لحصادك قيمة البذار
لحصادك قيمة البذار
مفيد مسُّوح
إلى هنري زغيب
في بلوغه الستين
وهل بوسعه ألا يسمعك؟ أو أن يتغاضى عن سماعك وأنت تملأ أرجاءه وثوانيه غلالَ عبقريةٍ ودأبٍ وغيريّةٍ وأسفارِ حكمةٍ نمتْ منذ برقتْ نجمتك طفلةً تبحث عن دورٍ يكمل دور الشمس وتصنع قناديل تضيء العتمات مهما تواترت عودتها؟!
وهل له العمرُ ألا يتفاخر بغيريّتك وأنت تتبنّى أبناءه الـ"سوى" كما لو كانوا -الأنقياء منهم والذين هم على استعداد للعودة إلى النقاء- أشقاءَ هنري الإبن أو أشقاء الحفيدين..
وهل له إلا أن يتباهى بصوتك فوق مئات المنابر العالية وفوق آلاف الأوراق البيضاء تحكي شموخ الإنسان وعظمته ورفعة الأوطان وأمجادها وأسفاراً للحب والسلام والتقدُّم والرفاهية والجمال وأيقوناته!!
وهل له إلا أن يتعهد بمدّك بالمزيد من أيامه، وهو واثقٌ بأنك ستعطيها قيمة الزمن الفاعل والزمن الجميل والزمن اللازم والزمن المتكاثر المتألق البرّاق المكرِّس الفرحَ والمحبةَ والتفاؤلَ بعودة الحياةِ إلى ما ضعفت حيويته والضوءِ إلى ما أفلت شمسه واليناعةِ إلى ما ذبل يوماً لسبب أو آخر.
وهل للعمر معنى في الأصل مالم تزيّن أيامه لوحاتٌ مثل لوحاتك وأنغامٌ كأشعارك وحكمٌ كالتي تنطقها آياتك وعبرٌ كالتي يخطُّها قلمك نقلاً عما استنتجه عقلك النيّر القدير وعما رأته عيناك الواسعتان أو سجّله سمعك الدقيق ورصدته لواقط استشعارك واستشفّته فراستك!!
وليس العمر وحده يفتخر بحصادك ياأنبل الكرماء بل كلُّ مَن بوركت أنامله بحنطةٍ نثرتَ بذارَها ورعيتَ نموّ سنابلها ورأيتَ الخير في اصفرارٍ جمالُه في خضرة التالي فحفّزتَ في القلوب دفئاً وفي العقول نوراً وفي النفوس ثقة وتفاؤلاً بالمستقبل..
بحصادكَ، وهو حصادٌ إنسانيٌّ بكل معنى الكلمة، نفتخر وسيفتخر أبناؤنا.. ليس في لبنان فحسب بل في أي مكان تجوهرت فيه العلاقة بين الإنسان والمجتمع، من جهة، والطبيعة والحياة والجمال، من جهة ثانية. وإذ كنتَ للإنسانية قديساً وكان حصادك مكرّساً لها في صورة الـ"سوى" على الدّوام فإن هذا الـ"سوى" يضعك، ياهنري زغيب، أيقونةً في منازلهم تضيئها شموعٌ أشعلتَها أنت ينقلونها بفخر ومحبة إلى الآتين.. فقيمة حصادك في التصاقه بالعمر لا في انكماشه بالروزنامة. وطالما العمرُ عمرٌ ستبقى للحصاد قيمة البذار.
وإن أنتَ في ستينك، والعمرُ مديدٌ، رغبتَ في استئذان الـ"سوى" إلى اتكاءةٍ تحت فيء الـ"أنا" فاعلم بأنّ نجمتك في عقدها السابع ستكون النجمة الأكثر ترقباً من عيون وقلوب محبّيك والأشدّ خلقاً لفرحهم بإضاءتها أفق حياتهم ولو جاء الحديث مختلفاً شكلاً عما كان عليه في السادس وما قبل.
ولأننا نعرف أن الـ"سوى" عندك وطنٌ لا أفراد.. ولأننا عارفون بأن عمر هنري زغيب ليس أياماً بل هو وطن وأناس، فإننا لن نقلق أن تسافر بقلمك إلى الـ"أنا".. وهي ستكون صورةً جديدة مشرقة للوطن والناس.
لو كنتُ العمر لوصلتُ نفسي بحضورك الماليء الأيام والأماكن استزادةً في قيمتي ومدّاً لقيم الخير والجمال.
بقدر محبتنا نحيط بصدورنا الشموع التي تضيء ستينتك وبسماتُ الفرح والتفاؤل تعلو وجوهنا، وأفئدتُنا تغنّي لك ياهنري:
عيد ميلاد سعيد .. وأيام كلها خير وفرح وجمال.