ليس بالدواء وحده يشفى الإنسان...

استوقفتني عبارة في إحدى المحطات الفضائية للسيدة مريم نور وهي تقول (قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت)، على غرار القول المأثور (قل لي من تعاشر أقل لك من أنت)، وهذه الأقوال المأثورة هي من الحكم الجديرة بالتقدير والتمعن، لما فيها من أنا وأنت وعلائق إنسانية يرتبط فيها الفعل بالنتيجة، وتُعًلِّم فعل الأفضل، ولكن ليس هذا كل شيء، فالسيدة الفاضلة مريم نور وعلى طريقتها الرومانسية وبجلستها التأملية تؤكد- وأعتقد أنها على حق- بأن ما نتناوله من طعام هو الذي يصنعني ويصنعك ويبني ما بيننا من جسور لأن ما نأكله ونتنفسه هو الذي يبني خلايانا وجملتنا العصبية، وبالتالي يؤثر على سلوكنا كالفرح والحزن والهدوء والنشاط، فالطعام المتوازن بالكمية وبالمحتوى من الدسم والسكريات والبروتين، والغني بالخضار والفواكه الطازجة، مريح لأجهزتنا ولأمزجتنا، والعكس صحيح، فالطعام الكثير بالكم، وغير المتوازن بالمحتوى، والغني بالمنبهات والكحول والمواد المحفوظة والمُلَوِّنَة، يصبح مصدراً للكآبة والكسل والمرض، وهنا أتذكر إحدى مشرفاتي الألمانيات التي كانت تهتم شديد الاهتمام بجمال الجسد وترفض كل ما يدخله من غلائظ الأطعمة، التي تُثقل البطن والعقل معا، كالبصل والثوم الذي يطرح عن طريق التنفس والغدد العرقية ويولد رائحة غير مستحبة تسيء إلى الجمال والى العلاقة مع الآخر، وكانت لا تستسيغ كثيرا الآراء الطبية التي تعظم دور هذه المواد في التغذية والعلاج، وان كان لابد منها فإلى عطلة نهاية الأسبوع، وكانت تتحدث عن الجسد البشري كما يتغزل شاعر بوردة، وتحزن لما قد يسببه المدخنون له من إساءة، تبدأ من الشفتين إلى القلب والرئتين وبقية أعضاء الجسم النبيلة، ولم تكن مشرفتي مهتمة فقط بما يسببه التدخين من خسائر مادية وصحية فقط، وإنما بما يسببه من أذى للشريك، والمحب، وزميل العمل، والجار، ما ذنب هؤلاء إن شاء المدخن التضحية بنظافة رئتيه، وببريق أظافره، وبوردية شفتيه، ما ذنب هذا الثوب المقدس الذي يستر أعضاءنا ويحمينا، حتى نجعل منه مخزناً للنيكوتين والحموض الكبريتية، لماذا لا نُطيبه بالنارنج، وبأوراق النعناع، وأقراص البخور، كانت مشرفتي تؤمن أن الإساءة إلى جمالية الجسد هي إساءة إلى الكون والمبدع الأول له، وكأنها تريد أن تقول إن الله قد خلق، الشفتين للقبل، والأصابع للعناق، والجلد لعبق العطور، ولم تكن تؤمن بالثوم والبصل كطرق لعلاج أمراضنا، بل بالقرفة والشمراء واليانسون وبالزعتر الملقب (مفرح الجبال) لأن ذكاه ينعش القلب والروح، وهو مطهر للرئتين، ومُغَذِّ ومعطر للجلد.
وفي مجتمعنا تنتشر ظواهر مثل الطب الشعبي، والطب البديل، وتحت هذه المسميات تُمارس أشياء خطيرة مخالفة لأولويات العلم، وقد سمعت مؤخراً بسرور، عن إنشاء مشفى مركزي في السعودية، لممارسة الطب الشعبي، يعمل تحت إشراف وزارة الصحة، وغايته وضع الضوابط والقوانين المنظمة لطرق الطب البديل (مثل الوخز بالإبر، والعلاج بالأعشاب، والتدليك، واليوغا...) وهي طرق ثبتت فائدتها في بعض المجالات الطبية، ولكن ليس في كلها، يضاف إليها طرق شعبية أخرى (كالكي، والتجبير، والخلطات المجهولة التركيب)، وقد تكون بعض هذه الممارسات ضارة وخطيرة ، لذا لا بد من ضوابط تنظم ممارستها، ولو طرحنا تساؤلا، وهو هنا مشروع: من المسؤول عن تنامي هذه الظواهر الطبية غير العلمية وغير المقوننة في عالمنا العربي؟ لسمعنا أجوبة كثيرة منها، تخلف المجتمع، واستغلال البعض لما يتمتعون به من كاريزما، والمافيات المالية التي لا تؤمن بحرام أو حلال بل بالربح، أو لأسباب سياسية، ولاشك أن كل ما ذكر هو صحيح، ولكنني أرى أن السبب الأهم وراء ظواهر الطب الشاذة هم الأطباء أنفسهم، وذلك بسبب عدم الاهتمام بالحالة النفسية للمريض، فالشخص المتألم يحتاج إلى زرع الأمل فيه قبل وصف الدواء، فليس بالدواء وحده يشفى الإنسان، فالمريض يحتاج قبل كل شيء إلى من يستمع إليه ويهتم بمعاناته، وهذا ما يغفله معظم الأطباء، على الرغم من أنه جزء مهم من أصول المهنة، وأخلاقياتها، وقسم أبوقراط، فالأطباء الذين يخرجون عما تعلموه، يمهدون الطريق إلى من يقوم عنهم بهذه المهمة -ولو كانوا من الجهلة علميا- بما أوتوا من أساليب، يمزجون فيها، الخطأ بالصواب، والموروث بالحديث، والذاتي بالموضوعي، ويلقبون أنفسهم ضلالاً بالأطباء البدلاء، فعسى أن نستلهم التجربة السعودية لتكون الممارسات الطبية الشعبية تحت رقابة صحية، تجنبنا المؤذي منها على الأقل...