هل هي حربكم أم حرب الآخرين على أرضكم؟؟

ميراي حمّال قرأها 1,194

هل هي حربكم أم حرب الآخرين على أرضكم؟؟

هل هو مجتمع مريض؟؟ هل هو مجتمع كئيب؟؟ هل هو مجتمع عقيم؟؟ هل هو مجتمع متفلسف؟؟

لم أعد أفهم شيئاً على الإطلاق..

لستُ هنا لا بمعرض الانتقاد ولا بمعرض السخرية... أحاول فقط تسجيل مشاهدات أضع عليها علامات استفهام كبيرة!!

لكل إنسان كامل الحرية بعيش حياته كما يشاء وبالتعبير عن أفكاره وميوله وأهوائه كما يشاء... ولكن عندما تسير في مدينة بيروت وضواحيها وترى كمية الظواهر العجيبة الغريبة وتسمع كمية التعليقات والانتقادات المتناقضة المتضاربة، لا يسعك في مكانٍ ما سوى إبداء رأي ما... رأي قد يلقى الكثير من الرفض والكثير من العدائية والتعصّب... ولكن أعود لأسأل نفسي، ألستُ في مدينة تقدّس حرية الرأي والمعتقد؟؟ لماذا عليّ الاستماع إلى كافة الآراء الجيدة منها والعاطلة؟؟ لماذا عليّ تحمّل الانتقادات الإيجابية منها والسلبية؟؟ لماذا عليّ تفهّم كافة الناس واحترام أفكارهم ومعتقداتهم ومراعاة ظروفهم وعقدهم وقصصهم الشخصية وماضيهم وآلامهم وعندما أريد التعبير عن رأيي الخاص الذي يتعارض مع أفكارهم يواجهوني بالصد والعدائية والرفض؟؟

نعم من هنا تبدأ سلسلة التناقضات في هذه المدينة!!

 بلد يدّعي الديمقراطية ويمارس الديكتاتورية...

مدينة تجاهر بقدسية الحريات العامة والخاصة... وفي المقابل تدين بأسوأ طرق الإدانة كل حالة تراها هي نفسها حالة شاذة لا تتفق مع مبادئها وأفكارها التي تكون في الأساس أفكاراً شاذة..

مدينة يدّعي كل شخص فيها يقرأ كتابين أنه مثقّف كبير ولامع....

مدينة تقتني فيها السيدات الرفيعات الشأن (سيدات الأشرفية بشكل خاص) كلاباً عريقة لكن الخادمات هن اللواتي يخرجّن الكلاب لتقضي حاجتها أو لنزهة صغيرة.. كما لو أن تلك الحيوانات الأليفة المسكينة هي من الرموز الأساسية والضرورية لتكتمل أكسسوارات تلك السيدات الرفيعات المستوى...

مدينة عربية يجهل معظم أبناؤها التحدّث بالعربية... والحري بي أن أستخدم فعل "يخجل" بدلاً من "يجهل"... وكأن التحدّث باللغة العربية دليل عار وخزي وانحدار ثقافي.. فيما الإنحدار الثقافي يبدأ من عدم اتقان لغة البلد الأم... إتقان اللغات المتعددة دليل غنى نعم... ولكن لا يسعني إلا أن أضع علامات استفهام كبيرة وباللون الأحمر حول تلك الأمهات اللواتي لا يتحدثّن مع أطفالهن إلا بالفرنسية والإنكليزية فترى الطفل يدخل إلى المدرسة ليصطدم بلغة عربية أشبه باللغة المسمارية بالنسبة إليه... عداكم عن تلك الأمهات اللواتي يتحدثّن باللغة الأجنبية غير الصحيحة والسليمة لمجرّد الشعور أنهن يواكبن العصر والموضة...

مدينة تعجّ بالأحزاب والألوان السياسية من مختلف الميول والأطراف... قد يبدو هذا المشهد غنياً من الخارج.. ولكن حذاري الغوص نحو الداخل.. فالداخل أشبه بوكر للدبابير.. أحزاب مهترئة ينخر بها الفساد والجهل والتخلّف.. أحزاب ترفع رايات وشعارات.. وعند التطبيق تراها تناقض نفسها ألف مرة في الدقيقة الواحدة.. أحزاب تعتقد مثلاً أنها إذا لبست الأحمر ونادت بالعدالة الاجتماعية أصبحت اشتراكية... إذا لبست قميص تشي غيفارا ودخّنت السيجار ونفشت شعرها وبقيت خمسة عشر يوماً من دون استحمام جالسة في المقهى الفلاني، أمامها الجريدة الفلانية، محاطة بالمجموعة الفلانية... فهي أصبحت تلقائياً يسارية إن لم يكن شيوعية... أحزاباً أخرى تعتقد أنه بوضع نظارات الراي بن وارتداء الجزمة العسكرية والسترة الزيتية اللون تستمد القوة المطلقة وبالتالي تصبح قادرة على البطش وعلى إرساء العدالة الخاصة بطائفتها وحسب...

مدينة يخرج فيها الشبان والشابات للسهر.. من دون التطرّق إلى أن أماكن السهر في لبنان مقسّمة وفقاً للطبقات الاجتماعية: أي إنك إذا سهرت في المكان الفلاني أصبحت للتو إنساناً مرموقاً – عليك القدر والقيمة– بغض النظر إن كنت قد قمت بالاستدانة لتتمكن من السهر في هذا المكان... السهر في لبنان أشبه بموضوع الدين على بطاقة الهوية...

مدينة، الثقافة والفن والأدب عناوين عريضة تزينها من الخارج... ولكن حاول الولوج إلى الداخل... ترى فقط 10 بالمئة من سكانها يقرأون وهم نفسهم الذين تلتقي بهم في المسارح والمكتبات وفي المناسبات الفنية والثقافية... الـ 90 %.. إما أن لا وقت لديهم للقراءة مع العلم أنك قد تجدهم ينتظرون دورهم عند الحلاق حوالى أربع ساعات... إما أن تدخين النرجيلة لساعات في مقاهي المدينة العريقة وهم في أبهى حللهم ووجوههم المتشابهة هو بمشروع ثقافي بالنسبة إليهم باعتبار أن النرجيلة تمثّل الثقافة البيروتية العريقة، إما أنهم يهرعون لحضور المهرجانات الكبيرة والضخمة لأنو "برستيج" في الوقت الذي لا يعرفون فيه بالأصل من يكون هذا الفنان الذي يؤدي عرضاً ما في بعلبك أو في بيت الدين أو إلى ما هنالك من أماكن أخرى تنظّم مهرجانات كبيرة...

مدينة الثقافة هذه هي نفسها التي تنتقد الأنظمة العربية التي تقمع فنانيها وكتّابها وتسخر من التخلّف العربي كما تحب أن تسميه ثم تعود لتقمع فنانيها وكتابها بشكل معيب ومخجل!!

مدينة تدعي فيها المرأة التحرر المطلق وهي تجهل ما هي حقوقها لا بل تجهل أن معظم حقوقها مهدورة!!

مدينة يستقبلك ناسها بعبارة "نصحانة" أو "ضعفانة" قبل أن يسألوك كيف الحال؟؟

مدينة يفاخر شبانها بسياراتهم وأنواع هواتفهم وأماكن سهرهم وسفرهم ومدى قدرتهم على احتساء الكحول...

مدينة الولاء فيها للزعيم السياسي والديني أعمى ولا جدل فيه!!

مدينة المرأة فيها تتزوج لإرضاء المجتمع... وتقرر الإنجاب لإرضاء أهلها... وخلال فترة الحمل تبقى خائفة على مظهرها الخارجي من الكيلوغرامات الزائدة وحائرة إن كانت ملابسها على الموضة أم لا...

مدينة الرجل فيها يصل إلى عمر الأربعين فيقرر أن يتزوج المرأة التي تناسب والدته وعقله الذكوري أي المرأة الأقل منه شأناً ليبقى مسيطراً عليها... وفي السر يسمح لنفسه بالخروج مع فتيات المدينة الصغيرات...

مدينة تعتبر أنها المصدّرة الأولى للثورات في الوقت التي تعجز فيه عن رفع شعار واحد جريء في تظاهراتها...

مدينة تقدم فيها المصارف قروض لعمليات التجميل وكأنها تشرّع الاستنساخ بشكل ضمني!!

مدينة يرمي فيها أبناؤها العائدون من الاغتراب النفايات من سياراتهم في الوقت الذي يتغنون به بنظام دول العالم الأول العريق الذي يعاقب من يرمي النفايات في الشارع..

مدينة يعامل فيها الناس الخدم على أنهم حثالة من دول العالم الثالث وينسون كيف كانوا يعملون في مطابخ المطاعم عندما هاجروا...

مدينة تضع طالبات الفنون والإعلام جانباً في بيوتهم أو في الظل وراء الكواليس.. وتأتي بملكات الجمال وعارضات الأزياء ليصبحن ممثلات عريقات وإعلاميات كبيرات....

مدينة تجلس فيها الأمهات في المقهى ويتركن أطفالهن في عهدة الخادمات.. قد يقع الطفل وينزف دماً من دون أن تتحرك الأم عن كرسيها، فتتولّى الخادمة الاهتمام به..

مدينة لا تقدّر الفنان إلا عندما يعود من الخارج مع جائزة فنية... فيصبح عندها فقط من أصل لبناني...

مدينة تدعي التحرر الجنسي بامتياز وتعود لتنتقد المثلية الجنسية وتسأل الفتاة عن عذريتها كدليل على شرفها وكأن الشرف يُقاس بتلك العذرية...

مدينة لا تزال تعتبر أن المساكنة والزواج والمدني عار لا يتماشى مع تقاليدنا... عفواً اشرحوا لي رجاءً عن أي تقاليد بالذات تتحدثون؟؟

مدينة يتباهى فيها الناس بحفظ أغاني زياد الرحباني ومسرحياته عن ظهر قلب وعند التطبيق... لا حياة لمن تنادي!!

لا يمكنك أن تسير في مدينة بيروت من دون أن تصادف تلك الظواهر وقد يلائمك الحظ بأن تصادفها كلها في يوم واحد أو في مكان واحد باعتبار أن لبنان بلد صغير والجبل فيه قريب من البحر...

مدينة أصبحتُ أحياناً أمقت الخروج إلى شوارعها ورؤية هذا الكم من التشوّه المؤذي للعين وللأذن وللنفس وللإنسانية بشكل عام... مدينة تتألّم وتئن تحت ثقل هذه الظواهر والمظاهر التي فاقت ببشاعتها بشاعة حروبها الأهلية الطويلة والتي لا زلتُ أصر أنها لم تنتهي يوماً بل تحولّت إلى حرب باردة وحسب...

كيف يمكن لمدينة لا تقرأ أن تستمر؟؟ كيف يمكن لمدينة لا تنتقد ذاتها أن تتطوّر؟؟ كيف يمكن لمدينة لا تجيد إلا تقليد المدن الأخرى أن تصبح رائدة؟؟ كيف يمكن لمدينة لا تحاسب بموضوعية وحضارة أن تحصل على حقوقها؟؟ كيف وكيف وكيف... أسئلتي لا تنتهي.. أجد نفسي أحياناً كطفلة صغيرة تسأل الكثير ولا تحصل إلا على القليل..

أخرجُ يومياً من منزلي على أمل مشاهدة تغيير جديد أو ابتكار حديث أو نية جدية في التغيير... فأجدني يومياً ضمن المشاهدات المملّة ذاتها...... أتساءل يومياً ماذا عن هذا الجيل القادم ؟؟ ماذا عن هذا الجيل المُحاط من جهة بمجتمع استهلاكي لا يشجعه إلا على حب المظاهر ومن جهة أخرى بأهل لا يبالون إلا بأنانيتهم ونرجسيتهم الخاصة... ماذا عن هذا الجيل الحالي الذي لا يريد أن يساءل ولا أن يسأل ويفضل العيش في القوقعة المريحة التي اختارها الآخرون له؟؟

مشاهد بيروت مشاهد مريرة ومؤلمة.. إن لم يقرر شعبها أن ينتفض بشكل حقيقي وصادق فهو بات يساهم في إغراق نفسه وإغراق معالم مدينته ضمن دوامةٍ يحكمها الجهل والكذب والنفاق وأرجو إن استفاق يوماً من سباته العميق والعقيم ألا يقول تلك كانت مؤامرة من الخارج وما وصلنا إليه كان نتيجة حرب الآخرين على أرضنا !!


تعليقات القرّاء

  1. mariam saade 17 أيار 2011

    un excellent article , comme si vous decrivez l'horible verite que nous essayons de cacher. N'arrete jamais d'ecrire et de reecrire ,peut etre qu'un jour nous pourrons atteindre le changement dont nous revons . Courage Mireille