سوزان ضوّ صايغ: قلم يعطّر الأحزان...

ناتالي خوري غريب قرأها 1,693

       نغمة حزن أصيلة تكسو قلم سوزان ضو صايغ من بداية كتاباتها إلى الآن، ينشدها حبّ عميق وأصيل، يعبّر عن قلق وحزن تجلّيا على هيئة استدماج الذات والحقيقة الكونيّة المطلقة أملاً يبحث عن سرًّ، عن مصير، عن رؤيا، فكانت تعابيرها على ألسنة العصافير والياسمين والأقمار في بريد تعرف انّه لن يصل...لكنّه وصل، إلى فضاء يتعالى عن الأرض، إلى سماء أرحب وأسمى.

     كنتُ أقرأ عبر صفحة ثقافة-التي نتابعها بشغف- في جريدة الأنوار، مقالات بتوقيع سوزان ضو صايغ، وكنت أتساءل لمَ لا أجد لهذه الكاتبة ديوانًا أو كتابًا في المكتبات، علّني أجد سرّ الحزن الذي يعطّر مقالاتها، وأدبها، وعلّني أمتّع نفسي بمزيد من روائع قلمها الذي يخطّ أحلام الحياة رقّة ونبلاً، حتى علمت أنّها تنشر كتاباتها أيضًا على موقع جماليا، فكانت رحلتي في قراءة أدبها، سوسنات في حوارات طويلة بين العصفور والياسمينة وخواطر أخرى، فكانت هذه العجالة قراءة عامّة في نتاجها المنشور.

     اللافت في النثر الجمالي لهذه الأديبة، جنوح عميق يسعى إلى رؤية الحقيقة الكونية عبر التساؤلات المصيرية، في رسائل، في خواطر، في رؤى، ولمّا كان هذا الوجدان مؤصّلاً في صميم الروح البشريّة، فهي تمكّنت من التعبير عنه بلغة تقذف بنا في جوف عالمٍ ينطوي على مفارقة البعد والقرب معًا، حيث يكون عقل المتلقّي قد بعث في داخله تلك الحالة الأبديّة المتسائلة عن الإطلاق والكليّة، ويكون قد نشّط رغبته الساعية أبدًا في معانقة الكون.
تقرأها، فتسكنك كتاباتها هاجسًا، عنكَ لا يمضي بسهولة، فتتساءل معها حينًا:

"غريبة هي الطبيعة البشريّة، كيف تمتلك هذا الكمّ الهائل من التغييرات المفاجئة حتّى لتخالها لا ترتكز على شيءٍ حقيقي، بل هي مجرّد تفاهات تفتك بنا مع الوقت"(من مقالة الساحرة الصغيرة، الأنوار، 24-تشرين-2005).

وتحزن معها طيلة الوقت، فتفتّش في كتاباتها عن نفسك وفي حزنها عن حزنك، وفي قلقها عن قلقك، وقد عبّر عن ذلك أناتول فرانس في روايته الزنبقة الحمراء بقوله: "حين نقرأ نصًا ما، إنّما نبحث عن أنفسنا فيه، عن قصّتنا، عن عالم يشبه عالمنا"، وما قامت به سوزان، أنّها نقلتنا إلى عالمها، مستخدمةً أرقى أنواع التعبير الفنّي والجمالي في سماوات الإبداع، فكنّا شركاء معها في جدليّة الإبداع، بين المبدع والمتلقّي.
أمّا الخيال الذي اعتمدته فيكسر الحاجز الذي يبدو عصيًّا بين العقل والمادة فيجعل الخارجي داخليّا والداخلي خارجيًّا، ويجعل من الطبيعة فكرًا ويحيل الفكر إلى الطبيعة، وهذا موطن السرّ عند هذه الأديبة الراقية، حيث نجد توسيعًا للمدركات الحسيّة بين الأبعاد الزمانيّة والمكانيّة فلا تعود تعرف معها، -كمتلقي- أنت على هذه الأرض الدنيا أم في عالم افتراضي أم في فضاء شعري له وجوده خارج فعل القول، فتقول:

"أقفلتُ عينيّ المتعبتين وقرّرت السفر إلى حقول الورد والياسمين في محاولة أخيرةٍ لنشر الفرح" (من مقالة حكم مبرم الأنوار، 13-2-2006.)

     جماليّة الصورة في أدبها تتجلّى بكونها صورًا صاعدة خفيفة تّتسم بذوقيّة فنيّة لها أبعادها التعبيريّة، وهي أشبه بالكشف عن غور دفين في عمق إحساس الذات، وقد يشعر المرء بأنّ القوّة المنتجة لهذه الصورالانخطافيّة مركوزة في أصل النفس بالكون المحتجب في طيّ العاطفة العذبة، ومبدأ هذه القوّة هو الحنين، الشوق إلى من جعل قلق الوجود والحزن يلتهمانها. ويشكّل الحزن في معظم مقالاتها موقفًا نفسيًّا وجوديًّا تجاه الحقائق الوجوديّة الثابتة، وربّما ظهر القلق على المصير من أجل معرفة الذات الإنسانيّة ومصيرها. وقد سمّي هذا القلق بالقلق الميتافيزيقي، أي القلق الغيبي المطلق. وفي تعريف مفهوم القلق كما جاء في معجم اللاهوت الكتابي لذلك، خلافًا للخوف الذي تثيره كائنات هذا العالم، وخلافًا للهمّ الذي يدلّ على عناية مركّزة أو انشغال مفرط بشأن عمل محدّد بذاته، فالقلق ينمّ على اضطّراب يتفجّر من أعماق الأنا، وعن عدم يقين في مواجهة الموت أو المستقبل عمومًا. فتقول:

"معلّقة أنا بين الأرض والسماء، لا شيء غير شعاعٍ صغير لشمس، قرّرتُ الرحيل في غيابٍ قسري لا اختياري....بأيِّ حنينٍ أملأ المسافة الفاصلة بين الأمل الساكن في عينيك المغمضتين على غدٍ مشرق وعيناي اللتان أدرَكتا أنّها الإغماضة الأخيرة....ويبقى الوداع سيّد المواقف، ...نحمل الألم في ذاكرتنا كالحراب المسنونة، نسافر عبر الزمن بلا موعد ولا زاد فجأةً.. نسقط في بحر الجوع، نغرق في رمال الدمع المالح، وتعلن الأبواب السوداء عن موعد افتتاح جديد... (من مقالة عقارب الساعة الأربعاء في 7-12-2005.)

هذا القلق الذي خلق هواجس لا يتولّد إلاّ من خلال العقل الذي يدخل في طور العقلنة الفكريّ، في علاقة جدليّة بين فكر الإديبة الطامح إلى الحقائق المعرفيّة وسّر الحزن والقلق والمصير في الحياة، فلجأت إلى الطبيعة في رغبة منها لتحطيم ما للكون من قدرة على الصمت، وكذلك في اختراق كثافة الأشياء واستبار مكنوناتها ورؤيتها من داخلها:

"بين صمت الكلام وحديث الصمت أحرف من أبجديّة لم يكتبها أحد/بين الأرواح الهائمة في ظلمة العمر، والعمر الساكن في ظلمة الأرواح، نقطة فاصلة هي كلّ الفرق ولا فرق فيها/ بينهما بين العصفور والكنار. حديث صامت وروحٌ هائمة في فضاء لا يجمعهما فيه إلاّ خيالات الأنوار المشرقة على حزنهما الواحد" (من مقالة رسالة كنار، بتاريخ 4-8-201.) 
   

     في الختام يبقى أن نقول أنّ معظم المعاني التي ضمّنتها في أدبياتها تنحو منحى التّأمّل الذي يتجوهر في ذاتها، ففلسفت الوجود والحزن برؤية مغذّية للروح من جهة ومثبتة وجودها من ناحية أخرى، لتأتي معانيها سامية بسمّو الغاية التي طمحت إلى تجسيدها، أمّا أسلوبها فجاء رقيقًا غنيًّا بالصور على بلاغة تعبير وشفيف رؤية.

     وإليكِ يا من عطّرَ الحزن، أقول:

حتّى في أكثر الطرقات حزنًا، هناك فرح كائنٌ وكامن، لكن الكينونة لا تكشف عن نفسها ببساطة كما قال هيدغر- الفيلسوف الوجودي- أمّا المتاهات والتساؤلات فدليل حياة، لأننا نكون في حضرة الموت حين نكون في حضرة اليقين كما أعلن ديكارت. وبعيدًا عن الفلاسفة وما قالوا، حين نحمل حنيننا وشوقنا في قلوبنا، لن يهمّنا أيّ قطار ينقلنا، لأنّ العبور إلى النهاية، سيكون عبورًا إلى بداية جديدة، في دائريّة الحياة التي لا نعرف متى تبدأ ومتى تنتهي. واسمحي لي أن أدعو لك بديمومة ريشة تتغمّس في محبرة الأيّام، لتلّون صفحات الأدب رقّةً ونبلاً .


 نقلاّ عن جريدة الأنوار