مملكة الغياب...
بين حسرةٍ وأخْتها تسقط دمعة، تحفر طريقها نزولاً نزولاً حتى قمّة القلب، تمتص من الشرايين الحياة ، تلعق آخر نقطة دم ثمّ تسافر صعوداً حتى العين، تنزرع في بؤبؤ حزين، تستوطن غشاوة عمر عتيق، فيلبس الزمن رمادية الخريف.
بين غفوة الموت واستراحة النوم يسقط الفرق فيبقى الحلم علامة فرق وحيدة ترافق الأخيرة وتغيب عن الأولى.
ماذا بعد الغياب؟
ماذا في مملكة مغيّبة طوعاً عن أذهان الأحياء، متربّصة دوماً بثواني العمر، ناطقة أبداً بتحرّر الإنسان من عبودية الأرض؟
ماذا بعد الغياب؟
أيّ يقظةٍ في مملكة الموت توجِّه السّفن الممزّقة الأشرعة؟
أيّ لون تراه العين وأيّة فرحة تظلّل القلب حين تقرع نواقيس الرحيل وتتشرّع أبواب مملكة الغياب أمام العبور الأخير؟
بين الموت والحياة رفّة جفن، إغماضة عين، شهقة روح تفرِّق أحباب العمر؛
بين الموت والحياة لحظة انكسار فارغة إلا من بقايا الذكريات؛
بين الموت والحياة رحلة بوصلتها شوق إلى مَن مارسوا حقّهم بالسفر؛
بين الموت والحياة مسافة دمع من العين إلى القلب، شرايينها مقطوعة عن بعضها البعض، ممنوعة من الدفء؛
مَن منّا يتقن التنقل بحريّة في فضاء الحضور لردم هوّة الغياب؟
مَن منّا ينجح في اجتياز العتبة الفاصلة بين الحياة والموت بدون أن يرحل؟
كيف نوقف سيل الدمع، نمزّق أوراق الرحيل، نزرع الأحبّة في مآقينا مدى العمر؟
أيّ ضباب يلفّ العيون حين تعزف أجراس الغياب لحنها الأخير؟
أيّ حزن يحتجز القلب حين ترفع المرساة وتقلع المراكب صوب وحدة تنمو وتتكاثر عشباً برّياً على مرافئ انتظارنا؟
كيف نغرق فجأة في اللاشعور محاولين كسب دقائق إضافية من الفرح قبل الغوص في بحر الدمع؟
لا جواب.
الغياب حكم مبرم.
يابسةٌ هي البيادر، والزّرع لم يحصد بعد.
لا عودة...
أعرف رائحة المطر وهو في منتصف الطريق بين الغيمة والتراب.
لا عودة...
تهدّم جدار الخوف، وها أنا أشرّع وجهي لعواصف الغد الثلجية وأقف بشموخ أرزة عتيقة قرّرت الانكسار.
لا عودة...
لا وجود للألم المؤقّت، لا قدرة للغد على محو أحزان أمس تحوّلت فيه زواريب الكلمات معابر ذكريات جريحة...
في مملكة الرحيل ملائكة تنازلت عن أجنحتها، وفي مملكة الصمت صوت يثرثر عبثاً في آذان قرّرت ألاّ تصغي إلى اعتراضات كذب يُلبسونه ثوب الحقيقة...
كذِباً نتوّهم العودة: أبواب مملكة الغياب الأخير ليس لها سوى وجهة واحدة !