رحلة العذاب "الجرح"- ج 9 و الاخير

محمد نصّار قرأها 922

ثلاثة أشهر تتابعت خلالها النوبات على الرجل، مخلفة وراءها جسدا بالكاد يقوى على الحراك وأشاعت في البيت رعبا من مستقبل لا تبشر ملامحه بالخير، شعور بالندم بدأ يتسرب إلى نفسه جراء تلكئه في إتمام الزفاف وخوف راح يداهمه من تردي حالة أبيها إلى ما هو أسوأ، حتى بدأ يداخله شعور بالإحباط وتوتر يعجز عن مداراته أمامها، فسألته ذات مرة محاولة فهم ما يراوده: إن كنت تفكر في شيء فنحن في أول الطريق؟.

- ماذا!.

صدمه السؤال.. اضطربت له جوارحه.. حملق فيها مذهولا وقال محاولا كتم انفعاله: هل جننت.. كيف خطر لك ذلك!.

- الشرود الذي يعتريك يقتلني.

- سامحك الله.. كل ما في الأمر أني منشغل بحال أبيك ولا شيء غير ذلك.

- آمل ذلك.

قالتها بصوت أجش يغالبه البكاء، فكاد من فرط انفعاله أن يضمها إليه، لولا أنه رأى أمها مقبلة نحوهم، ربت على كتفها وقال مبتسما: يجب أن تثقي بأني أحبك.

- وأنا أيضا.. لكني أتألم حين أراك عابسا.

وقع أقدام أمها الآتية من خلفها جعلها تلتفت إليها، فالتقت نظراتها المرتبكة بنظرات أمها التي استوقفها الأمر، أقبلت المرأة تداري قلقها.. دنت منهما وسألت بصوت هامس: خير إن شاء الله؟.

- كنا نتحدث في موضوع الزفاف، خصوصا أن أبي يرغب في التعجيل به.

- ليكن ما تريد يا ولدي.

- الخميس القادم إذن.

- على بركة الله.. الحاج وضعه مستقر ولا داعي للتأجيل أكثر.

شعور بالارتياح غمره وأعاد إلى نفسه شيئا من الاطمئنان والسكينة، فما هي سوى أيام وينتهي الأمر، لكن هم الإعداد للفرح وتحضير لوازمه في هذه الفترة الوجيزة، سيحتاج منه جهدا لن يطيقه بمفرده، فذهب إلى التفكير في الأهل والمعارف وراح يبحث في توزع المهام عليهم كل حسب جهده وطاقته.

دخل البيت والموضوع يشغله، فلفت انتباهه اهتمام أبيه بما يذيعه التلفاز، دنا منه وألقى التحية بإشارة من يده، حتى لا يفوت عليه ما ينوي سماعه.. جلس إلى جواره وراح ينصت باهتمام: "هذا وقامت طائرات سلاح الجو بقصف مواقع المخربين في صيدا وصور والنبطية وعادت إلى قواعدها سالمة".

- هي الحرب إذن.، همس العجوز معقبا.

- مجرد غارة وينتهي الأمر.

- إنها الحرب.. تصريحاتهم تشير إلى ذلك.

- هل يدخلون لبنان!.

- ومن يمنعهم؟.

- يحتلون دولة ذات سيادة!.

- وما العجب في ذلك؟.

- والمقاومة..

- ستفعل ما بوسعها.

- ستقاتل إلى النهاية.

- هذا لا يكفي.

- قد تنفجر المنطقة.

- لن ينفجر شئ، فهم لا يقدمون على خطوة كهذه، ما لم تكن الطرق ممهدة أمامهم.

- مستحيل.

- دعك من هذا وأخبرني عن عروسك .

- اتفقنا بأن يكون الزفاف الخميس القادم.

- على بركة الله.

في اليوم التالي بدأت الأمور تأخذ منحى آخر، منحى جعله عاجزا عن البت في أمر العرس، هل يمضي في إتمامه في هذا الجو الملتهب، أم يتريث لحين اتضاح الأمور، وقد بدأت مؤشراتها تتجه نحو التصعيد أكثر خصوصا مع حديث الإذاعات عن توغل كبير ومعارك دامية في قلعة شقيف وغيرها من المواقع الأخرى وانعكاس ذلك على الشارع بكل شرائحه وفئاته، حتى القلة القلية ممن توجهوا إلى أعمالهم داخل فلسطين المحتلة عام ثمانية وأربعين، أصبحت بيوتهم مزارا لمن أراد معرفة ما يحدث في الجهة المقابلة، أحد هؤلاء الذين بقوا في أعمالهم قال راسما صورة لما يجري هناك: "علي الطلاق بالثلاثة ما ظل يهودي في بيته يا جماعة.. كلهم راحوا على لبنان.. الشوارع خالية ما فيها غير الشرطة العسكرية.. من عشرين يهودي معي في المصنع ما بقي غير اثنين".

سيل الأحداث المتلاحقة وحالة الالتصاق التي يعيشها الناس مع الحدث، دفعاه لاتخاذ قرار بتأجيل الفرح، مما أثار الأسى في نفس أبيه وحز في بال أمه التي قالت بشيء من الضيق: "أجت الحزينة تفرح ما لقيت مطرح".

- أي مطرح وأي زفت يا حرمة.. اذكري الله وانهي.

- ما كان لازم التأجيل؟.

- يعني نطبل ونرقص وأهلنا تذبح في لبنان.

- يمكن الحال يطول.

- يطول ولا يقصر اللي كاتبه ربنا راح يصير.

طال الحال وبدأت الأمور تأخذ منحى التصعيد، خصوصا مع الحصار الذي ضرب حول بيروت وحالة الغليان التي رافقتها في الشارع وقد تبين للجميع أن الفلسطينيين وحدهم وزاد من سطوة هذا الإحساس على الناس، صور الدمار والموت المبثوثة على شاشات التلفاز ودواعي الحلول المشبوهة التي أيدها العرب وباركوها.

- إننا وحيدون يا أبي.. لقد صدقت في كل كلمة قلتها.

- علمتنا التجارب يا بني.. هذه أمة لا رجاء فيها.

- وما ذنب الأمة يا أبي؟.

- الأمة التي لا تسعى لرفع الظلم عنها، أمة ميتة لا خير فيها.

- على ذكر الموت يا أبي، الحاج أحمد وضعه حرج.

- إذن عليك أن تأخذ عروسك في أقرب وقت.

- هذا ما فكرت فيه أيضا.

وليمة صغيرة حضرها عدد من المدعوين والأقارب ولم يتخللها أي مظهر من مظاهر الفرح، بل ساد جو من الوجوم، طغى بثقله على ملامح الحاضرين، الذين انشغلوا في الحديث عن ما يجري ويدور، خصوصا مساعي فيليب حبيب، الذي يسعى لإخراج المنظمة من بيروت بدعم ومباركة عربية.

إحدى الجارات صدحت بالمهاهاة حال دخولها الفناء، أشار لها أحد الجالسين بيده، فأطبقت فمها ولم تكمل، التفت سمير على إثر ذلك ناحية العريس وهمس قائلا: كان رجاؤنا أن نفرح بك ولكن..

- يا سيدي قدرنا أن نبقى والفرح على خصام.

عند بيت العروس توقفت عربتا تاكسي، واحدة تقل رجلا وامرأتان والأخرى تقله ووالديه، نزلوا جميعا منها ودنو من فناء البيت الذي صدرت عنه أصوات غناء خافتة، هاهت أمه عند الباب، فبدا الحرج على وجه أبيه، دلفوا إلى الصالة بعدما أفسحت النسوة الطريق أمامهم.. سلموا على الحاج الذي جلس على مقعد في منتصفها ومن حوله عدد من إخوته.. صافحهم وهو جالس في مكانه، و دمعت عيناه حين عانق محمد، فانسحب الشاب بلطف جهة لوج العروس المنصوب في الناحية المقابلة، شد على يدها مشجعا، فندت عنها ابتسامة يغلفها الأسى، تشابكت أيدي المرأتان.. أمه وحماته في رقصة طقوسية، صفقت النسوة الجالسات مشجعات.. دارتا عدة دورات، ثم أشار الأب لابنه بالتحرك، فأقبلت العروس على أبيها تودعه.. أجهش صوتها بالبكاء، فسال الدمع من عين الرجل، رفعتها أمها.. ضمتها إلى صدرها، ثم لفها العريس بعباءة أبيه وانطلقوا مغادرين.

مضى الأسبوع الأول كلحظة في حلم جميل، لحظة أنسته الكثير مما كان يشغله وجعلته يعيش تجربة لم يكن يراها في غير المسلسلات والكتب، فجمال الفتاة وحسنها كان أشد سحرا مما اعتقد، حتى أنه مازحها ذات مرة قائلا: لقد ازددت حسنا منذ أن دخلت هذا البيت.

- أنت الذي ذهبت الغشاوة عن عينيك.، عقبت ضاحكة.

ضمها إليه بقوة.. أطبق على شفتيها في قبلة طويلة.. غاصا في السرير معا حتى اهتزت جوانبه.

قبل أن يخرج الأب مودعا، طرق باب غرفتهم وذكرهما بموعد الزيارة المقررة لأهلها عصر هذا اليوم، فالتفت إليها وطبع قبلة على جبينها ثم قال: مبروك يا عروسة اليوم إفرادك.

أتموا تناول الإفطار على عجل وراحوا يعدون أنفسهم للزيارة المقبلة، فنأى بنفسه جانبا وأخذ يقلب محطات المذياع بحثا عن أشياء جديدة، فجاءه صوت المذيع معلنا بدء النشرة

" هنا لندن.. جاء في خبر عاجل أن المبعوث الأمريكي فيليب حبيب نجح في التوصل إلى اتفاق يسمح بخروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت"

قذف المذياع بكل قوة، فأحدث ارتطامه بالأرض دويا خرجت على إثره المرأتان من المطبخ مندفعتان، نظرت أمه إلى الحطام المتناثر بحيرة واستغراب ، ثم سألتا بصوت واحد: خير!.

- مصيبة.، قال بحدة وانفعال.

- يا لطيف.

- تآمروا علينا.. ذبحونا من الوريد إلى الوريد.

- من هم؟.، سألت الأم بطيبة وعفوية.

- العرب.. اليهود.. الأمريكان ..الطليان ..كل الدنيا، حتى الأنس والجان.

- لنا الله يا ولدي.

- ونعم بالله .. ونعم بالله.

رن جرس الباب فاتجه لفتحه، كان القادم والده ،إحساس بالقلق بدأ يساوره مع هذا الرجوع المبكر وتلك الغمامة التي تكسو وجهه على نحو لافت. حاول سؤاله أو الاستفسار منه، لكن الرجل أزاحه من طريقه بلطف وسار قاصدا الفتاة، نظر في وجهها بأعين يفيض الدمع منها وقال يغالبه البكاء: البقية في حياتك يا بنتي.


1978