عودة الروح... وسعيد عقل

د. شفيق يازجي قرأها 2,563

حكم جيلنا عليه دون أن نقرأه أو نفهمه، وكنت أحدهم، رفضناه دون أن ندري السبب، رأيناه في عيون مبغضيه، عدواً لأمتنا السورية ولعروبتنا ولإسلامنا، صديقاً لأعدائنا، حاقداً على تراثنا، حالماً عابثاً بثوابتنا، مغرِّباً في آمالنا، حتى قامت الثورة المعلوماتية التي اختصرت الزمن وقصّرت المسافات، فأصبح بإمكاننا التعرف على شاعر كبير وصاحب مشروع حداثي كسعيد عقل دون عوائق، انه كاتب مسرحية (قدموس) أمير صيدون وشقيق أوروبا الذي حمل سيفه وحضارته واتجه شمالاً للبحث عن أخته المخطوفة من قبل كبير آلهة اليونان، وعلى طريقه بنى المدن ونقل الحرف الأول الى العالم، فهل يمكن لهذا االمبدع، أن يكون حاقداً على الأمة السورية وهو الذي كتب (سورية- يقظةٌ ملء المدى- بسمةٌ ملء الربيع- سورية فوق الجميع).

عودة الروح... وسعيد عقل 

وهل يمكن لمن كتب مسرحية (بنت يفتاح) الواردة أحداثها في العهد القديم، الذي يعتبر وبغير منافس، أهم مصدر للمعلومات عن سورية القديمة وعن وسائل الحياة وأساليب التفكير والحروب والمعيشة والمعتقدات، ليس لدى شعب الله المختار فحسب!، وإنما عند الشعوب القديمة كالفينيقيين والآراميين، فهل يمكن لمثل هذا الباحث أن يكون مبغضاً لتراثنا. وهل يمكن أن يكون عدواً للعروبة وهو الذي أنشد (النسور، لنا الملعب، والجناحان الخصيبان بنور، العلى والعرب، ولنا القول الأبي، والسماح اليعربي)، وكتابات أخرى أجمع النقاد على صدق عاطفتها. وهل انسحابه باتجاه المرافىء الفينيقية اللبنانية نقيصة في حب الوطن والعروبة، أم هو البحث في القاع عن الدُّرَر. وهل يكره العروبة من كتب للشام (شآم يا ذا السيف لم يغِبِ.. ياكلام المجد في الكتب) و (قرأت مجدك في قلبي وفي الكتب، شآم ما المجد؟ أنتِ المجد لم يغب) و (مُرَّ بي يا واعداً وعَدا مثلما النسمة من بردى، تحمل العمر تبدِّده آه ما أطيبه بددا) ومن غنّى لمكة (غنيت مكّة أهلها الصيدا والعيد يملأ أضلعي عيدا) ولعمّان (وتروح عمانيتي وسنى العينين يزرع دربها فرحا، أواه يا أردنَّ أنتَ لها مصراعُ باب الشمس وانفتحا). وهل أساء الى الإسلام من وصف فضائل الإمام علي ومعجزته البلاغية، أروع توصيف (كلامي على ربِّ الكلام هوىً صعبُ، الا أنني السيف لم ينب- حببت عليا مذ حببت شمائلي، له اللغتان: القول بشمخ أو الغضب، لأشرف من قاسي وأسمح من سخي تقول على رمل البوادي له حدب) ومن كتب لأولى القبلتين (يا قارىءَ القرآن صلِّ لهم.. أهلي هناك، وطيِّبِ البيدا- مَن راكعٌ ويداه آنستاه أن ليس يبقى الباب موصودا- ضجَّ الحجيجُ هناك فاشتبكي بفمي هنا يغرّ تغريدا). هل كفر من مجَّد لبنان ورأى فيه، فينيقيا أم الحضارات، والأرز الذي منه صُنع عرشُ الخالق، ورأى منه انطلاقة المسيحية الأولى الى العالم، وليس من فلسطين، وحجته أن الأعجوبة الأولى للمسيح كانت في قانا اللبنانية وتبعتها رحلاتٌ وعجائبُ في صيدا وصور، حيث كان يُعبد الإله إيل لدى الفينيقيين، واليه نادى المسيح من على خشبة الصليب (إيلي إيلي لماذا تركتني؟!).

هل كفر من أُعجب بسماحة الإسلام وعالميته ودعوته لحسن الجوار والتسامح والتشاور والعطاء، كما أُعجب بالمحبة المسيحية وبنور القيامة وفرحها وتفاؤلها. هل أذنب للعروبة والإسلام من دعا الى كتابة اللغة المحكية اللبنانية بالحرف اللاتيني، واضعاً قواعد تسهل على العقل فهم وحفظ واستعمال الحرف، فالحضارة عنده تنطلق من الحرف، لذلك أسس لحرف عالمي يكون للبشرية جمعاء واشترط فيه أن يكون: لاتينيا لأنه الأشيع وهو كالحرف العربي مشتق من أبجدية فينيقيا، ويمثل صوتاً مفرداً لامركَّباً، خالياً من التنقيط والحركات حوله حفاظاً على جماليته، وأن يُلفظ بنفس الطريقة حيثما وجد، والكلمات تكتب كما تلفظ، فعلينا حسب سعيد عقل أن نقرأ لنفهم، لا أن نفهم حتى نستطيع أن نقرأ، فهل يمكن أن يكون هذا الرجل حاقداً على أمة أو عقيدة أو لغة؟! أم مبدعاً كأجداده الفينيقيين قدموس وموخوس وأكليد، مجدداً كأتاتورك، عاشقاً للجمال كناظم حكمت، أو هل يمكن أن يكون مرتزقاً وهو القائل: (ما المال؟...قوله ((لا))... والله ألبُسُه- به غنيْتُ وغيري بالتراب غني).

وشاعرنا صاحب مدرسة أنيقة في الغزل، لا بل هو صاحب المدرسة الجمالية في الشعر (يكون أن أشهق، لكبر عينيها، ومن سنى الزنبق، الى ذراعيها، ينقلني الفتون، ينقلني الى الغوى، الى أراجيح الهوى، الى المروج الخضر في الجفون، أجمل منك لا، لم يضرب الرباب، لم تحلم الحجار في الحلى، ولم يخط الشعر في كتاب) ومن قصيدة ألعينيك أقتبس (ألعينيك تأنى وخطر يفرش الضوءَ على التل القمر- نسج أجفانك من خيط السهى كل جفن ظلّ دهراً يُنتظر-مفرد لحظك ان سرحته طار بالأرض جناح من زهر). فهل هناك أرقُّ وأعذبُ وأرفعُ من كلمات شاعرنا النابضة بحب الحياة، ألا يستحق أن يكون شاعر الجمالية، أوَ ليست الجمالية جدولاً تنمو على جانبيه ابتكاراته اللافتة؟ ينهل منها ما يستطيع أن ينهل، ويرفدها بالحب الذي أين منه قيس المُلوَّح، ويجود بالعطاء كحاتم الطائي، ويبدع بالغنائية والرومانسية، ما جعل الرحابنة يختارون من كلماته باقة من القصائد، فيها من شموخ هذا الوطن ومن سحر ساحله، وبراءة أطفاله، أحلى المعاني وأبلغ الصور، لينشدها صوت فيروز الملائكي، فمن "أمي ياملاكي"، الى "بحبك ما بعرف"، ومن "يارا"، الى "مشوار"، فـ"مُرَّ بي"، و"لاعب الريشة"، و"رُدَّني الى بلادي"، و"فَتَّحْتُّنْ عينَيّي"، فهنا الحب والشوق والحنين، وهناك دفق الفراشات والكلمات العذبة النديّة، وتموّج هذه الأشعار، بما تحمله، من مساكن القمر، والجيران الغيارى، والصبايا، والأحلام، والزغاليل، والمراجيح، ما يجعلك تطير الى السماء ما بعد السابعة في نشوة سكرى، تتمنّى ألا يعيدك الواقع اليه، فكيف اذا كانت مطعَمة بموسيقا وصور من جنان الخلد والنعيم. حقاً أن سعيد عقل شخصية استثنائية، خلافية، له آراؤه التي قد نوافقه عليها أم لا، لكنه يبقى من أهم من تربّع على عرش الشعر والإبداع والجمال، ومعرفتي الجديدة به تعادل عودة الروح.