رحلة العذاب "الجرح" – ج 5

محمد نصّار قرأها 446

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية ليلا، حين هب من نومه فزعا على وقع ضربات يهتز لها لوح الباب، أرهف السمع قليلا،- رغم أن الدلائل كلها تشير إلى وجودهم-، فجاءه الصوت من الخارج مؤكدا مخاوفه: افتح الباب يا حمار.

دنا منه وشفاه تلهج بالدعاء..المعوذات وكل ما في النفس من أذكار، طمع في أن ترد عنه شيئا من البلاء، أو تقي من شره، فردت عليه بعضا من رباطة جأشه المنصهرة تحت وقع ضرباتهم وقال معها بصوت مرتجف: حاضر.. حاضر يا خواجا.

- أنت سكران!.، جاء الرد مصحوبا بدفعة كادت أن تطيح به أرضا.

- خير يا خواجا؟.، قال العجوز من بين أنفاسه المتلاحقة.

- سمير عبد المنعم ابنك؟.

نظر الرجل إلى الغرفة التي خرج منها ابنه محاطا بالجنود وقال بصوت أجش: نعم ابني.

- خذوه.، فردت أمه بتحفز يفوق سنها: إلى أين.. ابني لم يفعل شيئا.

- فسحة صغيرة ونرجعه.، قالها الجندي باستخفاف أثار ضحك أصحابه، وأجج الغضب في نفوس يفترسها القهر وينهش سكناتها، فصاحت المرأة من بين حطامها المستعر: ابني لم يفعل شيئا.

يدفعها أحدهم.. يسندها الجدار من سقوط محتم.. يستشيط لرؤية أمه وهي تلوك عجزها وقهرها، فيباغته بلكمة في وجهه و يصرخ فيه محذرا: لا ترفع يدك عليها يا ابن الكلب. وإلا قتلتك.

لم يكمل الجملة حتى انهالت فوق رأسه سياط العذاب، حمما من نار يصهره لهيبها.. يسقط من وقعها، فتناله الركلات وأعقاب البنادق.. يجره الجنود وسط صراخ أمه وصمت أبيه المجلجل.. يستيقظ الجيران على الصراخ والجلبة الحاصلة ولا يجرؤون على النزول، عدد الجنود المحتشد والآليات المنتشرة في الشارع، يشي بأن الأمر أكبر من مجرد اعتقال شخص بعينه، بل أن البعض ساوره شك، بأن ما يجري في الحي، شبيه بما حدث في أحياء أخرى، حيث تم التعرض لقاطنيها بالضرب والتكسير، فأشاع هؤلاء البعض مخاوفهم بين الناس وعلى الفور علت التكبيرات وانهالت الشتائم والحجارة من على الأسطح والمآذن القريبة كالمطر المنهمر.

 أسرع الجند بالاحتماء بعرباتهم.. دارت الكشافات ماسحة بنورها الأسطح والشرفات القريبة.. أطلقت عدة قذائف صوبها، فازداد التهليل والتكبير، وصل صداه إلى أحياء مجاورة، يتردد الصدى.. يزلزل الساحات والأمكنة.. يسرع الجند فى إتمام المهمة وينسحبوا منتشين بصيدهم.

تتواري العجوز خلف دموعها.. تتابع بألم زوجها الذي انكمش على السرير، فبدا أقل حجما مما كان عليه قبل دخولهم.

رن جرس الباب.. نظر كل منهما إلى الآخر.. فجاء الصوت من خلفه مطمئنا: افتحي..أنا معزوزة.

تعبث أصابع المرأة المرتعشة بالمزلاج، فيدخل إلى بهو البيت عدد من الجيران يشغلهم أمر واحد: ماذا حدث.

- اعتقلوه.، قالت المرأة من بين دموعها.

- السجن للرجال.، عقب أحدهم وهو يربت على كتف العجوز مواسيا.

-أنت رجل؟..

- رغم أنفك،

ركله بقوة في بطنه، مستغلا انبطاحه القسري بين أقدامهم، تلك الأقدام التي بالكاد يتسع لها الصندوق الخلفي لعربة الجيب، صرخ من هول الألم ورد ببصقة لم يدر على أي وجه حطت، ففتحت عليه أبواب الجحيم حتى صهرت أضلاعه وأحالت كيانه إلى بركان، يقذف بالشتائم والسباب في كل اتجاه والجحيم يصب فوق رأسه صبا، حتى صاح أحد الضباط بالجنود قائلا: كفي.. وإلا قتلتموه.

يسري الألم في عروقه ألسنة من لهب.. يصهر خلاياه، فتتبخر آهات مكبوتة وأحيانا سباب واهن ضعيف يستثير غضبهم، فيأتي الرد متوازيا حتى لا يثير انتباه الضابط الذي يجلس في المقدمة.

توقف الجيب في ساحة المعتقل.. أمسك به جنديان وأمراه بأن يقفز منه، فاحتار من هذا الأمر الغريب: كيف يقفز وهو معصوب العينين؟، لكنهما لم يمهلاه حتى يحل المعضلة، دفعاه بقوة جعلته يشعر وكأنه يخر من السماء.

سقط على وجهه.. رنت ضحكاتهم في أذنه.. اقتادوه إلى داخل البناية.. شعر حينها بأن الفصل الأول من الرحلة قد انتهى، دفعه أحدهم داخل غرفة صغيرة.. أزاح الغطاء عن عينه وأبقى القيد في يده.. نظر صوب ثقب في النافذة المقابلة، فرأى خيط شعاع يتسلل منها.. أراد أن ينظر إلى ساعته، فتذكر القيد الذي حول يده، حاول أن يخمن الوقت، فرجح أنها السادسة صباحا.

تأمل محتويات الغرفة، فشاهد مكتبا يتربع عليه جهاز حاسوب وبعض الأوراق ومن خلفه مقعد جلد أسود وأمام المكتب مقعدان من حديد.

صراخ يباغته من غرفة مجاورة.. يصهر أعصابه.. يزلزل ما فيها من بقايا قوة.. حالة ترقب تقتله مع هذا الصراخ المتصل.. يمضي الوقت ثقيلا.. مرهقا.. تحاصره الأسئلة والتساؤلات.. يحاول معرفة السبب الذي اعتقل من أجله.. يفتح الباب بغتة ويدخل رجلان، أحدهما قصير القامة نحيف البنية، متسلح بابتسامة خفيفة والثاني يحمل ملامح مصارع بكل ما في جسده من غلظة وقوة.. يدنو منه الرجل الرفيع مرحبا: أهلا.. أهلا يا سمير.

- أهلا.

- منذ مدة وأنا راغب في لقائك.

- ها أنا أمامك.

- لم أرغب بأن يكون اللقاء على هذا النحو.

- هذه رغبتكم.

- هذا فعلك.

- أنا!..

- نعم.. أين كنت بالأمس؟.

- في العمل.

- أقصد ليلا.

- في بيتي.

- هناك من شاهدك في مكان العمل.

- لم أغادر بيتي مطلقا.

- إذن لم أحرقت المخزن.

- أي مخزن!.

- مخزن الشركة التي تعمل فيها.

- ولم أحرقه!.

- أنا من يسأل.

- أنا لا أعرف شيئا عن هذا.

- لأي تنظيم تعمل ؟.

- لست منتميا لأحد.

- أفهم من ذلك أنك أحرقت المخزن بدوافع شخصية.

- لم أحرق ولم أفعل أي شيء.

- لدينا شهود.

- من هم.. ادعهم ليدلوا بشهاداتهم أمامي.

- المراقب.

- كاذب.. يريد أن يغطي على سرقاته.

- وراحيل.

- لم أشاهدها منذ شهر تقريبا.

- تقصد بعد أن تحرشت بها وصدتك.

- أنا!.

- لا أنا.. على كل حال أرغب في أن تتعاون معنا حتى لا تجبرنا على فتح ملفات لا داعي لها.

- أنت واهم.

ارتطم رأسه بالطاولة المقابلة إثر صفعة حطت عليه من الخلف،انبثقت الدماء من فمه وأنفه.. شعر بدوار خفيف.. التهب معصمه جراء إطباق القيد، الذي اشتد بعد ما جذب ذلك الغول المقعد الذي يجلس عليه، حتى يعيده إلى هيئته الأولى، هم بأن يعيد الصفعة مرة أخرى، فصاح به الضابط النحيف مبديا تعاطفا مفضوحا: لم صفعته بهذه القسوة؟.. آسف يا سمير يبدو أنه لا يفهم أبجديات عمله.

- لا داعي للأسف.

- أريد أن ننهي الأمر بلا معاناة.

- ماذا تريد؟.

- أن تتعاون معنا.. تعاون معنا وسينتهي كل شيء، بل سنساعدك في حل مشاكلك و كل ما تحتاج إليه.

- وفر عليك جهدك.

- أنت عنيد ولا تعرف مصلحتك.

- وليكن.

- اشبحوه.

تعالت الأنظار من داخل الحافلة تتابع سحب الدخان المتصاعدة في سماء المنطقة، ظلت مشدودة نحوها إلى أن اقتربت الحافلة من الساحة، فبدا الأمر واضحا، ألسنة اللهب تندلع من مخزن الشركة.. رائحة مواد الدهان وبراميل القار تزكم الأنوف.. عربات الإطفاء تسعى جاهدة لإخماد الحريق.. عربتا شرطة على جانب الطريق، أوقفت الحافة حال اقترابها من المكان.. تحدث أحد الأفراد مع السائق، ثم أشار بيده إلى موقع بعيد وأمره بالانتظار فيه، من دون أن يسمح لأي من الركاب بالنزول.

جلسوا بداخلها يتابعون ما يجري بحيرة وقلق.. يتابعون المارة الذين استوقفهم المشهد.. رجال الإطفاء وهم يصارعون النار حتى لا تقترب من خزان الوقود القريب من المخزن.. العيون التي تتابع من على بعض الشرفات القريبة.

مضت الدقائق ثقيلة.. مرهقة وأصبحت الحافلة سجنا لا يطاق، طفت على السطح بعض المشاحنات، جراء التوتر الذي أحاط بهم وشره التدخين الذي ألم ببعضهم وأجبر نفرا منهم على فتح النوافذ دون التفات للبرد القارص والاحتجاجات التي تلت ذلك، فكاد الأمر أن يتطور إلى عراك، دفع بعجوز يجلس في مقدمة الحافلة لأن يصيح في الجانبين مؤنبا: دعونا من مهاتراتكم وكفانا ما نحن فيه.

أقبل المراقب بعربته مسرعا، أوقفها قريبا من المكتب ونزل على عجل، كان الذهول واضحا على وجهه، وعلامات سخط تبدو واضحة في أوداجه المرتجفة.. دنا منه أحد رجال الشرطة.. تبادل معه بضع كلمات، ثم أقبلا نحو الحافلة، أشار للسائق بيده، ففتح بابها.. صعد الدرجات الأولى وراح يتفحص الوجوه التي أطبق عليها الصمت، ثم همس للمراقب بكلمات، أمرهم على إثرها بانتظار إشارة منه.

بدأت الشمس ترتفع في كبد السماء، لحظة أن أخذت ألسنة اللهب في الأفول والانحسار، تحت سيل الماء المنهمر وبدت الابتسامات واضحة على الوجوه، خصوصا رجال الإطفاء الذين نجحوا بأعجوبة في إخماد النار ومنعها من الوصول إلى خزان الوقود القريب من المخزن.

أشار المراقب لمن في الحافلة، فبدأوا بالنزول تباعا صوب المكتب، جاءت الأسئلة متشابه، الاسم، العمر، العنوان، الحالة الاجتماعية.. عدد المرات التي سجن فيها.. التنظيم الذي ينتمي إليه.

ينتهي الأمر من دون اعتقالات.. تغادر الشرطة والإطفاء.. تبدو معالم الدمار واضحة.. كل ما في المخزن أصبح رمادا.. ينظر إليه المراقب بكمد وسخط، ثم يأمرهم بتنظيف المكان.