جمالية الحياة...

أراني أسير ببطء يلامس الهدوء الذي في داخلي.. هذا الهدوء الغريب الذي يسكن جسدي ويتقمّص روحي كلما وقفتُ لأتأمل الشمس وهي تغيب.. أراني أتسمّر في مكاني كما لو أن قوة غريبة سكنتني فسيطرت على الثورة التي تتخبط داخل عروقي وتنبض داخل قلبي وتجعلني في حالة تمرّد لا تستكين إلا عندما أقف أمام هذا الكوكب الذي يسحرني بألوانه الصارخة والجريئة فأشعر بها تتشابك وتتداخل لتتواصل مع الوهج الذي يتصارع في داخلي.. أشعر بدفئها يعانقني ويتسرّب إلى داخلي فيغلّفني برداء حب وشغف يطفئ اللهيب الذي يجري في داخلي ويمدّني بنوع من السكينة... سكينة تشبه بصمتها صمت حبيبة تحاول لمس الوقت بين أناملها فترجوه بنظرة صامتة مليئة بالعشق ألا يمضي كي لا يحين وقت الفراق..
صمتي وأنا أنظر إلى الشمس يشبه صمت تلك الحبيبة التي لا تريد أن يغادرها حبيبها... صمتي يمتزج مع دموع تسيل على وجنتي لتعبّر عما لا يقوى صوتي عن التعبير عنه... صمتي هذا يدوم لساعات أبقى فيها واقفة فوق حبيبات الرمل في حالة ابتهال لا أشعر فيها بجسدي وكأن الشمس بأفولها سرقت مني طاقتي فجعلتني روحاً بلا جسد تطوف فوق المياه التي تعود لتلامس قدميّ فتوقظني من غيبوبتي...
أصحو فجأة لأجد نفسي إنسانة جديدة.. إنسانة استعادت جسداً مليئاً بالطاقة.. ينبض بحبٍ جديد.. كما لو أن الشمس بغيابها هذا قد أضفت نكهة جديدة على حياتي.. نكهة كتلك التي تُطفئ لهيب المقادير المتأجّجة فوق النار.. فهي لا تجعلها تموت أو تفقد رونقها ولكنها تجعلها تتخمّر مع بعضها البعض، فتتمازج وتذوب وتختلط لتخرج من الفرن بطعمٍ جديد ولذيذ.. طعم ينعش قلباً متعطّشاً دوماً إلى الحياة إلى الحب إلى العطاء..
تسرقني الشمس يومياً من حياتي الروتينية فتأخذني بعيداً إلى عالم سرّي حيث أذوب أمام سحرها كمن تذوب بسحر حبيب يستأثر بعينيه جسد وعقل وقلب حبيبته فيمدّها بروح جديدة تنبلج فتخرج من مسامها كطيف يرفرف وترتسم على ثغره ابتسامة حب ورضا...
تأسرني الشمس يومياً كرهينة لكنها سرعان ما تعيدني إلى شاطئ الأمان إنسانة جديدة يملؤها الأمل.. تعيدني حرة مكرّمة غير ذليلة... تعيدني إلى عالمي وفي أذنيّ تردد كلمات عشق تملؤني شغفاً وغراماً لا ينتهيان... بل يتجددان عند كل غروب ليجعلا مني امرأة مفعمة بالحب.. امرأة تقدّر الحياة.. تقدّر الجمال...
تسألني الشمس وهي تغيب هل ترين الجمال من حولك... أخبرها عن الأزهار والورود التي تعبق جمالاً وحباً.. أخبرها عن الموسيقى التي أسمعها في ضحكات الأطفال وهم يركضون في الحقول.. أخبرها عن رائحة الطعام التي تصنعه أيادي العجائز المجبولة بحب الأرض والطبيعة.. أخبرها عن لمسات الفنان الذي يضفي بريشته لوناً جديداً على لوحة الحياة فيحررنا من قيودنا لننظر إلى الحياة كل على سجيته.. أخبرها عن طعم القبلة التي يتبادلها الحبيبان ليُغدِقا على الحياة مزيداً من الحب..
تقترب مني الشمس قبل أن تحررني وتهمس في أذني سؤالاً اعتدت سماعه عند كل غروب.. تسألني عن أمنيتي الجديدة.. أنظر إليها مبتسمة وأخبرها عن أمنيتي في العودة إليها يومياً.. أخبرها عن عشقي لها.. عشقي الذي يكاد يصبح عشقاً ذوبانياً غير قادر على الافتراق عنها.. تنظر إلي وهي تفك أسري نظرة تشع حناناً.. ترخي بأشعتها الصلبة على كتفيّ وتدفع بي نحو الحياة.. نحو الواقع حيث أستعد لأعود أدراجي..
أراني أسير بدفعٍ يلامس الضوضاء الذي في داخلي.. هذا الضوضاء الغريب الذي لا يفارق جسدي وروحي كلّما عدتُ من رحلتي بعد غياب الشمس.. أراني أسير من دون توقف.. أتأمل الحياة والهواء يملؤني مزيداً من القوة فينفخ في داخلي بذور ثورة تأبى أن تتوقف.. ثورة تتراكم وتتجدد مع مرور السنين.. ثورة تصرخ وتنادي الإنسانية بأعلى صوت.. ثورة تحلم بالتغيير.. تؤمن بأحلام الطفولة.. تقدّر طموح الشباب.. تهتف لحقوق الشيخوخة... تطالب بإرساء العدالة الاجتماعية.. تدعو إلى الحب.. إلى الاعتراف.. إلى المغفرة.. إلى المصالحة.. إلى التصالح مع الذات.. إلى تقدير الذات..
تعاهدني شمسي بالعودة شرط أن أعاهدها بالبقاء على ثورتي هذه.. أخبرها أن ثورتي لن تنطفئ طالما أن أشعتها تصحو يومياً لتنتشلني من فراشي وترافقني في يومياتي ثم تعود لتسرقني وتعيدني إلى الحياة لترتاح وتنام هانئة..
أصبحتُ أفهم اليوم لماذا أحبك أيتها الشمس.. أدركتُ لماذا أحب الدفء وأكره البرد.. فهمتُ لماذا تتضاعف قوتي وطاقتي في المساء..
لحظات غيابك اليومية جعلتني أدرك معنى الحياة وأقدرّ قيمة الوقت.. جعلتني أمتنّ لكل دقيقة أتنفّس خلالها.. جعلتني أفهم علّة وجودي.. جعلتني أتصالح مع عبثية الحياة..
لحظات غيابك أيتها الشمس أفهمتني تناقضات الحياة وصراعاتها.. أفهمتني أن لا غياب إلا وبعده شروق.. لا موت إلا وبعده حياة.. لا نهاية إلا وبعدها بداية..
أفهمني غيابك أيتها الشمس أن لا حب ينتهي ويندثر في الظلمة إلا وبعده حب جديد يولد ليرى النور.. وهنا تكمن روعة الحياة وقدسيتها أيتها الشمس... تلك هي جمالية الحياة !!