بعض مداميك الأساس
دأبتُ، بما يشبه الإدمان، حين كنت ما أزال طفلاً في منتصف المرحلةالابتدائية، منتصف خمسينات القرن الماضي، على شراء مجلة أطفال أسبوعية تصدر فيالقاهرة، تحمل اسم "سندباد".. وأما العنوان الفرعي، فيعرّف بالمجلة أنها "مجلةالأولاد في كل البلاد".. وفي تعريف فرعي آخر، أنها: "تصدر صباح كل خميس".. ومنالعجائب أني كنت أشتريها، بربع ليرة في دمشق، من مكتبة في دمشق القديمة، تتوسطالمسافة بين مدرستي، وغرفة عائلتي المستأجرة فوق سور دمشق، ظهيرة كل خميس بعيدالانصراف من المدرسة..
وأعترف أن اسمي ظهر لأول مرة بحروف مطبعية في هذه المجلة... وظهرإلى جانب اسمي، وربما لأول مرة أيضاً، رسم من إبداع طفل مصري، أظنه يقاربني فيالعمر، يدعى محي الدين اللباد... وهو الآن أحد أعمدة رسامي الصحف في مصر، ومصمميصفحاتها.. ومنها صحيفة "أخبار الأدب" الصادرة عن دار الأخبار المصرية.
وأذكر، إن لم تخني الذاكرة، أن رئيس تحرير المجلة كان يدعى: أحمدسعيد العريان.. وأما ما كان ينشر في تلك الدورية، فهو متقدم بعشرات المرات من حيثالفكر والنزاهة والعلم وقصص الخيال، والقصص الواقعية، عما ينشر في معظم مجلاتالأطفال الصادرة عن بعض جهات النشر العربية الآن... ومعظم هذه المجلات تنحو نحو (فكرانيات) ملتبسة، وذات أهداف مسبقة، وغير سليمة.. وهي لا تفتقر إلى الموضوعيةوحسب، بل وتمارس دوراً تخريبياً في تربية الأجيال الجديدة عبر ضخ كم هائل منالأفكار الغيبية التي تسبِّح، وتسبَحُ في خرافات الغيب والغيبوبة..
وهنالا بد من ذكر مجلة أطفال تصدر منذ عقود عن وزارة الثقافة السورية، بدأت مسيرتها منذعام 1969 واستمرت، عبر منعطفات موضوعية متعثرة أحياناً، وناجحة على الأغلب، فيالصدور.. وقد توالى على رئاسة تحريرها أسماء كبيرة من مثل صديقي ومعلمي زكريا تامر،الذي أتمنى له الآن، ودائماً، المديد من العمر المعطاء.. وصديقي الراحل سعد اللهونوس.. والسيدة الجليلة دلال حاتم..
مايهمني قوله في هذه العجالة هو أن مجلة "أسامة"، التي أتابعها منذ عقود، بقيت محافظةعلى مداميك التأسيس.. بل هي، ومنذ فترة، ليست بالفترة الطويلة قفزت، لا من حيثالشكل فقط، بل من حيث المضمون أيضاً، أشواطاً لا تخفى على القارئ الناقد الناضج.. ولا عن الطفل الذي (قد) يشتريها بثمن بخس...
ومايميّز مجلة "أسامة" عن بقية مجلات الأطفال في الوطن العربي هو حيادها الإيجابي، وموضوعيتها العلمية التربوية، ومستواها الفني، سواء من حيث النصوص الأدبية، أوالرسوم المدهشة التي يمكن أن تكون أفضل معبّر عن تطور الفن التشكيلي في سورية...
ومقارنة مع ما يقدم للأطفال من مجلات طفليّة، وخاصة في دول تظن أنزعامة العالم معقودة لها الآن، أو في دول متقدمة، تتحكم بها معايير الربحوالخسارة.. فإن ما نقدمه لأطفالنا هو الأفضل... باستثناء ما قدمه الاتحاد السوفييتيلأطفاله..
وماأتمناه هو أن تصل مجلّة "أسامة" إلى يديّ كل طفل في البلاد، ولو مجاناً.. وهو أمريشبه بناء جزء من المستقبل على أساسات متينة..