بين طيّات الروح وثنايا الجسد!!

ميراي حمّال قرأها 1,011

بين طيّات الروح وثنايا الجسد!!

هل هو مجرّد غلاف نولد فيه ينمو معنا رويداً رويداً ، يتفاعل معنا، مع مشاعرنا، وأفكارنا.. يتآلف معنا أحياناً ويعاكسنا أحياناً أخرى؟؟

نتباهى به ونعمل دوماً على تحسينه وعلى إظهاره بأحسن مظهر وقد نذهب بذلك أحياناً حدّ الهوس اللامتناهي وأحياناً أخرى نخجل به ونحتقره وقد نذهب إلى حدّ تدميره تدميراً وحشياً مؤلماً يفوق التعذيبات التي قد نراها في السجون والتي قد نعترض عليها وتثير غضبنا ومشاعر الإنسانية لدينا..

نعيش بداخله وقد ننسى في الكثير من المرّات أنه جزء لا يتجزأ من كياننا.. نُدخله في دوامة تناقضات قاسية تكاد تفتك به وفي نهاية المطاف نسأله عن الوفاء ونحقد عليه لأنه خذلنا وأدخلنا بدوره نفق الدوامات المرضية والموجعة..

لبرهةٍ نعتبره فانياً بالياً، نضعه جانباً كقطعة أثاث نمرر ريشة تنظيف الغبار عليها من حينٍ إلى آخر معتبرين أن الأساس الحقيقي هو الجوهر، هو الداخل الذي لن يزول، هو رأسمالنا الحقيقي والباقي عندما ستزول القشور.. وفجأة وخلال ثوانٍ معدودة، تنقلب المقاييس كلها ونقرر بطريقة فجائية تشبه بسرعتها القياسية صدمة الموت المفاجئ، أن نقلب الدفة وأن نعطي هذا المسكين الذي كنا نعتبره بالياً منذ لحظاتٍ أو منذ سنين مضت، كامل الأولوية على أنه هو الجوهر وهو الأساس الذي نبني عليه، وهو الركيزة الأساسية التي تمهّد لتألّق الجوهر الذي كنا طوال حياتنا نلقي المحاضرات ونؤلّف الكتب ونكتب المقالات حول مدى أهميته وفعاليته كركنٍ أساسي يمهد لنا الطريق السليم نحو التقدم في الحياة والتفاعل مع الآخرين والاستمرار تحت شعار الإنسانية والأخلاق والترفّع عن الأمور المادية البالية..

ما إن تأكد هذا الجوهر المسكين أنه هو نفسه  القائد والآمر الناهي وما إن قرر أن يثبت قدميه ليتمتع بكافة الصلاحيات المعطاة له والإستئثار بالحكم حتى اندلعت شرارة المؤامرة وخرجت إلى العلن لتقلب كافة موازين القوى، فشنّت الإنقلاب الأسود الذي أطاح بالجوهر ووضعه جانباً  من دون حتى أن يمنحه جائزة ترضية لوفائه وعطاءاته على مر السنين، لا بل طرده طرداً نهائياً خارج المملكة.. جلس الغلاف على العرش مترئساً بنفسه سدّة الحكم.. ضارباً عرض الحائط كل المبادئ والقوانين السابقة.. فهو الآن قد أصبح جواز المرور الوحيد والحقيقي والمعترف به كأولوية تسهّل التعامل مع الآخرين، تخوّله الدخول والوصول إلى كافة الأماكن والمراكز..

صراع أزلي أبدي.. بين الداخل والخارج.. بين الجوهر والغلاف.. بين الأساسي والثانوي..

صراع سيطرت عليه الحضارات والشعوب باختلاف معتقداتها.. بعضهم أعطى الأولوية للأساس وأهمل الثانوي فيما أعطى البعض الآخر كل الأولوية للثانوي لا بل أراد تخليده على مرّ العصور والأزمنة..

هو صراع حسّاس ومؤلم.. صراع يدخلنا في سلسلة صراعات داخلية تتحكم بها تيارات عديدة تحيط بنا بعضها يسوّق للداخل وبعضها للخارج.. ونحن بدورنا نعيش بدوامات لا ندري كيف نخرج منها ولأي تيار نصوّت؟؟

صراع الجسد وصراع الروح!!

نعيش فترة طويلة من حياتنا ونحن نتعلّم كيف أن أهمية الإنسان تكمن في أهمية الروح لأن الروح هي الباقية والجسد هو الفاني.. تُزرع في عقولنا أفكار ومبادئ حول أهمية الجمال الداخلي وجمال الروح وأن الجمال الخارجي ليس إلا بأمر سخيف وبالي.. يخبروننا في المدارس وفي المؤسسات التربوية لا سيما الدينية منها أن الاهتمام بالجسد كشكل خارجي وإهمال الروح والفكر لا يجوز.. يخبروننا لاحقاً أن الاهتمام بملذات الجسد حرام وأن الإنسان الناجح في الحياة هو الإنسان الذي يركّز على جماله الداخلي ثم نعود ونراهم يحضّرون للمسابقات والإحتفالات حيث يختارون التلامذة الأكثر جمالاً من الخارج، طبعاً حسب تعريفهم الخاص للجمال الخارجي، ويهملون التلامذة الذين لا يتمتعون بالمؤهلات الجمالية الخارجية..

نخرج إلى المجتمع وإلى العالم الخارجي الحقيقي لنواجه سلسلة تناقضات يصعب علينا فهمها.. ندخل إلى الجامعات، إلى مؤسسات العمل، إلى الحياة الإجتماعية حيث نرى أنفسنا تائهين وأشبه بالعراة.. نرى ان كل ما تعلّمناه وتربينا عليه ليس إلا مجرّد كذبة كبيرة في مجتمع استهلاكي لا يعطي أي أهمية للجمال الداخلي ولجمال الروح، للثقافة، للمؤهلات الأكاديمية، للإنسان كإنسان.. إنما نرى أننا بمواجهة مجتمع لا يروّج إلا للجسد ولملذات الجسد، ينادي على المنابر وعلى شاشات التلفزة وصفحات المجلات ومسابقات الجمال  بأهمية جمال الروح وأهمية الثقافة كسلاح نواجه به الجهل وتحديات الحياة وفي الواقع هم لا يفقهون بأي شيء على الإطلاق ولا ينظرون للإنسان إلا كجسد!!

كيف يمكن لهذا الجسد ولهذه الروح أن يفهما هذه المنظومة برمتها؟؟

هل نرمي كل ما تربينا عليه جانباً ونمشي في الخط الذي يسوّق له هذا العصر الحديث؟؟ أو نبقى على قناعاتنا ونرضى أن نعيش كأقلية تفكر وتؤمن بمبادئ زُرِعت في رؤوسنا واقتنعنا بها؟؟

عود على بدء.. هل هذا الغلاف الذي ولِدنا به هو الأهم أم ذاك الجوهر الذي تدرّبنا على تغذيته كعنصر باقٍ هو الأولى بالإهتمام؟؟

بالنسبة إلي، قد يكون الحل الأنسب بقلب الطاولة على كل هذه الأفكار وإعادة النظر بها فكرة فكرة واختيار ما يحلو لنا كأفراد وليس كجماعات.. نختار ما يناسب جسدنا وروحنا.. ما يعطينا التوازن الداخلي والخارجي معاً بعيداً عن لعبة التحكم والتوتاليتارية..

الجسد والروح مكملان لبعضهما.. لماذا كل هذه الحملات حول إعطاء الأرجحية لواحد على الآخر؟؟

لماذا هذه الأفكار تارة حول إهمال الجسد إلى حد الإحتقار وطوراً حول تكريسه إلى حد الجنون؟؟

لماذا لا نعيش حياة هانئة نعطي فيها للجسد وللروح كافة الحقوق بطرق متوازية، عادلة وسليمة؟؟

لماذا لا نعيد النظر بما تعنيه عبارة "ملذات الجسد" بعيداً عن المنحى السوقي الذي تمّ تغليفها به؟؟ هل فعلاً تلبية ملذات الجسد خطيئة؟؟ هل فعلاً الاهتمام بالمظهر الخارجي سخافة؟؟ هل حقاً متابعة أحدث صيحات الموضة من ملابس وأدوات تزيين وتبرّج وحليّ هو تفاهة؟؟ هل عمليات تجميل الجسد وتجديده إثم؟؟

هل الإهتمام بالجمال الداخلي هو فضيلة؟؟ هل التركيز على إغناء الروح والعقل والفكر هو العمق بحد ذاته؟؟ هل التخلّي عن كل ما هو مادي وإهمال المظهر الخارجي هو ما يجعلنا أغنياء من الداخل؟؟

أسئلة كثيرة لا تنتهي وإجابات عديدة لا تنضب..

ثمة اعتبارات كثيرة قد تختلف من إنسان إلى آخر كلّ بحسب قناعاته ومعتقداته والتيارات التي قرر أن يؤمن ويمضي بها.. هناك الأديان التي تروّج للجسد على حساب الروح وهناك الأخرى التي تمجّد الروح وتنادي بإهمال الجسد وهناك التي قد تروّج للتوازن ولكن قد يصعب على الإنسان المضي بها لوقتٍ طويل لأن الإنسان بطبيعته البشرية ميّال إلى التغيير والتبديل.. وقد يكون ذلك دليل عافية إن كان لإعادة النظر في سيرورة حياته عبر طرح العديد من علامات الإستفهام التي يحق له بطرحها والتفكير بها ملياً والأخذ بعين الإعتبار كافة الإجابات الموالية والمناهضة .. تفنيدها، الشك بها وصولاً إلى اليقين!!

ماذا نريد من جسدنا ولجسدنا؟؟ ماذا نريد من روحنا ولروحنا؟؟

هل تساءلنا يوماً ما إن كنا فعلاً نحب جسدنا؟؟ هل تساءلنا إن كان ما نقدمه لجسدنا من مظهر جميل، من تألّق ومن لذة هو بدافع حب الجسد أو بدافع مواكبة ما هو رائج؟؟

هل تساءلنا يوماً ما إن كنا فعلاً نريد لروحنا أن تحيا؟؟ هل تساءلنا إن كنا نعزز الروح حباً بالروح أو خوفاً من الآخرة؟؟

هل خطر ببالنا يوماً ما أن حب الجسد هو من حب الروح والعكس صحيح؟؟

هل تداركنا لبرهة أنه لا يمكن لأي منهما أن يحتكرنا أو أن نسخرّ كل طاقاتنا للواحد دون الآخر؟؟

هل سنفهم يوماً أن الجسد والروح متكاملان في جسمٍ واحد يسيران في خطين متوازيين قادرين على الالتقاء وبالتالي على الارتقاء؟؟

المسألة برّمتها مسألة حسابية ومنطقية تسيّرها عاطفتنا من خلال حبنا للحياة وما تقدمه لنا من  أمور منها ما يغني الروح ومنها ما يعزز الجسد ، ويسيّرها عقلنا من خلال انتقاء الخيارات السليمة والصحية التي تعطي للجسد وللروح حقهما في الحياة الهانئة..

لا يمكننا بعد اليوم تلقي ما نتلقاه من دون الغوص به ومناقشته واستنباط ما يناسب جسدنا وروحنا منه..

لا يمكننا العيش دوماُ في التلقي والقبول تحت شعار هذه هي الحياة وهذا ما يفرضه المجتمع حالياً وعلينا مواكبته حتى تنجلي الظاهرة الحالية فنتبنى اللاحقة؟؟

لا نعود هنا كيان مؤلف من جسد وروح قادريّن على تحديد مصيرهما بل مجرّد آلات تتلقى وتنفّذ!!

جسدنا وروحنا واجب علينا.. يرسلان لنا إشارات يومية تستحق أن نسمعها وأن ننظر بها.. جسدنا يستحق كل التكريم والتعزيز والتدليل مثله مثل الروح.. أياً كان شكله ولونه وعمره.. فالروح هنا تأتي لتكمله وتبعث إليه نحو الخارج ما نعطيه للجسد من الداخل..

اللذة التي نمنحها للجسد ليست لذة مادية فانية وحسب.. هي لذة تعبر إليه عبر العقل وتخرج منه من خلال الروح إن أجدنا كيف نمنحه إياها بمحبة وقناعة واحترام بعيداً عن الابتذال والتطرّف!!

الطعام لذة، الشراب لذة، الجنس لذة..

الغناء لذة، الرقص لذة، الضحك لذة..

القراءة لذة، الهدوء لذة، التفكير لذة..

الموسيقى لذة، الـتأمل لذة، تهذيب الروح لذة..

كلها ملذات لا تُعد ولا تُحصى.. المهم كيف نعيشها وماذا نستمد منها!!

المرض لا يفتك بجسدنا إذا عرفنا كيف نستمع له، ماذا نقدّم له، ومتى نحترم حدوده وذلك من خلال حسن الإصغاء للعقل وللروح..

جسدنا أمانة بين يدينا يعطينا بقدر ما نعطيه .. يمتّعنا بقدر ما نمتّعه.. يؤلمنا بقدر ما نؤلمه..

روحنا ثروة لا تنضب تتغلغل في ثنايا جسدنا.. تتفتح وتزدهر بازدهار جسدنا الذي بدوره يضيء ويلمع من الخارج بقدر ما نجيد تلميعه بحب وحنان ورأفة من الداخل!!

جسدنا وروحنا حق علينا.. فلنوقف هذا الصراع الذي يتآكلهما من الداخل ويهدمنا من الخارج محولاّ إيانا إلى جثث هامدة تسير كمن يسير بلا هدف.. الأولوية هي لنا، لكل فرد منا يبحث عن ذاته وكينونته كجزء متكامل يرتقي بالاتحاد لا بالتشقق والتبعثر والإنفصال!!

فلنصارع لنتمتّع لا لنتألّم !!