لحظة وفاء...
.jpg)
بعد 31 عاماً من حياة مليئة بشتى أنواع الخبرات والصعوبات واللحظات الجميلة والحزينة، الغريبة والمألوفة، القوية والضعيفة، القاسية والمرنة... ها أنا اليوم أنظر إلى الوراء ليس بهدف البكاء على الأطلال ولا بهدف التحسّر على ماضٍ لم يكن بأكمله كما أردته أن يكون.. ولكن بهدف تقييم لحظات وخبرات عديدة منها ما آلمني ومنها ما أضحكني، منها ما أبكاني ومنها ما قوّاني، منها ما أخرج مني ثورة نارية ومنها ما دفن فيّ جراحاً مضنية..
نعم تلك هي الحياة.. تلك كانت حياتي.. لحظات عابرة وسريعة حطّت رحالها وسرعان ما عادت لتطير وتندثر كسرابٍ لا طعم له ولا لون.. لحظات أخرى ثقيلة وبطيئة قبعت طويلاً ولم تأبَ الرحيل إلا طرداً.. لحظات حب، لحظات كراهية، لحظات غضب، لحظات مرح، لحظات جمال، لحظات قبح، لحظات ابتهاج، لحظات يأس، لحظات خوف، لحظات شجاعة، لحظات خضوع، لحظات انتفاضة، لحظات خسارة، لحظات انتصار، لحظات أمل، لحظات إصرار، لحظات صبر.. لحظات ثورة صرختها يوم أبصرتُ النور ولا زلتُ حتى اليوم أنادي بها...
نقرأ ونشاهد ونسمع ونشهد ونعايش العديد والكثير من الأمثال والأقاويل والحكايات والشهادات حول أناس وأفراد وأشخاص عاشوا حياةً صاخبة، حياة مليئة بالبؤس، بالفرح، بالخيبات وبالإنتصارات.. نتأثّر بهم، نحاول التماهي بهم، نرغب في تقليدهم.. لكننا ننسى في مكانٍ ما أننا أيضاً بدورنا نعيش الخبرات ذاتها وإن اختلفت الظروف أو العصور أو الأوقات أو الأسماء.. الحياة عبارة عن سلسلة تجارب متتالية لا نفهم جوهرها ومعناها الحقيقي إلا عندما ننظر إليها من بعيد.. نتألّم عندما نواجه خيبة أمل مريرة.. نتأفف من المرض.. نلعن الحظ السيء.. نبكي ونغضب ونتوعّد... أحياناً كثيرة نعاود الكرّة.. لا نتعلّم.. نقع في الخطأ عينه مرّة ثانية وثالثة ورابعة... نصحو فجأة من غيبوبة اللذة التي يتركها الألم في داخلنا لنعي أننا ساهمنا في الكثير من الأحيان في الوصول إلى تلك النتائج والخيبات والأحزان غير المرجوة.. هنا نقول.. تعلّمنا!! ولكن هل فعلاً تعلّمنا وماذا تعلّمنا ؟؟
لطالما قرأتُ وسمعتُ الأمثال القائلة: "جلّ من يخطئ" و "الإعتراف بالخطأ فضيلة" و "غلطة الشاطر بألف غلطة" و "الإنسان ما بيتعلّم إلا من كيسو" في صغري لم أكن فعلاً أفهمها. كانت بالنسبة إليّ مجرّد فلسفة. عندما كبرتُ فهمتها لكنني لم أقوَ يوماً على تطبيقها. غالباً ما كنتُ أرددها بطريقة ساذجة تماماً كسياسة لبنان مجرّد حبر على ورق.
لكن مع الوقت ومع تراكم الخبرات، تمكنتُ فعلاً من فهمها وتطبيقها نظرياً وعملياً. فهمتُ أننا بشر، أننا من لحمِ ودمٍ، أننا نخطىء ونواجه الكثير من العوائق في الحياة. قبلتُ أنني غير كاملة وأنه يحق لي أن أخطئ. فهمتُ أنه عندما أخطئ عليّ الإعتراف بخطأي وأن أحاول فهم الفعل الناقص وراء خطأي، أن أستشف وأقرأ بين السطور القطبة المخفية التي أودت بي إلى ما لم أكن أتمناه. عرفتُ أن خطأي هذا لن يتكرر إلا عندما أتمكن من مسامحة نفسي والقبول بالخسارة أو بالخيبة حتى لو كلّفني الأمر أن أبكي لأيام وأن أغضب وأن أثور وأن أندم شرط ألا أبقى هناك..
تقدم لنا الحياة الكثير من الدروس على كافة المستويات ضمن عملنا، في صداقاتنا، في حياتنا العاطفية والإجتماعية. تمنحنا الحياة لحظات جميلة نخشى في الكثير من الأحيان أن نعيشها مخافة أن تنتهي أو ظناً منا أن الحزن سيتلو تلك الفرحة لا محالة. في النهاية، تنتهي اللحظات، نندم ونرجو أن تعود وتتكرر لنغتنمها ونعيشها حتى الآخر. يصادفنا العديد من الزملاء والأصدقاء والأقارب عند مفترقات كثيرة، بعضهم يدخل ويخرج كالهواء، بعضهم يبقى ويترك بصمة لا تُنسى، تارةً تكون بصمة إيجابية مليئة بالذكريات الساحرة وطوراً بصمة سلبية مليئة بالجراح الأليمة. بعضهم يدخل من دون استئذان ونشعر أننا نريد إبقاءهم إلى الأبد والبعض الآخر نفتح لهم الباب ونرّحب بهم أفضل ترحيب لكنهم سرعان ما يخرجون ضاربين عرض الحائط كل الذكريات والمبادئ والأفكار والأسرار.. يخرجون خروج القائد الذي يشعر بتهديد العدو فيسرع بالفرار تاركاً جيشه وعتاده في أرض المعركة.. يخرجون كاللص من الباب الخلفي.. اللص الذي دخل كضيف معزز مكرّم ثم ما لبث أن شعر بالطمع فخرج في الظلمة بحوزته لحظاتٍ جميلة سطا عليها كغنائم من دون قيمة. نستيقظ في اليوم التالي لنجد أننا سُرِقنا.. ثمة من سرق لحظاتنا الجميلة التي دأبنا على التشارك بها فتركنا خاليي الوفاض.. ثمة من انتشل لحظاتنا الحميمة معاً.. فتركنا عراةً.. ثمة من اغتصب أهم وأعمق ما يربطنا ببعضنا البعض كبشر.. فرمانا أرضاً ورمى بالوفاء...
نشعر بغربةٍ أليمة.. بغضب.. نود لو نصرخ عالياً.. نرغب في تحطيم كل ما يحيط بنا.. ولكن ليس هناك ما يحيط بنا سوى حطام.. حطام علاقات انتهت.. حطام نفس وروح وجسد حطام إنسان أحب، وعشق، وأعطى، وأخذ، وتبادل، وعاهد، ووُعِدَ... إنسان بنى الكثير من الآمال.. لكن تلك هي الحياة وتلك هي الخبرات.. حتى الآمال قد تنتهي في لحظة غير متوقعة مهما علا شأن رهاناتنا.. حتى الصديق الحميم قد يدير ظهره في يومٍ من الأيام ويقرر المضي في سبيل حاله من دون النظر إلى الخلف.. حتى الزميل يبحث عن مصلحته الخاصة فيقرر الخروج من اللعبة غير مبالٍ بمفهوم الامتنان.. حتى الحبيب قد يصل إلى اليوم الذي يرى فيه أن الحب انتهت صلاحيته فنلتقي به في اليوم التالي كمن يلتقي بغريب لم يحضنه ويشمه ويقبّله ويتحد معه يوماً...
نشعر في تلك اللحظات بعبثية الحياة وغرابتها.. نشعر بوحدة قاتلة.. نشعر بالخيانة القصوى.. بمرارةٍ مدقعة.. بغصّة ظلم.. نود لو نعود إلى رحم والدتنا حيث الأمان.. حيث الحب.. حيث الدفء.. نود لو نختفي عن وجه الأرض.. نود لو تنتهي الحياة.. نتمنى أن تكون تلك التجربة مجرّد كابوس ليلي سوف ينتهي في الصباح التالي..
ولكن وللآسف الشديد تلك هي الحقيقية.. لنا كامل الحق بالشعور بالحزن والغبن والأسى ولكن يترتب علينا في الوقت عينه أن نحاكي أنفسنا بغية إيجاد الخطوة الناقصة التي أدت بنا إلى تلك الخسارة.. علينا أن نقبل أن الحياة مشاركة والمشاركة ثنائية ومزدوجة. حري بنا أن ننظر إليها من مختلف الزوايا لنفهم الخطأ وراء رحيل من رحل..
أحياناً كثيرة علينا أن نقبل أن الأمور تنتهي.. فلنسمح لها بالانتهاء.. لا بد من أي يكون خلفها باب آخر.. ومنفذ أفضل.. وفرصة أغنى..
الحياة لعبة بين أيدينا.. بإمكاننا التحكم بها كيف ما نشاء.. بإمكاننا هدمها أمام كل مشكلة تصادفنا كما وبإمكاننا إعادة بنائها وبطريقة أفضل.. السعادة تماماً كما الحزن.. تارةً تكون إلى جانبنا وطوراً تنساب من بين أيدينا تماماً كالمياه التي التي تنزلق من بين أناملنا فلا نقوى على التقاطها.. ولكن حتى لو لم نلتقطها فنحن قد شعرنا بها.. شعرنا بدفء المياه أو ببرودتها.. شعرنا بها تتسرّب إلى داخلنا.. شعرنا بالانتعاش.. كذلك هي السعادة.. لا يسعنا لمسها لكننا تترك بصمتها الخاصة فينا.. تثلج قلوبنا.. تُضحكنا حيناً وتبكينا حيناً آخر لشدة تأثرنا..
هنا تكمن أسرار الحياة وهنا تكمن جمالية الحياة، عندما نجيد فهم الأمور والنظر إليها من خارج الإطار المعهود.. عندما نجيد استقبال السعادة وعيشها باللحظة ذاتها من دون تأجيلها.. عندما نقبل الحزن باللحظة ذاتها ثم نقف لندعه وراءنا.. عندما نفهم أخطاءنا ونقبلها ونسامح أنفسنا من دون معاقبة مدمّرة.. عندما نتصالح مع الهزيمة.. مع الخسارة.. مع الفقدان.. ونقرر المضي قدماً...
هي لحظة وفاء بحثتُ عنها كثيراً ولم أجدها..
لحظة شعرتُ بغيابها إثر خيبات كثيرة ومتتالية.. أما اليوم، وبعد سنوات متتالية من عمري أجدني أشعر بها تجاه الحياة.. تجاه ما أمدتني به الحياة من تجارب ومِحَن ومآسي وحب وفرح وسعادة..
هي لحظة وفاء واحدة تجاه ما تمنحني إياه الحياة يومياً مع كل بزوغ فجر، من قدرة على التنفس، على السير، على الرؤية، على السماع، على اللمس، على التذوّق..
هي لحظة وفاء تجاه ما أشعر به يومياً عند أفول الشمس: أنني لا زلتُ أتنفّس على الرغم من كافة الضغوطات والمشاكل.. أنني لا زلتُ أقوى على الضحك.. على التنقل.. على القراءة، على الكتابة، على النظر إلى الناس والتفاعل معهم.. على اكتساب معارف ومعلومات وأفكار جديدة.. تجدد طموحي وتدفعني إلى المزيد من العطاء..
وفائي لأشخاص جميلين صادفتهم في حياتي.. ساهموا في ترك بصمة مميزة في قلبي وفكري كل على طريقته الخاصة.. أشخاص ساهموا في تقدمي وتطوري وإن أحياناً من خلال لحظات قصيرة..
أشخاص لم ولن أنساهم ما دمتُ أتنفس عند كل صباح وبعد كل مساء...
هي لحظة وفاء واحدة... للحياة وحسب!!