسه بالحجم، وبعدد الصفحات.. بلبالشغب، والأفكار المخالفة التي يُخترق بها سياق المألوف... وهذا ما فعله سرفانتسفي رواية (دون كيخوته)... دون تجاهل لرواية "الحرب والسلم" لتولستوي.. أو رواية "الدون الهادئ" لشولوخوف..
مقياسالأدب لا يقاس بمسطرة، بل بالأفكار المطروحة فيه... وحكايات يوهانز أندرسون، ومنهاقصته الخالدة (فرخ البط القبيح) لا يمكن أن تقاس بالحجم.. بل بالفكرة المدهشة التي تحتويها... ومن هنا يمكن السماح لي بطرح فكرة أن الكتابة للأطفال هي أسهل أنواع الكتابة... بينما الواقع، هو أنها الأصعب.. كما أن كتابة القصة القصيرة ليست أسهلمن كتابة الرواية، ولكلا الفنين شروطه الخاصة...
وفيكل الفنون، بما فيها الفن التشكيلي، لا يمكن محاكمة لوحة جدارية كبيرة بمدى اتساع مساحتها.. بل بما تحمل من رؤية وفن وإبداع... مثلما يمكن للوحة من المنمنات أن تشي عن موهبة كبيرة...
وفيمختزلات العامية المصرية، ثمة مقولة تشبه قافية الشعر العربي المصاغ على أوزانالخليل، تقول: "ع الأصل، دوّر"!...