عشقٌ من نوعٍ آخر!!!!
.jpg)
هو عشق من نوع آخر عهدته منذ سنوات طفولتي الأولى..
عشق تتآلف معه حواسي الخمس مع عناصر الطبيعة كلّها لتشكّل حالة خاصة وإستثنائية لم أجد لها الكلمات المناسبة حتى اليوم!!
لا أدري تماماً ما هو ذاك السر الكامن وراء ما يخفيه هذا العشق الجميل والفريد !!
أراني في حالة هدوء لا مثيل لها.. أود لو أعانق الأشجار والورود.. أود لو أطير عالياً وأحلّق فوق الغيوم.. أسير لساعاتٍ طويلة من دون ملل ولا كلل... أشتم رائحة الطبيعة الجميلة.. رائحة الحياة التي أعشقها أكثر فأكثر في فصلٍ وصفه الكثيرون بموسم الأحزان والأشجان.. موسم الموت والإنكسار.. موسم الذي تختفي فيه الطيور.. وتذبل الورود.. وتتساقط الأوراق.. وتحزن السماء.. وتدخل الطبيعة في حالة عزاء وحداد...
مع هذا كله.. لا يسعني إلا أن أرى الأمور مغايرة.. لا يسعني إلا أن أشعر بالحب وبالعشق.. هذا الموت تراه عيناي حياة.. العصافير المغادرة أراها جميلة.. فهي لا تزعجني برحيلها.. إنما أنظر إليها كسرب ينتقل من منطقة إلى أخرى تماماً كالخلايا التي تتناقل في دمي فيختلف جريانها مع جريان الطبيعة ليكون التجدد أنقى وأنظف.. تلك الورود الفانية.. أحبها مزهّرة.. أحب ألوانها المتألّقة في الربيع وفي الصيف، لكن انطفاءها يذكرني بأن الحياة لا تنتهي وأنه لا بد للأحاسيس والمشاعر أن تتغير وتتبدّل وهذا الإنطفاء ليس إلا دليل عافية لترتاح.. لتبتعد وتأخذ قسطاً من الراحة بعيداً عن ضوضاء الحياة وصخبها..
لا تبكيني تلك الاوراق المتساقطة... بل يسحرني لونها الأصفر الممزوج بالبني فيذكرني بالتراب حيث تبدأ الحياة وتنطلق.. حيث الجذور الصلبة والراسخة.. أتأمل جمالها الذي يمدّني بطاقة غريبة.. طاقة تعيد إليّ اتزاناً يضيع مني ربيعاً وصيفاً... نعم، لا تبكيني إطلاقاً تلك الأشجار التي عهدتها خضراء مزدانة تارةً بالأزهار وطوراً بالفاكهة.. لا بل تجعلني أبتسم وأضحك من الداخل كلما دنوت منها لأعانقها وأشعر بقوتها وصلابتها التي لا تتزعزع..
لا تزعجني السماء الرمادية ولو أنني لا أحبّذ هذا اللون. لكنها تذكرني بأن الحياة مزيج من الألوان.. وأنه كما يحق لي كإنسانة أن أضحك وأبكي.. أن أفرح وأن أحزن.. فهي أيضاً بحاجة لأن تختبر وتعيش تلك المراحل كافة وإلا لن تكون قادرةً على أن تبقى زرقاء ضاحكة وجميلة...
أسير وأنا أتحسس هواء الخريف يلامس أطرافي.. يتغلغل داخل جسمي.. أشعر به كطفلٍ صغير يركض إلي ليختبئ ورائي ويدغدغني ثم يعود ليقهقه عالياً بضحكة تملأ الفضاء كلّه فتهمس للسماء والأزهار والأشجار والغيوم أن الحياة مستمرة لا محالة... ضحكة تطمئن الطبيعة برمتها أن لا شيء حتمي.. حتى النهايات خلفها سلسلة بدايات تتخللها تغيّرات..
يأسرني الخريف بتبدّلاته... يأخذني بعيداً وراء البحار.. خلف الشمس..
يبثّ فيّ روحاً جديدة.. طاقة جديدة.. دفعاً جديداً والأهم من هذا كلّه حنيناً جديداً!!
حنين من نوع آخر... حنين يلامس ذاك العشق الفريد...
حنين لطفولةٍ مجبولة بحب الطبيعة... حنين لطفولة اكتشفت يوماً ما معنى الحياة والإنسانية..
حنين جميل.. لا يشوبه الحزن ولا أشجان العشق التي يعيشها الكبار.. بل حنين بريء..
فصل الخريف لا يذكرني بالعودة إلى المدرسة وبآلام تلك العودة حيث كانت تزعجني تلك المؤسسة الضيقة الآفاق والمليئة بالنفاق... فصل الخريف يذكرني بحبي للحياة وحسب..
يذكرني بكينونتي، بإنسانيتي، بمشاعري، بحواسي، بأطرافي، بأناملي، بروحي، بنفسي، بعقلي، بفكري، بجسدي... بوجودي وحسب!!
يأويني الخريف.. يدللني.. ينسيني آلاماً ماضية.. يضعني أمام مفترق طرق بين الصيف والشتاء تماماً كالمفترق الكبير بين الطفولة وسن الرشد... يدفعني إلى إعادة النظر بما مضى والنظر إلى ما سيأتي.. يضعني على مسافة واحدة وواضحة من مشاكل الحياة ومعطياتها!!
الخريف ليس خريف العمر.. الخريف مرحلة تقييم للعمر..
الخريف ليس بمرحلة سوداوية.. بل مرحلة انضواء واختلاء مع الذات وليست كل خلوة مع الذات خلوة مريرة...
خريفي هذا لم يتبدّل يوماً بل ازداد نضجاً.. كم خشيتُ أن يتبدّل.. كم عشتُ حالات هلع وخوف أن يتلاشى عشقي له وأن يذوب ذاك الحنين الذي انتظر حضوره سنة بعد سنة كما تنتظر الطفلة الصغيرة هدية والدها والمرأة العاشقة وصول حبيبها.. !!
خريفي لم يخذلني سنةً بل ها هو يعود على الوقت حاملاً معه أسراره الكثيرة لنتشاركها معاً.. وها أنا في انتظاره قبالة البحر.. أمام الشمس النائمة على سطح الماء.. وسط نسمات الهواء العليلة.. في يديّ باقة من الأفكار الجمّة أخبره عنها..
خريفي يعانقني بعشقٍ وأنا أعانقه بشوق!!
خريفي يقبّل وجنتيّ وأنا أعانق روحه..
خريفي يسير بقربي.. أمامي.. خلفي ومن حولي.. والابتسامة لا تفارق محياه!!
لي خريف أهدتني إياه الحياة لأفهم أكثر معناها وأغوص بها عميقاً لأخرج متجددة فأتخلّص من مآسيها وسمومها.. من آلامها ومن أثقالها فأكتسب عافيةً طاقةً وآمالاً!!