الأستاذ جميل منصور في (أقاصيص من الأساطير اليونانية)
.jpg)
ترجم الأديب والمؤرخ جميل منصور كتاب -أقاصيص من الأساطير اليونانية- عن اللغة الانكليزية، وقدمه لنا بلغة عربية متقنة، حتى لاتكاد وأنت تقرأه أن تلحظ، ركاكة أو عجامة في النقل الى لغة الضاد، واستطاع بجهد ملفت ليس فقط أن يجعل هذا الكتاب تحفة لغوية، من حيث عذوبة الألفاظ والتشابيه البليغة والصور الشاعرية، بل أن يؤكد جمالية اللغة العربية وقدرتها على استيعاب الابداع الفني العالمي، يبدأ الكتاب بتعريف الأسطورة، فهي قصة قصيرة، وهي حكاية خيالية مشوقة، وهي شعر أو نثر جميل، وهي دروس في الفضيلة، وهي تاريخ أمة، وجزء لا يتجزأ من التاريخ الانساني، وبها ينسجم النشاذ في الأشياء، ونحصل على التكامل الذي يجعل منا أناسا متمدنين، فهي تتصل بأصل الانسان وتطوره، وبالطبيعة والشمس والقمر، وتفسر الموت وما بعد الموت، وعلاقات البشر مع بعضهم ومع الحيوان والجماد، وتنتهي الأسطورة -على الأغلب- بانتصار العقل والصدق والجمال، والأسطورة تفسر تساؤلات الانسان منذ القدم، حول ظواهر الكون والحياة وحكم القدر، وأبطالها دائما الثلاثي، الانسان والطبيعة والآلهة، وينسج التاريخ نوله وفقاً لمجريات الأحداث بين هذه الأقانيم الثلاثة، وتدخل الأسطورة عند اليونان القدماء في جميع نشاطات الفكر، وهي لذلك ترتبط بجميع قطاعات الحضارة اليونانية، من فن وأدب، ودراسة الأسطورة مهم لأن لها تأثيرا عظيما وخاصة في الآداب الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية وغيرها، وقلما نستطيع أن نفهم شكسبير وغوته وهيغو... دون أن نلم بالأساطير اليونانية، وقد أثرت الأساطير ليس فقط في الشعر والنثر، بل في كل ألوان الفنون الغربية والعالمية، كالموسيقا والغناء والرقص، وربما كان ريتشارد فاغنر الموسيقي الالماني في القرن التاسع عشر، من أعظم عباقرة الموسيقيين، الذين استمدوا موضوعاتهم من الأساطير في الرسوم واللوحات والصور، ولعل أفروديت (فينوس) خير مثال لما حظيت به من اهتمام الرسامين، ومن أهم وأثمن الصور الفنية صورة لميديا، وقد حفظت في متحف نابولي وهي تفكر في مصرع ولديها، اللذين اغتالتهما بيديها انتقاما من زوجها الذي أحب امرأة أخرى، بالاضافة الى النحت وصنع التماثيل وخير أمثلة : تماثيل زوس (جوبيتر) وباخوس (اله الخمر) وأبولو (اله الخصب والعطاء) وفينوس (آلهة الحب) وأثينا (آلهة الحكمة) وديانا (آلهة الصيد). ويؤكد الكاتب المتميز جميل منصور، جمالية اللغة العربية وسلاستها وقدرتها على استيعاب مصطلحات اللغات الأخرى، ويعطي مثالين حيين من الأعمال المترجمة الى العربية وهما: كليلة ودمنة لابن المقفع، والبحيرة للامرتين ترجمة نقولا فياض، حيث سمت الترجمة على الأصل، وهذا ماحدث بالضبط مع الأستاذ جميل منصور، الذي سما بترجمته لهذه الأساطير عن أصلها الانكليزي، وأوافق كقارىء على ما ورد في مقدمته: ( لا بد لي أن أبوح لقارئي الكريم – بنظرة خجلى، وتواضع جم: أني سموت بهذه الترجمة عن أصلها الانكليزي، ورفعتها باعمال الفكر، وتوثب الخيال، واختيار الألفاظ والعبارات، التي كانت تتدفق أحيانا حسب المواقف، ولكن بحدود متأنية، وبالاعتماد على أدق المعاجم لفهم المعنى...) ويستنتج الكاتب: أن الأدب مبنى قدر ماهو معنى، والمبنى هو صاحب الكلمة الفصل، فالمعاني وحدها لاتبقى، اذ لا وجود للمعنى دون المبنى... وتتسلسل قصص الأساطير اليونانية بحكاياتها المبنية على جمالية الحدث وقوة العظة، ففي العصر الذهبي كان الناس سعداء، لامرض و لاحزن ولاشيخوخة، ولكن المخلوقة باندورا فائقة الجمال خالفت أوامر جوبيتر، ففتحت علبة الحلي، التي منعها من فتحها كبير الآلهة، لترى ما تحتويه، فانتشرت الأمراض الفتاكة، والمصائب المستعصية، والهموم الممضة، وأفقدت خطيئة باندورا الناس التمتع بالفرح، وعوقب الاله بروميثيوس صديق البشر، بأن عُلِّق مقيدا في العراء ثلاثة آلاف سنة الى أن جاءه هرقل وحرره، وذلك لأنه منح البشر النار، وهم المتطاولون على الآلهة، وحينما بدا العالم يسير من وضع رديء الى ماهو أردأ، تذمر جوبيتر فسلط على الأرض عاصفة هوجاء ممطرة أدت الى طوفان، أتى على كل ما فيها من أحياء، ولم ينج منه الا ديكاليون وزوجه بيرا، اللذين لجأأ الى الفُلْك تنفيذاً لنبوءة والده الصالح بروميثيوس، ثم عادت الأرض وامتلأت بأناس جدد أفضل من أسلافهم الذين قطنوها قبل الطوفان، وها هو أبولو ابن الاله جوبيتر ينتصر على التنين- الذي كان يقتنص الخراف والأبقار، وينقض على الرجال والنساء والأطفال- بسهم من قوسه الذي لايخطىء، ويبني بيته على ذلك الجرف المنحدر الذي تم التخلص من التنين فيه، والذي يدعى حتى الآن معبد دلفي، وها هو الاله أبولو يأمر غرابه أن يغيب عن وجهه الى غير رجعة ويصيح من عمق مصابه: (طائر ملعون أنت، وعليك ألا تنطق كلاما بعد اليوم بل تدعى طائر الشؤم، وسيتحول ريشك الأبيض الجميل الى حالك السواد، وستنعق طوال حياتك) لأن هذا الطائر أوصل له وشاية غير صحيحة عن خيانة زوجته، فقتلها بسهم كان يراد منه عشيقها، وهاهي أوربا الشابة فائقة الجمال- ابنة ملك صور وشقيقة قدموس- تخرج للتنزه في حقل من حقول أبيها الخصيبة، و تقطف الأزهار الملونة، وتسمع نفخ راعي القطيع المنبعث من نايه الجميل المصنوع من القصب، عندما اقترب منها ثور ضخم أبيض كالثلج الناصع، وبينما كانت أوربا تقطف زهر الأقحوان الأصفر وشقائق النعمان الحمر، دنا منها الثور دنو العاشق المحب، وخطفها وقفز مهرولا نحو الشمال راكبا ظهر البحر، فحزن والدها أشد الحزن، وكلف ابنه قدموسا بالبحث عنها، وأمره بألا يعود الى وطنه الا اذا عثر عليها، فقطع قدموس الجبال والوديان والبحار الخطرة حتى وصل الى ما يسمى اليوم ببلاد اليونان، وهناك بنى مدينة قدموسيا (طيبة)، وأُُعتبر المعلم الأول للاغريق، لأنه علمهم الحروف الأبجدية السورية، وعندما أتقن اليونانيون هذه الأبجدية، بدؤوا حالا يقرؤون ويكتبون ويبدعون، واستمر هذا حتى زمننا الحاضر، والقدر في الأساطير اليونانية هو حكم الآلهة لايمكن تجنبه، فلدى ملك أرغوس تحققت نبوءة الكاهنة بيثيا عرافة معبد دلفي، التي أنبأته أن حفيده سيسقيه كأس الردى، ورغم كل محاولاته لتغيير مجرى القدر، فسجن ابنته وحيدته داناي ولكنها حملت بما يشبه الأعجوبة، وعندما ولدت طفلا ذكرا اسمه برسيوس ألقاها واياه في البحر في صندوق خشبي، وبعد رحلة برسيوس العجائبية في العالم، عاد الى أراغوس، وشارك في بطولة رمي القرص، وأثناء فعله، هبت عاصفة هوجاء، غيرت مسار القرص، فسقط بين جمهور المشاهدين، وأصاب جده الملك المتخفي بين الجمهور، في محاولة يائسة للهروب من قدره، فقتله، وتححققت مشيئة القدر، وعلى تلة حجرية شديدة الانحدار في بلاد اليونان، عاش قوم فقراء -لم يعرفوا بناء البيوت- في كهوف صغيرة حفروها في الأرض أو جوفوها في الصخور، وكان طعامهم من صيد الحيوانات البرية، وثمر العليق والجوز، حتى جاءهم كيكروبس الرجل الثعبان، فعلمهم تدريجيا كيف يصنعون الأقواس والسهام من أجل الحرب وصيد الطرائد والأسماك، وشد عزائمهم لقتل الوحوش الضارية، وعلمهم كيف يبنون البيوت، ثم أدخل الى حياتهم المعتقدات الدينية، فأرشدهم الى عبادة الاله جوبيتر، الذي يعيش مع قومه الأشداء فوق الغيوم، وبنوا مدينة صغيرة، بقيت بلا اسم حتى حضر اليها غريبان، نبتون سيد البحار، وأثينا التي تمنح الحكمة للرجال، قدم الأول لشعب هذه المدينه الحصان، وقدمت الثانية شجرة الزيتون، وعندما سأل الملك شعبه: أيهما نختار؟ فصاح الشعب كله: (ان أثينا العظيمة قد منحتنا الهدية الأفضل لنا، لذلك فاننا نختار بكل ثقة وشكر جزيل الهدية الأرجح، أي أثينا والحكمة) فقال الملك: (ليكن ما تريدون، وسيكون اسم بلدتنا من الآن فصاعدا أثينا)، وهاهو البحر الايجي أو بحر ايجه لم يزل يحمل اسم الملك الشيخ ايجيوس، بعد انتصار ابنه الملك الشاب ثيسيوس على المينوتور الوحشي في متاهات جزيرة كريت، ذلك الوحش الذي كان يفترس سبعة شبان وسبع شابات من نبلاء بلاد اليونان سنويا، وهاهي أريان الشابة الجميلة ابنة ملك كريت التي أحبت ثيسيوس وساعدته في الانتصار على المينوتور، تتزوج الاله باخوس اله الخمر بعد أن نكس ثيسيوس بوعده لها.
وبالمختصر استطاع الأديب والمفكر والمترجم جميل منصور أن ينقل الينا جزءا مهما من التراث اليوناني، الذي شكل أساسا هاما من أسس عصر النهضة، وقاعدة فكرية هامة لمنجزاته في كافة ميادين الفنون، ويعد الكتاب ثروة فكرية ورؤية ثرية لعلاقات البشر مع بعضهم، ومع ملوكهم، ومع آلهتهم، التي تسكن فوق الغيوم، ويعد هذا التراث مصدراً مهماً في تكوين ثقافة العصور التالية.
ملاحظة: جميل منصور مدرس وكاتب سوري من قرية المزينة محافظة حمص، له العديد من المؤلفات الأدبية والتاريخية.