جبران يتسلل الى أرواحنا...

د. شفيق يازجي قرأها 2,682

 جبران يتسلل الى أرواحنا...

عندما تقرأ لجبران خليل جبران تحسّ أنك ارتقيت نحو الأعلى، فأصبح باستطاعتك أن ترى ماحول قدميك أكثر، وأن تفهم أسرار قلبك أكثر، وأن تسمع هسيس الفراشات القادمة من المستقبل أكثر. عندما تقرؤه وأنت في مقتبل العمر حيث تكون النفس تواقة للغد، ويكون الحلم كبيرا والقلب غزير النبضات بالحب والحياة، عندها تجد عين العقل حاجاتها بما تخبئه كتب ذلك  العاشق من قصص الحب ولواعج الغرام وآلام الفراق،  فتروي ظمأها و تبلسم جراحها، كما تجد النفس الشابة عند ذلك الثائر صداها في الرفض والتمرد على كل أشكال الظلم والعبودية، عندما تقرؤه وأنت في  العشرينات من العمر تسحرك قصة الحب الخالدة (الأجنحة المتكسرة) فمن منا لم يغرف من روح هذه القصة ومن جملها ومقاطعها ويقدمها كباقة من أقاطيف الكلام الى حبيبته ليكون هو جبران ولتكون هي سلمى كرامة مثل (سوف أحبك ياسلمى محبة الحقول للربيع، سوف أحيا بك حياة الأزاهر بحرارة الشمس، سوف أترنم باسمك مثلما يترنم الوادي بصدى رنين الأجراس المتمايلة فوق كنائس القرى) عندما تقرأ الأجنحة المتكسرة لابن بشري التي نهل جبران في طفولته من واديها ومن ضبابها الكثيف عذوبة الشعر، ومن صخورها صلابة الفكر، ومن أشجار البلوط والأرز فيها تجذره في حب الوطن، تجد من خلال أحداثها، كيف أن القلوب المحبة كالتي لدى جبران و سلمى ووالدها ، هوت بين أصابع القضاء والقدر دون حول أو قوة لردها (ثلاثة جمعتهم يد القضاء، ثم قبضت عليهم بشدة حتى سحقتهم، شيخ يمثل بيتا قديما هدمه الطوفان، وصبية تحاكي زنبقة قطع عنقها حد المنجل، وفتى يشابه غرسة ضعيفة لوت قامتها الثلوج، وجميعنا مثل ألعوبة بين أصابع الدهر).  وفي نفس القصة يبدو جبران متمرداُ كمعلمه يسوع يحطم بالقلم أوكار اللصوص وسادة العبودية ويشن حربه على رجال الدين، فهاهو فارس كرامة أثناء احتضاره يقول: (لا تدعوا كاهنا الى جانب فراشي لأن تعازيمه لا تكفر عن ذنوبي ان كنت خاطئا، ولا تسرع بي الى الجنة ان كنت بارا، ان ارادة البشر لا تغير مشيئة الله كما ان المنجمين لايحولون مسير النجوم). كما تتبدى مواقف جبران الثورية في جميع أعماله ففي العواصف يقول وهو يصف  العبودية (دخلت القصور والمعابد والهياكل، ووقفت حذاء العروش والمذابح والمنابر، فرأيت العامل عبدا للتاجر، والتاجر عبدا للجندي، والجندي عبدا للحاكم، والحاكم عبدا للملك، والملك عبدا للكاهن، والكاهن عبدا للصنم، والصنم تراب جبلته الشياطين ونصبته فوق رابية من جماجم الأموات). وفي يوحنا المجنون (واذا ما ذهب الى الكنيسة عاد مكتئبا، لأن التعاليم التي يسمعها من على المنابر والمذابح هي غير التي قرأها في الانجيل، وحياة المؤمنين مع رؤسائهم هي غير الحياة الجميلة التي تكلم عنها يسوع الناصري) وفي خليل الكافر ( منذ ابتداء الدهر الى أيامنا هذه، والفئة المتمسكة بالشرف الموروث تتحالف وتتفق مع الكهان ورؤساء الأديان على الشعب، هي علة مزمنة قابضة بأظفارها على عنق الجامعة البشرية، ولن تزول الا بزوال الغباوة من هذا العالم عندما يصير عقل كل رجل مَلِكاََ ويصبح قلب كل امرأة كاهنا) . وعن الاقطاع ومن خليل الكافر أنقل: (ألا يوجد بينكم شيوخ يعلمون أن الأرض التي تحرثونها وتُحْرَمون غلتها هي لكم وقد اغتصبها الشيخ عباس من آبائكم عندما كانت الشريعة مكتوبة على حد السيف). وعندما تقرؤه وأنت في أصيل العمر حيث يميل القلب الى الهدوء والعينان الى التأمل في رهافة الألوان والأذنان  الى استماع لغة الروح وموسيقى النجوم وهمسات الزهور، في الأصيل عندما تميل ثورة الجسد الى التأني وعين القلب للتبصر في مواسم الحصاد، عندها تجد النفس وعلى مروج تلك الجبرانيات الخالدة ضالتها، حيث يكشف لنا عابد الجمال عن ركائز معتقداته، ففي الأجنحة المتكسرة: (ان للجمال لغة سماوية تترفع عن الأصوات والمقاطع التي تحدثها الشفاه والألسنة، لغة خالدة تضم اليها جميع أنغام البشر وتجعلها شعورا صامتا مثلما تجتذب البحيرة الهادئة أغاني السواقي الى أعماقها وتجعلها سكونا أبديا... أما الوجوه التي لاتتكلم بصمتها عن غوامض النفس وخفاياها فلا تكون جميلة، ان الكؤوس لا تستميل شفاهنا حتى يشف بلورها عن لون الخمر...) وفي دمعة وابتسامة يدعو لاتخاذ الجمال معبودا: (يا أيها الذين حاروا في سبيل الأديان المتشعبة وهاموا في أودية الاعتقادات المتباينة فرأوا حرية الجحود أوفى من قيود التسليم، ومسارح النكران أسلم من معاقل الاتباع، اتخذوا الجمال دينا واتقوه ربا، فهو الظاهر في كمال المخلوقات البادي في نتائج المعقولات) وعلى لسان  خليل الكافر يُبرز الفيلسوف جبران دعوته للسعادة ولتعلم محاسن الحياة وأسرارها: (باطلة هي الاعتقادات والتعاليم التي تجعل الانسان تعسا في حياته، وكذابة هي العواطف التي تقوده الى اليأس والحزن والشقاء لأن واجب الانسان أن يكون سعيدا على الأرض وأن يُعلِّم سبل السعادة ويكرز باسمها أينما كان، ومن لايشاهد ملكوت السماوات في هذه الحياة لن يراه في الحياة الآتية، لأننا لم نجئ هذا العالم كالمنفيين المرزولين، بل جئنا كالأطفال الأغبياء لكي نتعلم من محاسن الحياة وأسرارها عبادة الروح الكلي الخالد واستطلاع خفايا نفوسنا).  ولا يخفى ما لهذا الكاتب المؤمن من محبة ليسوع، فهي طافية ومتجذرة في كل أعماله وليس فقط في كتابيه النبي ويسوع ابن الانسان، ففي العواصف ورد: (لم يجئ يسوع ليعلم الناس بناء الكنائس الشاهقة والمعابد الضخمة في جوار الأكواخ الفقيرة والمنازل الباردة المظلمة، بل جاء ليجعل قلب الانسان هيكلا ونفسه مذبحا وعقله كاهنا) وفي يسوع ابن الانسان، يصفُ يسوعاٌ بأمير الأطباء معجبا بعلاجه للمرضى وباجتراحه عجائب الأموات، وان شكننا في ذلك فيجيب: (يقولون انه أقام الأموات من القبور. واذا كان هذا حقيقيا أم لا فانه يظهر قوته، لأن أعاظم الأمور لا يمكن أن تنسب الا لمن يستطيع أن يقوم بالأمور العظيمة...) كما يصفه بسيد الشعراء لرقة مشاعره نحو البشرية المعذبة ولحبه للأولاد والأزهار واللوز والمر واللبان والرمان وكؤوس الخمر...ويسوع عند جبران هو النجار الماهر المخلص الصادق المبدع الفنان... وعن توما يقول جبران: (الشك ألمٌ أنسته وحدته أنه والايمان توأمان). ومثلما أبدع جبران في أعماله الأدبية والشعرية كذلك أبدع في الرسم وتأثر بليوناردو دافنشي (لم أر قط عملا  لليوناردو دافنشي الا وانتاب أعماقي شعور بأن جزءا من روحه تتسلل الى روحي...). فكم نحتاج الى أمثال جبران ملاكاً باسطاً جناحيه بين آلام الأرض ورحمة السماء، كم نحتاج الى أمهات ككاملة رحمة والى صديقات كماري هاسكل لتقفن وراء رجالٍ عظامٍ من أمثاله، وكم تحتاج أمة من الوقت -بين لبنان وبوسطن ونيويورك- لتلد أديبا بحجم جبران، وكم نحتاج الى أصوات ملائكية كصوت فيروز لتنشد من كلماته قصائد في مستوى (أعطني الناي، المحبة، الأرض لكم، سكن الليل)، وكم نحتاج الى نُصُبٍ تذكارية -بين بشري وفرنسا وأمريكا- لتليق باكرامه. وفي الختام لا أجد أبلغ مما قاله شاعرنا عن ليوناردو دافنشي لأقتبسه وأرده اليه، (لم أر قط عملا  لجبران الا وانتاب أعماقي شعور بأن جزءاً من روحه تتسلل الى روحي).