نداءات رحبانية إلى حَمَلَة الكراسي
وأنا أستمع إلى الحلقة 578 من البرنامج الإذاعي لـ"صوت لبنان" (نقطة على الحرف) الذي يقدّمه الشاعر اللبناني هنري زغيب صباح يومي الأحد والأربعاء من كل أسبوع، وكان عنوانها "أسقطوا عن أكتافكم هذه الكراسي" *، عادت بي الذاكرة إلى المسرحية الرحبانية الغنائية الخالدة "ناس من ورق" التي قُدِّمت في بيروت ودمشق عام 1972. كان حزني مضاعفاً.
أولاً لأنَّني لست متفائلاً جدَّاً بنتيجة إيجابية لنداء الصوت اللبناني الصادق هنري زغيب وهو يناشد الشبيبة من أبناء لبنان ممَّن تركوا أعمالهم وشؤونهم ودراستهم وشغلهم ووظائفهم وعائلاتهم ليمارسوا ما أخذ شكل الهواية والتَّسلية فوق ما سببه هذا التمرُّد من تعطيل لأعمال الآخرين مما ترك أثره الكبير على الاقتصاد وبالتالي على القدرة الشرائية لأبناء الشعب اللبناني ممن يشاركون أو لا يشاركون في هذا العمل اللاوطني .. يناشدهم أن يعودوا إلى صوابهم وإلى حياتهم المعتادة ويتركوا أمور الدولة للمكلَّفين بمتابعتها وحلِّ معضلاتها.
لست متفائلاً أن تؤدي إلى مراجعة الذات خيبةُ "الثائرين بدون ثورة" وفشلهم الذي سببته ضحالة وسطحية وذاتية برامج من حرَّضهم على العصيان الذي وصفوه ظلماً بالحضاري أو المدني أو السّلمي، إذ لا يكفي أن تغيب القنابل عن ساحات التمرُّد لوسمها بالحضارية والمدنية .. فلقد حلَّت العصيّ والفراريع محلَّ الكلاشنيكوف فحلَّ الرُّعب في قلوب الآمنين، وتمكن المسيئون لوطنهم وأبناء بلدهم من تكسير واجهات المحالّ والسيارات مما صادفوه أمامهم تعبيراً عن الغضب من (..؟؟)!!. لست متفائلاً من إمكانية اعتراف مقترفي الحملة التحريضية الهدَّامة، وقد رأوا نتائج حملتهم وهاهم عاجزون عن حصد نتيجة واحدة لمصلحتهم، بأخطائهم ومن احتمال التوجُّه إلى الوطن والشعب بالاعتذار وإلى المُساقين "انجراراً ببغاوياً" إلى هذه الفعلة بالشرح والتفسير طالبين العودة بالحياة إلى طبيعتها. والسبب الرئيس في عدم تفاؤلي أن المعتصمين أساساً هم من "حملة الكراسي" الذين استفحلت فيهم عادتهم فأصبحت شبه مهنة وغدوا مرصودين لهذه المهمّة يأسفون إن خفَّ عن كاهلهم عبؤها .. لا بل إنهم باتوا ينتظرون اللحظة التي يتسابقون بها للتعبير -وأشك كثيراً في صدقه إن وقعت الواقعة- عن استعدادهم لفداء من يجلس مرتاحاً فوق الكراسي التي على أكتافهم يحملون، بالرّوح وبالدّم.
وحزينٌ أنا، ثانياً، لأن نداء الأخوين رحباني منذ خمسة وثلاثين عاماً لم يترك في رؤوس الكثيرين -على ما يبدو- أثراً مفيداً.
"زَلْمِة النَّايِب نايِبْ" – قالها أحد أجداد المتمترسين في وسط بيروت على لسان (ديب) في مسرحية (ناس من ورق) وكان من حَمَلَة الكراسي، قالت له ماريَّا ساخرة مما يتوهّمه "العزّ" الذي يعيشه: "عزّ شو؟ .. العزّ لَضاهر اللي عندو مِتْلَكْ زِلِمْ. إنت بْتَعْمِلُّو زَعامِة وْهُوِّي بْيِمْشي عَ الزَّعامِة .. إنت بْتَعْمِلُّو شعْبِيِّة وْهُوِّي بْيِقْطُف الشَّعبية .. إنت اللِّي بْتحمِلُّو الْكِرْسي وْهُوِّي بْيِقْعُد عَ الكِرسي .."
كان عندي في سنة "ناس من ورق" شكٌّ بوصول الرسالة الرحبانية إلى عقول وقلوب "حَمَلَة الكراسي" .. هما، عاصي ومنصور، قالا على لسان ديب "زلْمِة النَّايب" الطَّامح أن يصبح نائباً يوماً ما إن هو ثابر على حمل كرسي سيده واشتغل بالسياسة: "عَ القليلِة نْيابْتي ما بْتِخْلَص .. وإذا ما نَفَعِتْ ما بِتْضِرّ". وقد أثبتت الأيام، للأسف الشديد، أن شكِّي في مكانه، كما أنني أشك في إمكانية هنري زغيب، وهو امتداد الفكر الرحباني في قلب لبنان، إقناع حَمَلَة الكراسي الواهمين الحالمين، بأن مصلحتهم ومصلحة أبنائهم ووطنهم تكمن في إراحة أكتافهم المتعبة وترك السَّاسة ينزلون إلى مستواهم .. أو أدنى .. طالما هم يتبجَّحون بنزاهة تبنّيهم لقضايا الشعب والوطن.
أعود إلى تفاؤلي المرتجى في حالة واحدة، عندما أرى شباب لبنان وقد تلمَّس أسباب نزف وطنه وتفاهة وخطورة المواقف التي يزجُّه بها السَّاسة المحنَّطون المرتبطة برامجُهم بمسائل بعيدة عن حاجات الوطن والشعب ومحصورة بمصالحهم الضيقة. والواهمون بأن الحرية والتطور سيضمنها نجاح وقوة من يحملون كراسيَّهم أذكِّرهم أيضاً بحديث رحبانيٍّ عميق المعنى من مسرحية "الشخص – 1968" عندما تهرَّب الحاكم من سؤال ابنة من عامة الشعب عن تداول السلطة: "إنت ما فكَّرْت تْقَعِّد غيرَك؟"، كمعيار للحرية، إذ قال: "نْسيت إنُّو فيْه غَيري .. وْصِرْت خاف إقْعُد عَ شي تاني ويْصير مَعي دِيسْك"!!. وأذكِرهم بغيرها عندما قال المتصرِّف في المسرحية ذاتها لبائعة البندورة: "اللِّي فَوق بْيِضْغَطو عْلَيِّي وْأنا بِضْغَط عَ اللِّي تحْت .. واللِّي تحْت عَ اللِّي تحْت .. وْإنتو اللِّي تحْت .. إنْتو الأساس .. وْأساس البنايِة بْيِتْحَمَّل البِنايِة .. افْرَحو وانْبِسطُو إنُّو العِنايِة اخْتارِتْكُن تـَ تْكونو أساس البِنايِة" !!! .. وكان الأخوان رحباني متفائلَين بقوة الشعب الذي سيهبُّ من أجل مصالحه وحقوقه مهدِّماً المملكة فوق رؤوس مستغلّيه قائلَين على لسان بائعة البندورة: "وْلا بدّ هالأساس ما يْشَلِّع التّراب .. ويْزَعْزِع البِنايِة والحيطان والابْوابْ".
ويحلو لي أيضاً أن أذكِر أباطرة التجمُّعات المُصندَقة على أسس موسمية ممن اختلطت أحلامهم بحيثيات وفرص الظروف الآنية القائمة على شروط غير قياسية وفي غير مصلحة الوطن، بمصير الملك الظالم غيبون بعدما هجرت "الرعيّة" مملكته فأصبح ملكاً على "خْيالات الشَّجَر" وقال له الشعب الذي أجبر على الرّحيل بلسان زادالخير: " .. صَوبْ أرض جْديدِة إتْمَشَّى .. وْكِل ما إبْعَدْ مَسافِة عَرْشَك بْيِغْرَق شِبِرْ حتّى تُوصَل إنت للأرض وْأنا للحريّة".