لانوفا تغادر الى بيت أبيها ...
لانوفا سيدة درست العلاج الفيزيائي في بلدها الأجنبي، وجاءت الى سوريا بعقد صداقة بين البلدين في أوائل الثمانينات، وعملت باختصاصها في احدى المشافي التي تهتم بالمعاقين كالمشلولين وغيرهم... كانت لانوفا شابة سمراء حسنة المنظر منتصبة القوام يغطي شعرها السلسبيل الفحمي مرابض كتفيها ويتدلى فوق الروب الأبيض فيبرز جمال التضاد، عملت بجد وصدق مما أكسبها السمعة الجيدة والاحترام، فَتَرَقَّتْ بسرعة الى رئيسة معالجات، كانت جدية متعلقة بالكتاب وبالمريض مما جعلها أقرب الى الراهبات منها الى حوريات الأرض، وكان علاج المرضى بالنسبة اليها هو صلاتها اليومية ومحبتهم هو صيامها أما شفاؤهم فكان نشوة جنّتها، وكانت عندما تريد أن تعترف تلجأ إلى صديق وتفتح قلبها وترمي أشجانها بعربيتها الرطنة على مسمعيه، فلعلّ السماء تسمع لغة الفم والقلب. آمنت لانوفا بأن ما تملكه من وعي وشموخ وكبرياء وما تمارسه من حسن العمل، كافٍ للانعتاق من عبودية الحياة نحو الحرية، وظنت أن ما لديها من الإيمان بربها الساكن في قلبها، أهمُّ بكثير من كل الطقوس التي تمارس خلف أمراء التخلف، كانت تعتقد أن كنيستها في قلبها وفيها تصلّي واليها تصوم وفيها تعترف ومنها تستقي شريعة الحياة، وأن الله الساكن في قلبها يريد منها أن تساعد أبناءه الصغار وتعيل مرضاهم وتشفي آلامهم دون تمييز بينهم لا أكثر، وبقيت لانوفا الشابة الوسيمة الأنيقة تمارس العلم والخبرة، وتصغي الى دقّات قلبها الحنون، إلى أن تعرفت على الفنان الرسام حميد واخزلي، وكان قد تعرض لحادث مؤسف أثناء الغوص أدى إلى خذل في طرَفيه العلْويَّين، وشلل في طرَفيه السّفليَّين، وإعاقة بولية، اذاً تعرفت لانوفا على هذا الشاب المبدع الرائع وكان معاقاً، وعالجته لفترة طويلة، فاكتشفت فيه الإنسان الكبير، وقررت أن تتزوجه وتكون له طبيبة وصديقة، أي قررت أن تعيش حياتها راهبة تصلي على مذبح إبداعه، لم تفكر لانوفا بعد زواجها من حميد أنها ارتكبت إثما، بل ربما العكس ظنت أنها غسلت ذنوبها بممارسة لا يفعلها سوى شاعر أو قديس، ولسنين طويلة عاشت في صومعة حميد تساعد يديه الضعيفتين، أو ربما فمه على التقاط الريشة وعلى رسم ماعلق بذاكرته الخلاقة من بيوت دمشقية تتقارب مع بعضها وتتشابك شرفاتها وتتواصل أسطحها وتستند جدرانها على بعضها في إشارة الى العلاقات الحميمية بين الناس، وبألوان فاتحة تميل إلى السطوع والوضوح كعلامات للابتهاج والتفاؤل، وبأسيجة لا تحمي الدار بل تحافظ على ما فيه من ورود وبُسط سندسية تنطق بجمال مدينته الغناء. اذاً كان حميد يرسم بإحدى يديه أو بالاثنتين معاً وربما بفمه، بعد أن تُعِدَّ له لانوفا ما يلزم من أجل راحته وإبداعه، فالى جانب العلاج والتقليب والتنظيف والمداواة والتمارين، والى جانب الرِيَش والأحبار وصفحات الرسم وقواعد الاستناد والتغذية الجيدة، كان لابد من صالون يستقبل به حميد الأصدقاء والمعجبين فكانت هي سيدة الصالون وزهرته، ولابد للوحات حميد أن تُؤَطَّر وتُسَوَّق، وكانت لانوفا تقوم بكل هذا، فهو الذي يرسم، وهي كل ما قبل الرسم وما بعده، وان كان وراء كل عظيم امرأة، فيمكن القول هنا، كان وراء عظمة حميد امرأة اسمها لانوفا، تقدم كل شيء ثم تختفي ليبرز حميد، وكأنها امرأة شفافة لا وجود لها الا لكي يبدع حميد... وهكذا استمرت حياة لانوفا مع سيدها وزوجها حميد واخزلي، وارتبطت عبقرية هذا الفنان بهذه الجندية الشجاعة. وذات يوم توفي المبدع العبقري بعد أن عجزت جنديته عن حمايته أمام ملك الموت الذي أبى أن يتركه لها هذه المرة، فقد أكرمها كثيراً، ولكنه تشبث به هذه المرة لأمر قد يفوق صلاحيته، وحرمها منه الى الأبد... فأكرم أصدقاؤه ذكراه بالورود، وبالملصقات، وبالمقالات على صفحات الجرائد، وارتدت الأرملة ثوب الحداد، وجلست تستقبل المعزّين، وكالعادة تدفق الزوار، ورثوا الفقيد بأحلى العبارات، وكانت تجيبهم: شكراً! ولكن ليتكم زرتم حميد قبل موته وأسمعتموه هذا الكلام، فكم كان سيُسَرّ؟! أما الآن وتحرك يديها يمنة ويسرى، وكأنها تقول لا جدوى!
أما دراما القديسة لانوفا فلم تكتمل، لا برهبنتها فوق العادية، ولا بدورها كجندية مجهولة، ولابِتَرَمٌّلِها الحزين، وإنما اكتملت على يد القانون، عندما عادها ابن حميد من زوجته السابقة ليطالب بالميراث، ما لم يخطر ببال السيدة التي كرّست وقتها وقلبها لإبداعات وجماليات حميد، لم تفكر أبداً أن خلف الإبداع والجمال، هناك في دوائر القضاء وزواريب القانون يكمن الرعب والخوف الأكبر، وأنها ستدان ليس لذنب سوى أنها أحبت حميد وفجرت طاقاته الإبداعية أو على الأقل منعتها من الذبول، فجاءها الحكم مع ابن حميد بأنه الوريث الشرعي لوالده، قالت: وأنا زوجته وشريكته في كل شيء، فقال: القانون إلى جانبي، وأنتِ من طائفة أخرى وليس لكِ أي حق بالميراث، حاولت أن تستسمحه بقضاء بقية حياتها في الصومعة التي لم يغادرها حميد لسنين طويلة، والتي احتضنت أنفاسه وإبداعه وعبق روحه، لم يوافق... بل أصرّ على الثروة أيضا، وماذا كانت ثروة حميد واخزلي الا مجموعة من اللوحات لم تكن ستظهر للوجود بدون قديسته لانوفا، الا أن القانون سلبها اياها، فغادرت البيت- ولم تسمح لها كبرياؤها بالاسترحام على أبواب القضاء- إلى مكان غير معروف، إلا أن راوٍ أخبر، أنه شاهدها في المطار وهي في حالة ذهول وصمت مخيف وتحمل لافتة كُتِبَ عليها (سأغادر الى بيت أبي) وسمع مواطنا يسأل شرطيا: لماذا لا تعتقل هذه السيدة؟ فأجاب الشرطي (لأن القانون يسمح بمغادرتها الى بيت أبيها) فطوبى لك أيها الشرطي!... فقانونك أرحم من القانون المرعب للوريث الشرعي للرسام الكبير حميد واخزلي.
