العالم لن يسكت عن مذابح يرتكبها طاغية – ومهرج اسمه معمر القذافي

عدنان نقول قرأها 1,015

العالم لن يسكت عن مذابح يرتكبها طاغية – ومهرج اسمه معمر القذافي 

عندما كنت طالباً في المعهد العالي للعلوم السياسية – دمشق- ربيع عام 1984 حدثت مشادة بيني وبين مدرسي الأستاذ والمفكر الكبير جورج صدقني – رحمه الله عندما كان أثناء محاضراته ذات الطابع السياسي والتاريخي يحب دائماً ان يعلّق على تجربة العقيد معمر القذافي بالسخرية بقوله: (ماعندو شيء). وفي إحدى المحاضرات وقفت مدافعاً عن القذافي واتهمت مدرسي ومعلمي وقتها انه يتحامل على العقيد بدوافع شخصية على اعتبار انه كان قد تردّد في ذلك الوقت ان الرئيس الراحل حافظ الأسد أرسله ذات مرة مبعوثاً خاصاً يحمل رسالة منه للعقيد القذافي فرفض استقباله لان اسمه جورج كونه مسيحي بسبب جهله وقصر نظره وعدم معرفته بطبيعة المجتمع السوري وعلاقة مسيحي الشرق بهويتهم وحقيقة انتمائهم للامة العربية ودورهم في يقظتها وحفظ لغتها وتراثها ومشاركتهم في انبعاثها القومي.. وتأتي الأيام يا أستاذي الراحل ويا معلمي لتثبت الوقائع والاحداث صحة ما كنت تقوله وتحاضر فيه اذا اتضح لي وبعد مرور 42 سنة من تجربة القذافي في قيادة لبيبا أنه كان يبني ليبيا على الكذب والنفاق والخداع والتضليل وغياب المؤسسات واتباع سياسات التجهيل والتفرقة والاقصاء وتعزيز العشائرية بدل محاربتها لبقائه في السلطة أطول مدة ممكنة مع ادعائه المغرور والكاذب انه قائد ثوري وزعيم ورمز وانه ليس رئيس جمهورية ليستقيل وهو يبحث عن المجد والتاريخ والكرامة وليس الدولار الأميركي الذي يمتلك منه الكثير الكثير...! وان لجانه الشعبية هي الشرعية والدولة والمؤسسات والقانون. ولقد كشف القذافي عن نفسه في الايام الأخيرة من خلال تهديداته للشعب الليبي بالقتل والضرب والإعدام عما يحمله من حقد وكراهية وتخلف وجور وجنون وذلك عندما يتعلق الأمر بمصالحه الخاصة ومصالح بقائه في السلطة ولو أدى هذا الأمر الى ذبح نصف الشعب الليبي والشعب العربي برمته فهو اول الرؤساء العرب الذي نادى ببقاء الرئيس زين العابدين بن على رئيساً لتونس وهو اول من اتصل بالرئيس حسني مبارح يحرضه على البقاء وعدم ترك البلاد للفوضى واتصل ايضا بالرئيس اليمني علي عبدالله صالح قبل ان تنتقل عدوى الاحتجاجات الى بلاده فكيف لنا ان نصدق هذا المهرج الطاغية فيما يقول بأنه ليس رئيساً ولا يملك سلطة بينما يهدد الناس في قتلهم (شارع شارع, وزنقة زنقة وبيت بيت) وكتائبه الأمنية تضرب المدن الليبية وتحاصرها وتقطع المياه في مصراتة - اجدبيا -الزواية -البريقة – الزنتان – وغيرها من المدن الليبية..! وكيف لنا ان نصدق انه يحارب تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي وفي نفس الوقت يحارب الصليبيين شريكهم وزلمتهم طوال عقود وهو يحمي اوروبا من هجرة الأفارقة وفي نفس الوقت يستخدمهم كمرتزقة لحماية نظامه وقتل شعبه وكيف لنا ان نصدق القذافي يدعو الشعب الفلسطيني للتجمع على حدود فلسطين لتحريرها وعودة لاجئيها وفي نفس الوقت يقول ان الاحداث في ليبيا سوف تأثر على أمن إسرائل ويحاول خطب ودّها والاستعانة برأي خبرائها العسكريين للبقاء في السلطة ومحاربة الثوار وتصفية معارضيه قتلاً وتدميراً وتهجيراً وكيف لنا ان نصدق القذافي في انه يحارب النازية الجديدة وهو مثل هتلر متعطش لسفك دماء شعبه وتجويعه وحصاره وكيف لنا ان نصدق القذافي على انه يحارب الغرب وفي نفوس الوقت كان يقبل أيدي وأرجل زعماء الغرب للصفح عنه ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه بعد حادثة لوكربي التي كلفت الشعب الليبي ملايين الدولارات دفعها القذافي كتعويض لأسر الضحايا (ان لم يكن مذنباً ما الذي يلزمه على فعل ذلك).

القذافي.. هذه الشخصية الهزلية الغريبة الأطوار المصابة بجنون العظمة والتهور... أنفق وبذّر ثروة الشعب الليبي عبر عقود من الزمن ليس في سبيل بناء مجتمع عصري تقدمي وتعزيز التنمية الاقتصادية في بلاده والاستثمارات المحلية بل اعتمد على الاستثمارات الخارجية لإبعاد أبناء ليبيا عن وطنهم وحقوقهم القذافي.. أنفق مليارات الدولارات في شراء الأسلحة التي علاها الصدأ وانتهت صلاحيتها والاخطر انه كان لديه برنامج نووي وكميائي ولماذا لا نعرف الذي نعرفه ان ليبيا ليست دولة مواجهة ولا تواجه أخطاراً خارجية, ونعرف ايضا انه تدخل في نزاعات وصراعات خارجية حول العالم ليس لليبيا فيها ناقة او جمل. فقد تدخّل في لبنان – الصومال- والسودان (الجنوب- ودارفور) تدخل في رواندا وتشاد والقرن الافريقي كله ودعم جبهة البولساريو ضد المغرب.. تدخل في اسبانيا لدعم حركة ايتا الانفصالية ضد حكومة اسبانيا المركزية، دعم الجيش الجمهوري الانفصالي في ايرلاندا الشمالية ضد بريطانيا، تدخل في امريكا اللاتينية ودعم دانييل اوتيغا في نيكاراغو. كل هذه التدخلات كانت تكلف القذافي مالاً كثيراً ينفق من ثروة الشعب الليبي ونفطه وغازه... واليوم يفرض على ليبيا حرباً داخلية وخطر التقسيم وخطر الضربات العسكرية والتدخل الخارجي في شؤونها... ومع هبوب موجة التغيرات ونجاح ثورات الشباب في تونس ومصر وانتقال عدواها الى ليبيا للمطالبة برحيله وإنهاء حكمه بعد 42 عاماً من الاستبداد والقهر والنفاق السياسي والإعلامي ومن أجل بقائه في السلطة لن يتورع القذافي عن ذبح شعبه وسحق معارضيه بقوة السلاح واستخدام الطائرات وراجمات الصواريج والمدفعية الثقيلة امام هذه اللوحة البانورامية لحرب القذافي المجنونة ضد شعبه ومعارضيه.. كان لابد للعالم ان يتحرك عن طريق مجلس الامن الدولي الذي اصدر القرار 1973 لاقامة منطقة حظر جوي فوق الاراضي الليبية لحماية المدنيين والمعارضة والثوار بموافقة مجلس جامعة الدول العربية علما ان التدخل الغربي لم يكن برئياً لان له أسبابه ودوافعه ومصالحه ومبراراته وخاصة النفطية والأمنية منها وبشكل خاص الا يتحول حوض البحر الابيض المتوسط الى منطقة عدم استقرار يسيطر عليها القذافي وكتائبه ومرتزقته اضافة الى ان الغرب أدرك بعد مرور عقود طويلة من الزمن باعتماده على نظم استبداية في المنطقة العربية لتأمين مصالحه انه لم يعد ممكناً في ظل التغيرات العميقة التي أحدثتها ثورات الشباب في بنية المجتمع العربي وثقافته من الاستمرار في اتباع الطرق التقليدية القديمة بالاعتماد على فرد بدل شعب فكان عليه ان يحاكي الثورات العربية بفعل شيءٍ ما قبل فوات الأوان فكان تدخّل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة عسكريا لحماية الشعب الليبي بغطاء عربي خجول من طاغية ومجنون اسمه القذافي.. والسؤال المطروح الآن على كل المحللين السياسيين هو: ما مصير القذافي ونظامه بعد بدء الضربات الجوية التي تلقاها وشلت منظومة دفاعه الجوي..؟؟؟ في جوابنا على هذا السؤال كل المؤشرات تقول ان الغرب سوف يستمر في عملياته الحربية حتى سقوط القذافي وقد تستغرق العملية بضعة أسابيع وهي تحمل رسالة واضحة لكل الحكام المستبدين بان هناك خطوطاً حمراء لم يعد مقبولاً تجاوزها والسكوت عليها وخاصة لجهة قمع مظاهرات الشباب باالقوة المفرطة وان التدخل الغربي سوف يوفر غطاءً جويا مناسبا للثوار فضلا عن دعمهم معنويا مقابل إضعاف الروح المعنوية لنظام القذافي ومؤيديه وتزويدهم بالسلاح المطلوب لاحقا للوصول الى طرابلس والقضاء على القذافي وكتائبه عسكرياً. وأعتقد جازماً ان القذافي لم يعد قادراً على النهوض مرة ثانية بالرغم من كل محاولاته تحت الطاولة للتوسط واستشارة الأصدقاء والحلفاء في الشرق الاوسط وافريقيا واميركا اللاتينية ومحاولاته فتح قنوات اتصال مع واشنطن لبحث الأزمة الحالية لان الوقت قد سبقه كون الغرب قرر التخلص منه وان كان متاخراً وبشكل خاص بعد ان كشف عن وجهه الحقيقي القبيح باستخدام القوة والقتل وتهديده الغرب بتصدير الارهاب والمهاجرين الأفارقة الى اوروبا... ان الرئيس الفرنسي نقولاس ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مصممان على انهاء حكم القذافي رغم عدم اعلان ذلك صراحة لأسباب انتخابية تتعلق بتحسين صورتيهما داخليا في بلديهما وسوف يكرسان كل الأسباب لنجاح عملية (فجر اوديسا) وتصريحات القذافي اليوم اشبه ما تكون بتصريحات صدام حسين ووزير إعلامه سعيد الصحاف عن المقاومة وردّ المعتدي قبل دخول القوات الامريكية بغداد عام 2003 لاننا نقولها صراحة نظام القذافي فقد شرعيته الثورية والاخلاقية والشعبية ولن يكون قادراً على مواجهة ثورة داخلية وحظراً جوياً واقتصادياً ومالياً تنفذه الامم المتحدة وتحالف اكبر ثلاث دول في العالم فرنسا – بريطانيا - الولايات المتحدة الامريكية- ومشاركة طائرات حربية وبوارج وغواصة أو أكثر واستخدام صواريخ عابرة توما هوك ودخول حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول شواطئ ليبيا واحتمال دخول حلف الناتو على الخط لقيادة العمليات المشتركة وقول الرئيس الامريكي يوم الاثنين الماضي من تشيلي على القذافي ان يرحل.. رسائل ومؤشرات تقول ان العالم لن يسكت على مذابح يرتكبها طغاة في ليبيا واليمن وليتّعظ من يتّعظ مسرحيات القذافي الهزلية والعبثية لم تعد تنطلي على أحد وما عليه الا الرحيل... لقد أدرك الغرب بعد حين ان ما يحث في العالم العربي ليس هبّة شعبية عابرة بل هو تغيير عميق في ربيع الشعوب العربية وثقافتها وتوقها للحرية والتغيير..

*

اعداد وتقديم عدنان نقول

اعلامي ومحلل سياسي

الارجنتين الموافق 23 - 3 - 11