عذراً منكِ... سامحينا!

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,560

عذراً منكِ... سامحينا!

في صيف انتحار الأوطان ومُحاكمة الشعوب كانت الضريبة الأكبر من حصّة "العاصي".     

مرّ الخبر كأنّه الإعلان عن أحدث الطرق للتخلّص من الحشرات أو من قشرة الشعر، ولكن الفرق هنا كان واضحاً: "و... تمّ التخلّص من الجثث برميها في نهر العاصي".

بكت الطفلة من هول المنظر. لكنها لم تفهم. سقطت الفراشة على حدود الضوء، لكنّها لم تتحرّك، كأنّها تبحث عن موتها، أرادت أن تحترق قبل اشتعال الحقول التي حتى الأمس القريب كانت فضاءها الجميل.

ما أغرب الطبيعة وما أقساها! العاصي هذا الذي خالف الطبيعة وانطلق صعوداً فملأت أخبار جغرافيته الغريبة وسيره عكس التيار سهرات الأجداد الدافئة، ها هو اليوم بسبب الكَذَبَة من كَتَبَة التاريخ يتحوّل حضناً ميتاً يتلقّف مؤامرة رمي جثث أبنائه في مياهه الباردة لإتمام رحلتهم الأخيرة صوب الشمس.

أيها "العاصي"، إلى أين تحملهم؟ مسافرو الزمن الأخير، إلى أين تقذفهم بعبثيتك بعدما توقفت قلوبهم عن سماع الحكايا الجميلة؟

أيها "العاصي"، تسلّلت من عمق الأرض وانفجرت في وجه الجميع في حكاية تحدّ لا مثيل لها، فما بالك اليوم؟

أقرّرت الانضمام إلى قافلة الهاربين من الأدوار الصعبة، واعتمدت النزول عن كتف الأرض لتغوص في جهنّم مشرّعة الأبواب لطمس حقائق قضايا وجرائم لم تحلّ؟

أيها "العاصي"، كيف تتنازل عن بطولتك مقابل لعب دور المجرى الأخير الذي تعبره أجساد لم تتخّذ قرارها بالغوص في بشاعة الجريمة التي، كالعادة، ستبقى بدون عقاب، كأن تراب الأرض لم يعد كافياً ليضمّهم إلى صدره فانشقت المياه لتبتلعهم؟!

كيف أفهم فأفسّر ما لم أتعلّمه في مدرسة الضيعة ولا في جامعة المدينة، لا في كتب التاريخ ولا على خرائط الجغرافية، لا في كتب التربية المدنية ولا في روزنامة الحياة؟

أيّة محكمة ستصدر الشكل النهائي للحُكْم؟

أيّ قاض سيصدر قراره العابث بأحكام العدل؟

صيف الأوطان الحار يغرق في دماء أبنائه ومحيطات الكون لن تنجح في غسل العار عن جبين "العاصي" المستسلم لوقع ضجيج أجسادهم وهي ترتطم على صفحة مياهه التي انضمت إلى دفاتر العار.

يا تاريخنا... لطّخنا براعتك في الكتابة بحبر جهلنا في القراءة.

عذراً منك يا نهر العاصي.

ويا أيها الأوطان... سامحينا.

عذراً منكِ... سامحينا!