مستقبل المرأة المصرية بين سندان الرجعية ومطرقة التشريعات الدستورية
تحقيق صحفي
هناك من يعتبر وجود المرأة عاراً يجب وأدُه وأداً من نوع خاص ليس بـالدفن تحت التراب كما كان يفعل جهلاء العرب قبل الإسلام ولكن وأداً عصرياً عن طريق دفنها تحت حزمة من القوانين والتشريعات الدستورية تسلبها حريتها وتمنعها من كافة حقوقها التي اكتسبتها بعد نضال طويل مرير وهي تواجه عنصرية المجتمع الذكورى غير مبالية بالانتهاكات السافرة الفادحة التي ارتكبها بعضٌ ممن نصّبوا أنفسهم سفراء للعناية الإلهية يفسرون الدين حسب أهوائهم وطبقا لوجهة نظرهم المتشددة البعيدة كل البعد عن جوهر الدين الإسلامي دين السماحة والوسطية، الذي كرم المرأة وأعلى من شأنها، حالة من الجدل واللغط أنتشرت في الأيام الأخيرة نتيجة سعي بعض من أعضاء الجمعية التأسيسية تمرير تشريعات كارثية تتعلق بمستقبل المرأة وحقها في تقرير المصير والتعليم والعمل، ناهيك عن تخفيض سن الزواج ليصل الى 9 سنين او ربما 13 سنة.
لماذا قدّر على المرأة المصرية أن تدفع وحدها ثمن التغيرات المجتمعية التي أعقبت الثورة رغم كونها شريك أساسي وأحد صناعها عندما وقفت كفارسة نبيلة بجوار الرجل في أرض الميدان تذود عن حق الجميع في الحرية والعدالة الإجتماعية وهي تتطلع الى مصر الجديدة القائمة على أساس المساواة والمواطنة؟ لماذا عندما حان وقت توزيع غنائم الثورة ومكتسابتها تغاضى الرجل عن دورها المحوري في صنع الأحداث؟ وهل هذا التغاضي جاء عن عمد ام عن جهل أم عن كفر بحقوقها الإنسانية؟! لماذا يصر الكثير من رجال تيار الإسلام السياسي وشيوخهم على إقصاء المرأة من المشهد السياسي والإجتماعي؟ وهل تعيش مصر الآن ردّة حضارية وفكرية؟! ولأن الأمر جداً خطير وخاصة بعد نشر أجزاء من تلك النصوص على الموقع الإلكتروني الرسمي للجمعية، مما أثار قلق الجمعيات والمنظمات الحقوقية والوسط النسائي الذي اصبح على صفيح ساخن وسط ترقب وتكثيف الاستعدادات لمواجهة ما قد ينتج عن الجمعية التأسيسية بعد أن تداول وناقش اعضائها إباحة زواج القاصرات في الدستور الجديد، واعتبروه من الشرع والشريعة حتى أن النائب السابق فريد إسماعيل عضو اللجنة اعتبر أن زواج الفتاة عند سن التاسعة من عمرها لا غبار عليه شرعا، وكذلك اعتبر الشيخ برهامي أن زواج القاصرات هو الحل الأمثل للتغلب على الزواج العرفي؟! لذا كان من الأهمية طرح هذا الموضوع للنقاش والحوار واستطلاع آراء المواطنين والمختصين لسبر غور القضية واستشراف المستقبل في حال تمرير هذا الدستور.
* الدستور الجديد حديث الساعة بين الطلاب داخل الجامعات
داخل جامعة القاهرة تجد حلقات نقاش ساخنة بين الطلاب عن الدستور الذي شغلهم عن مشكلات بداية العام الدراسي المعتادة كـ المصاريف وجدول المحاضرات والكتب وأسماء الدكاترة... الخ. تابعنا إحدى حلقات النقاش المحتدم بين الطلاب شباب وبنات وكان من بينهم طالب ملتحٍ لاحظنا دفاعه المستميت عن أعضاء الجمعية التأسيسية وعن عملهم. اقتربنا أكثر منهم وطلبنا ان يسمحوا لنا مشاركتهم الحوار.
مصطفى عمار طالب بالفرقة الثانية كلية الآداب قال: عندما أفكر في الزواج استحالة أن أتزوج من طفلة عمرها 13 عام فالزواج يجب أن يبنى على التوافق الفكري وتقارب السن، الرجل يحتاج على زوجة تقف بجواره وتعينه على أعباء الحياة وليس إلى طفلة تنجب له طفلة ليعيش حياته في معاناة بين طفلتين زوجة وابنة.
التقط عمار البنداري طالب حقوق أطراف الحديث وقال: أتعجب من صاحب فكرة زواج القاصرات. أنا شخصياً اعتبر ذلك جريمة يجب أن يعاقب عليها القانون.
هناء فكري من سوهاج تدرس الإعلام بجامعة القاهرة تقول: حتى في الصعيد ورغم ما يعرف عن عاداتهم في تزويج البنات في سن صغيرة الا أنني أتوقع رفض أهل الصعيد خفض سن الزواج الى 9 سنين لأن هذا مبالغ فيه حتى ولو سن الزواج في الدستور 15 عام أرى ايضا إنه سن غير مناسب.
طالبة كانت تتابع الحوار دون ان تشارك وكأنها تفكر في شيء ما وبالإقتراب منها وسؤالها عن اسمها ورأيها فيما يدور من نقاش قالت: إسمي رحاب خالد، طالبة صيدلة. سرحت قليلا لانني تذكرت ابنة خالي التي تزوجت وهي في الـ 14 من عمرها وتوفيت عند وضع مولودها الأول.
*قلق وترقب في الشارع المصري.
اتجهنا بعد ذلك إلى مكان خصب ومثالي لاستطلاع آراء أنماط ونمازج مختلفة من المواطنين ففي إحدى عربات السيدات بـ ((مترو الأنفاق)) سألنا سيدة في العقد الخامس من عمرها عن رأيها فيما ينشر عن مواد الدستور المتعلقة بالمرأة أومأت برأسها ثم قالت لم أسمع ولا أريد، كل شيء في مصر مش طبيعي وقد قررتُ عدم متابعة الأخبار او البرامج حتى لا أشعر بـاكتئاب من شدة حزني على مصر.
صفاء شعبان ممرضة: قالت أي إنسان يجور على حق الولاية ((تقصد النساء)) مش هيكسب!
إيريني عادل معيدة بكلية علوم: أرفض ان يكون مستقبل المرأة بمصر في يد مجموعة ضيقة الأفق تعد دستور حسب مزاجها دون مراعاة مصلحة الوطن فقد أندهشت عندما علمت أن هناك عضواً بالتأسيسية يرى في الديمقراطية وثناً وكفراً ومع ذلك تم اختياره عضواً لكتابة الدستور في حين تم إغفال قامات دستورية مثل دكتور ابراهيم درويش.
إحدى السيدات لم يرق لها كلام إيريني فتدخلت في الحديث وهي غاضبة الصحافة والإعلام ضد الإسلام وكل همهم تشويه الإسلاميين انتم زعلانين ليه ان الاخوان والسلفيين عددهم كبير في تأسيسية الدستور؟ أنتم ليه خايفين من تطبيق شرع الله؟ وهوّ انتم لسّة شفتوا الدستور علشان تهاجموه؟ اتقوا الله الإسلام هينتصر ومصر هتبقي دولة إسلامية، حاولنا تهدئتها والتحدث اليها أننا لسنا ضد أو مع وأن تناول هذا الموضوع جاء بعدما نشر موقع الجمعية إرهاصات عن تلك المواد ابتعدت السيدة وهي غاضبة واخذت تتمتم بالدعاء على كل من يحارب الإسلاميين!
فريدة حسين بائعة منديل متجولة بالمترو: قالت تركت التعليم وأنا في الصف الأول الاعدادي وتزوجت زواجاً لم يدم سوى شهر ونصف وكانت النتيجة طفل أبيع مناديل لأصرف عليه.
*نشطاء وحقوقيين يحذرون من محاولات إقصاء المرأة.
أعربت دكتورة مرفت التلاوي رئيس المجلس القومي للمرأة عن استيائها الشديد من تصريحات عضو في اللجنة التأسيسية لوضع الدستور وبعض القيادات السلفية - بشأن ما اعتبروه "حق الفتاة الزواج وقتما بلغت حتى ولو كانت فى التاسعة".
واستنكرت التلاوى التفكير فى تزويج طفلة لم يكتمل نموها الجسماني والعقلي، وحذرت مما أسمته انتهاك طفولة الفتاة تحت دعوى الزواج قائلة ان ما تمر به المرأة من إجحاف بحقوقها لم نره حتى في عشرينات القرن الماضي.
أمين اتحاد حرائر مصر السيدة سهى بسيلي تؤكد رفضها لمحاولات تهميش المرأة وصرحت أن الاتحاد بصدد تنظيم مؤتمر منتصف شهر أكتوبر يشارك فيه العديد من الجمعيات والاتحادات النسائية وكافة المنظمات المحلية والإقليمية المهتمة بقضايا المرأة لمواجهة ما يحاك في الغرف المغلقة لتأسيسية الدستور وحذرت بسيلي إن لا عودة إلى عصر الحرملك ولن نقبل بذلك.
الدكتور محمد على البيطار أستاذ علم الإجتماع بجامعة جنوب الوادي يرى إن ما يحدث في التأسيسية ما هو إلا عبث يصدر عن جمعية فاقدة للشرعية دستورها مليء بالعوار وتكوينها لا يعبر عن كافة أطياف الشعب أما بخصوص ما تناقلته وسائل الإعلام عن خفض سن الزواج، توقع ان يقابل هذا العبث برفض شعبي لأن "الزواج المبكر في أغلب الحالات يؤدي إلى الطلاق، وهذه الزيجات الفاشلة تؤدي إلى تفكك الأسرة وضياعها، كما تتجلّى الآثار الاجتماعية السلبية لهذا النوع من الزواج في زيادة عدد أفراد الأسرة، وهو ما يرهق كاهل الأب والأم في التربية والتنشئة وتلبية احتياجات الأطفال المادية والضرورية. وعيب كل العيب ان يتم التعامل مع المرأة وهي الأم والأخت والزوجة والأبنه بهذه النظرة الدونيه فهي شريك أساسي في المجتمع ويجب إعلاء قيمتها والحفاظ على كرامتها.
أشارت دكتورة منال عمر، استشاري الطب النفسي، إلى ان زواج الفتاة في سن صغير يؤدي إلى تشوهات سيكولوجية تتعرّض لها الطفلة دون الـ 18 عام، مع أول ممارسة جنسية، حيث التشتت في إدراك التكوين النفسي كونها طفلة أو إمراة، والميل لمحاولة تفسير كل الأمور المحيطة بها تفسيراً جنسياً، فضلاً عن الرغبة في ممارسة الجنس مع الشخص الفاعل بها، والكارثة أن عدم وجوده أي الشخص الفاعل، يعني "التمحك" بأشخاص آخرين وأن التشوهات لا تكون نفسية فحسب، بل هناك تشوهات عقلية، حيث العزوف عن المعرفة العلمية والاعتماد أكثر على الفعل والممارسة.
* شيوخ السلفية يؤيدون وشيوخ الأزهر يتحفظون.
الشيخ صلاح عبدالمعبود النائب السلفي بمجلس الشعب المنحل وعضو تأسيسية الدستور يقول انة يرفض رفع سن الزواج لان ذلك يتنافي مع الثقافة الإسلامية التي تربى عليها الشعب المصري وسبق وقد انتقدت إحدى المواد التي أعدّتها لجنة الحقوق والحريات لانها تخص الاتفاقيات الدولية الخاصة بحظر زواج القاصرات.
الدين الإسلامي وإن لم يحدد سناً صريحة كحد أدنى للزواج، فقد أقر بأن أركان الزواج (الإيجاب والقبول وشاهدي العدل والإشهار)، والإيجاب والقبول هنا مرتبطان باكتمال الإرادة، التي رآها بعض الفقهاء لا تكتمل قبل الثامنة عشرة أو أكثر هكذا بدأ الدكتور احمد عويس أستاذ الفلسفة الإسلامية، وأضاف دكتور عويس قائلاً: القياس على زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة في سن صغيرة، باطل، لأنها لم تكن بهذه السن الصغيرة التي يتداولها البعض، ولأن المستجدات الحالية في المأكل والمشرب والتعليم والثقافة، لا يصلح معها أن تتزوج الفتاة قبل أن تكمل تعليمها الثانوي أي في الثامنة عشرة، بالإضافة إلى أن السيدة عائشة كان لديها خصوصية حمل فقه وثقافة بيت النبوة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. فالمرأة الآن تحتاج الآن تعد لتكون مسؤولة عن رعيتها أي زوجها وأطفالها وفي هذه السن الصغيرة ستكون غير مؤهلة لهذه المسؤولية قبل أن تتعلم معتبراً بعض علماء الدين الذين يعترضون على تحديد سن الزواج هم معترضون فقط من أجل الاعتراض وليس إلى سند ديني حقيقي.
حالة من عدم الرضا في الشارع اتجاه ما يصدر عن تأسيسية الدستور وعلى الجانب الآخر تستعد المرأة لخوض معركة جديدة في تاريخها النضالي من أجل منع مذبحة دستورية لحقوقها حيث أكدت الكثيرات من القيادات النسائية أن لا عودة إلى عصر الحريم ولا لتكبيل المرأة بقيد من الأغلال والسلاسل القانونية والدستورية التي يسعى الرجل إلى وضع طرف تلك السلسلة في رقبه المرأة ويمسك هو بالطرف الأخر ليحكم قبضته عليها ويحركها كعروس الماريونيت او كـروبوت ينفذ الأوامر ترضى بالفتات من الحقوق الذي تنازل ومنحها إياها، المؤشرات تؤكد أن المرأة ستقف وبقوة ضد دستور قد يكون هو الأسواء في تاريخ الدساتير المصرية أن تمّت صياغته على هذا النحو الغير منصف لحق المرأة في ممارسة إنسانيتها على قدم المساواة مع الرجل.