بين القمح والزيوان
استمدالروائي الكولومبي الشهير غابرييل خوسيه غارثيا ماركيز بعض رواياته (قصصه الطويلة) من تحقيقات صحفية له.. وكما هو معروف.. إضافة إلى شهرته كروائي عالمي، هو صحفي بارعللغاية، ومحاور من الدرجة الأولى.. وقد اعترف صراحة أن بعض قصصه ليست أكثر، ولا أقلمن تحقيق صحفي، نشره في صحيفة.. ثم أعاد نشره في كتاب على أنه عمل أدبي بحت.. بمايعني أن غابرو بداية، صاغ تحقيقه الصحفي بأسلوب أدبي محض.. ودون خيانة لما تقتضيهالأمانة الصحفية...
وأذكرمن أعماله في هذا المجال قصتيه المعروفتين جيداً: "قصة موت معلن".. و "أجمل غريق فيالعالم"... وعن قصة موت معلن يقول الروائي أنه عبارة عن تحقيق صحفي أكثر منه قصةتدور حول القتل العلني لأحد أصدقاء طفولته على أيدي شقيقي خطيبة القتيل.. وكانتالفتاة قد زوجت لسائح غريب.. لكن الزوج السائح أعادها إلى عائلتها، لأنه وجدهاثيباً!.. وألقت الفتاة تبعة أمرها على خطيبها السابق (صديق ماركيز).. وهذا ما دفعأخويها القصابين إلى الإعلان عن عزمهما قتل غريمها علناً، ودون مواربة.. وهذا مانفذاه فعلاً في ساحة القرية..
"قصةموت معلن" إذاً هي واقعة حقيقية، كتبها ماركيز، بداية، كتحقيق صحفي، لكنه أرجأنشرها مدة ثلاثين عاماً بناء على رجاء من أمه لاعتبارات خاصة تتعلق بعائلةالقتيل...
مايهمني في هذا المثال، وسواه أن للصحافة قواعدها المنطقية، وأخلاقها الخاصة والصارمةمن حيث التزامها بنقل الوقائع بشكل شبه حيادي من جهة.. والنظر من جهة أخرى، إلى أنالكتابة الصحفية يمكن أن تكون فناً أدبياً، مثلها، مثل الشعر، أو المسرح، أوالرواية.. وهي فن لا يعنى بنقل الوقائع كما هي (أي بقوالب جامدة).. بل التغلغل إلىما خلف الوقائع.. أقصد إلى جوهرها، وخلفيات قواعدها الناظمة.. ومن ثم صوغ هذهالوقائع في قالب فني مشوق.. دون التضحية بالحقيقة...
... ما يدفعني إلى كتابة هذه (الديباجة) بعض قصص تصل دوريتنا هذه.. أجيز نشر كثير، أو قليل منها.. لكنها من حيث التوصيف، لا تحمل أي شرط من شروط الفن القصصي.. إذ، لا هي تحقيق صحفي يلتزم بشروط التحقيق الصحفي.. ولا هي تخييل للواقع الذي يفترض أن يعيشه الكاتب... وأقصى ما يفعله كاتب القصة هو اقتباس أحداث من نشرات الأخبار المثيرةوالحارة، ثم إعادة صوغ تلك الأحداث على شكل عمل أدبي، تغتاله وتصادره الذهنيةالفجَّة.. ويغدو أشبه بتقرير صحفي لا جديد، ولا إبداع فيه، وإن كانت بعض صياغاته تأتيبلغة سليمة، لكنها اللغة التي تحصد حقلاً من سنابل القمح الناضج، وتحصد معه، سنابلمن الزيوان... بحيث يغدو الحصاد وفيراً في الكم.. هزيلاً في المحصلة...
وكمايقال، فإن الدرب إلى جهنم مليء بالنوايا الحسنة، ومثل هذا يمكن أن يقال عن القصة،أو الرواية، أو الشعر.. حيث الواقع هو الملهم الأول للمبدع.. ولكن الواقع المعاشعبر تجربة حياتية معاشة شيء.. والتماهي المفتعل مع نشرات الأخبار شيء آخر...
وأعترف.. بعض ما نشر، أو ما قد ينشر في صفحَتَي القصة من هذهالدورية، مرّ فوق ذائقتي مرور حصاد من غمر سنابل تحمل القمح مع الزيوان... وأما ماكان يسوده الزيوان، لا يصلح إلا وقوداً للتنور...
الأسبوع الأدبي