2011 عام الغضب العربي وثورات الشباب
مع البدايات الاولى لعام 2011 ظهر لدى الشارع العربي من المحيط الأطلسي غرباً الى الخليج العربي شرقاً ما يعرف بـ"عام الغضب العربي" او كما تسميه بعض وسائل الإعلام عام الصحوة الكبرى من خلال ثورات الشباب التي بدأها شباب تونس وأدت الى سقوط نظام زين العابدين بن علي بعد 23 عاماً من الاستبداد والتفرد بالسلطة وتبعتها ثورة شباب مصر والتي ادت الى سقوط حسني مبارك بعد 32 عاماً من الظلم والجور والفقر والفساد وسرقة الأموال العامة، إذ تقدر ثروة مبارك ما بين 40 و 70 مليار دولار, وغياب حرية الرأي والتعبير وبناء دولة البوليس السري واتّباع سياسات التبعية والإذلال القومي واخراج مصر من ساحة المواجهة مع العدو الصهيوني بشكل مخطط متعمّد ومدروس (كامب ديفيد) وما نتج عنه من قيود ومعاهدات... وتبعتها على الفور ثورة شباب ليبيا الثأئر على نظام العقيد معمر القذافي الذي مثّل عبر أربعة عقود تمسّكه بالسلطة الفردية المطلقة وتغييب دور المؤسسات الأهلية والبرلمانية وتبذير ثروة الشعب الليبي في مغامرات خارجية وتدخله المباشر في اكثر من نزاع دولي دون مبرر منطقي ومعروف, فهو يسمي نفسه ملك ملوك افريقيا وتقدر استثمارات ليبيا في الخارج بحوالي 100 مليار دولار امريكي الآن هذا النظام يتفسّخ يترنّح ويحتضر بعد استعماله القوة المفرطة والتهديد بسحق مظاهرات الشباب المطالبة برحيله وبحقوق الشعب الليبي وحريته وكرامته وتهديد المتظاهرين بالإعدام على أعواد المشانق بعد خطاب هستيري خيّر فيه الشعب الليبي اما في البقاء او الحرب الأهلية والتقسيم على اعتبار انه الزعيم الأزلي الذي حلّ محلّ الشعب والدولة والمؤسسات والدستور ويحكم بإرادة وإلهام من الله واتهام شباب ليبيا بأنهم جرذان مرتبطين مع الخارج معزوفة استعملها قبله مبارك وبن علي دون جدوى وساعة رحيله تقترب...
تحركات شعبية في البحرين مطالبة الملك حمد بن عيسى آل خليفة بالإصلاح السياسي والدستوري وإعطاء مزيدٍ من الحريات والديمقراطية للشعب والمؤسسات الدستورية وما تبع ذلك من أحداث دامية في ساحة اللؤلؤة من خلال استعمال جيش البحرين القوة المفرطة لإسكات صوت الشباب بقوة السلاح وايضاً دون جدوى حيث المعارضة لا تزال متمسكة في مطالبها بإسقاط الحكومة وتطبيق الإصلاحات الديمقراطية والدستورية...
وفي اليمن مظاهرات الشباب تجتاح المدن الكبرى من الجنوب وحتى الشمال ضد نظام علي عبدالله صالح للمطالبة بالتنحّي والرحيل بعد 32 عام من التذبذب بين مصالح الشعب, ومصالح النظام, والمصالح الأميركية التي أصبحت تحرك نظامه اكثر مما تحركه مصالح الشعب والأمة..
وفي المغرب تظاهرات واحتجاجات تطال حكومة ملِكها محمد السادس تطالب بملكية دستورية وتغيير الحكومة وإفساح المجال امام التعددية الحزبية وبناء ديمقراطية حقيقية على خلفية تفشّي الفساد والفقر والبطالة...
وفي الجزائر عبدالعزيز بوتفليقة يلغي حالة الطورئ ويستعد لإجراء إصلاحات كبيرة على صعيد المشاركة السياسية لجميع القوى والاحزب المعارضة والاسلامية منها تحديداً التي فازت من خلال صناديق الاقتراع قبل عشر سنوات وجرى التضييق عليها ومنعها وملاحقتها وتغييبها...
وفي الأردن ترغم المظاهرات الشعبية الملك عبدالله الثاني على استبدال حكومة الرفاعي بحكومة جديدة لا تمثل الشارع بقيادة البخيت ويعد بإجراء إصلاحات شاملة تتيح لكافة فئات الشعب المشاركة السياسية وتمهد الطريق خلال ثلاث سنوات لملكية دستورية وهناك علامات استفهام كبيرة على حياة البذخ التي تعيشها الملكة رانيا والشعب الأردني يجوع من غلاء الأسعار وتغشي الفساد....
تحركات شعبية في الضفة الغربية وغزة لدعم ثورات الشباب العربي وان لم تطالب برحيل محمود عباس لكنها تحمل في طياتها ومضامينها رسائل غير مباشرة للانتفاض على اتفاق اوسلو ومن اشرف عليه وهندسه ورعاه...
والمملكة العربية السعودية تفضل الصمت بعد خيبات أملها بدعم نظام مبارك وبن علي وتعلمت الدرس في عدم إصدار بيانات الدعم والتأييد للرؤساء الواقفين على الدور للرحيل وهي تحسب ألف حساب لتحركات شعبية على نفس الشاكلة للمطالبة بملكية دستورية تبعد الأسرة المالكة عن الإمساك بمقدرات الشعب وثرواته النفطية.. ولقد استغل الملك عبدالله عودته إلى المملكة بعد غياب استمر 3 شهور لأسباب مرضية أصدر مع عودته ووصوله للبلاد سالماً جملة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والمالية وصفت بالمهمة الا انها لم ترق الى مستوى الإصلاحات السياسية المطلوبة.... وفي سورية اتخذت خطوات عاجلة للدعم الاقتصادي والمالي لذوي الدخل المحدود ومساعدة الفقراء من خلال صندوق الدعم الاجتماعي الا ان مواقفها الوطنية والقومية المشرفة ودعم المقاومة في لبنان وغزة والعراق يحميها ويحمي نظامها..
في الكويت صرفت المكافأة الأميرية التي شملت جميع ابناء الكويت دون رعاياها الاجانب..
في لبنان سقطت حكومة سعد الحريري بعد قبولها الإملاءات الأميركية بشأن المحكمة الدولية الخاصة باالتحقيق الدولي بحادث اغتيال رئيس وزراءه السابق رفيق الحريري على خلفيات القرار الظني لاتهام المقاومة اللبنانية وتجريمها وتجريدها من سلاحها...
في السودان انفصل الجنوب عن الدولة المركزية وولدت دولة جديدة في خاصرته مدعومة من الغرب وإسرائيل ونظام عمر البشير على صعيد الحريات العامة وحقوق الانسان ليس أفضل حالاً من نظامي مبارك وبن علي.. ولا زال يواجه مشاكل في اقليم درافور...
وفي العراق مظاهرات تطالب بتحسين الخدمات ورفع الاجور مقابل المنطقة الخضراء ومناطق الشمال والسليمانية ورئيس الوزراء نورالمالكي يعلن عن عدم ترشحه لمنصب رئاسة الحكومة مرة ثانية والتفجيرات والأعمال الإرهابية تحصد يومياً مئات القتلى من ابناء الشعب العراقي في ظلّ ديمقراطية كاذية جاءت برجالها على ظهر دبابات الاحتلال الامريكي..
هذا هو المشهد العربي مع البدايات الاولى لعام2011.....
في الواقع قبل شهرين من بدء العام الجديد بدأ العالم العربي في سكون مطبق وكأنه قَدَرُ 350 مليون عربي ان يعيشوا الى الأبد في ظل أنظمة فردية استبدادية سحقت المعارضة وغيبة الشارع العربي ونهبت ثروات بلادها دون اي رادع من ضمير او أخلاق وضمنت دعم الغرب لها من خلال اللعب على حبل التطرّف الإسلامي وأكذوبة الاستقرار الداخلي وحاجة الغرب لهذا الاستقرار لتأمين مصالحه وبشكل خاص ضمان تدفق النفط والطاقة اليه بأسعار رخيصة..
ان المتابع لتحركات الشارع العربي وثورات الشباب في اكثر من مكان في الوطن العربي يرى ان العامل المحرك لهذه الثورات هو عنصر الشباب الخلاق الواعي المبدع المثقف الذي يتحكم في أدواته ووسائله بواسطة الانترنيت ووسائل الاعلام والاتصال الجماهري ويرفض الضيم, والاستبداد, والاستعباد, بعد الآن من اية سلطة مهما كانت حزبية, نقابية, أميرية, ملكية, أسرية, طائفية, عشائرية, دينية... ويطالب بحريته وكرامته وتأمين مستقبله ومستقبل بلاده وشعبه من خلال المشاركة في صناعة القرار وعادلة توزيع الثروة بين أبناء الشعب الواحد والتي هي كثيرة وفائضة في الوطن العربي اذا ما أحسن استغلالها بشكلها الصحيح مع إدارة رقابية صارمة عليها وإمكانية خلق فرص عمل جديدة من خلال التنمية الحقيقية والاستثمار الأمثل للثروات العربية النفطية, ومحاربة الفساد الذي بدأ يستشري في جسد الامة العربية مثل النار بالهشيم... ان المتابع والمحلل السياسي لما يجري اليوم على الارض العربية يرى ان هذه الثورات ليست ذات طابع ايديولوجي او خلفها أحزاب سياسية او قوى تحركها من الخارج.. وانما حركات شعبية وتحركات جماهيرية سلمية استفادت من وسائل الاتصال الحديثة وشبكة الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعيي مثل فاسبوك وتويتر التي ساهمت في خلق بيئة وتوجهات شبابة ذات طابع جماعي مشترك لدى الشباب العربي واتفقت بالمبادئ والقناعات والهموم وحللت المشاكل والازمات العربية المستعصية ووضعت لها الحلول وتحررت من الخوف والقنوط وواجهت بصدورها العارية إرهاب الشرطة والبوليس والبلطجية تحت سمع وبصر العالم من خلال كاميرات التصوير والهاتف الجوال والنقل الحي المباشر للفضائيات العربية والاجنبية الذي أمّن لهذه الثورات شرعية محلية ودولية وتضامن دولي كبير في مختلف عواصم العالم بقاراته الخمس وتبين بوضوح للحاكم والمراقب والمواطن العادي ان أصوات وصرخات الشعب بـ(ارحل) هي أقوى من كل وسائل القمع الدموية وإرهاب الدولة المنظم وبلطجية اي نظام.. وبشكل خاص عندما تكون صرخات وأصوات الشعب عادلة ومشروعة لجهة المطالبة بالحقوق السياسية والمدنية والانتخابات الرئاسية والبرلمانية الحرة, وتداول السلطة, والمشاركة الشعبية في صنع القرار, ومحاربة الفساد والبيراقراطية وتعزير الرقابة الشعبية على الادارة الحكومية... ومن الاهمية بمكان ان نشير في هذا الصدد الى أهمية الشعور الوطني والقومي في إلهام حسّ الجماهير الذي ساهم في تعزيز وارتقاء هذا الحس الى مراتب وطموحات الشعب العربي بالوحدة العربية وعودة صعود فكرة القومية العربية من جديد الى واجهة الأحداث العالمية على انها حركة شعب مضطهد يريد التحرر والاستقلال والوحدة والحرية والتنمية على أساس وحدة الهدف والمصير والغاية تحت لواء حركات التغيير والاصلاح والعدالة الاجتماعية وترديد شعارت كان نسيها الشارع العربي من زمان مثل (شهداء بالملايين) في ساحة التحرير بمصر و(جايينك يافلسطين) في شوارع تونس وانفضاح أمر بعض النظم العربية من خلال تسريبات وثائق ويكيليكس ووثائق المفاوض الفلسطيني التابعة لسلطة رام الله في التنازل عن ارضه وحق العودة وتقرير المصير التي نشرتها قناة الجزيرة.. والاحتلال الاميركي للعراق وما خلفه من نتائج كارثية على وحدة الصف العربي بين مؤيد ومعارض.. والتغطية العربية السياسية والاعلامية للحرب الاسرائيلية ضد المقاومة اللبنانية عام 2006 وعلى قطاع غزة مطلع عام 2008 والانحياز الاميركي والغربي الأعمى لإسرائيل في عدم الضغط عليها لجهة قبول عملية السلام التي انطلقت من مدريد على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام وسياسة الاستيطان وتهويد القدس التي تنفذها يومياً حكومة نتيناهو دون وجود رد وردع عربي مناسب.. وانكشاف لعبة محاربة الإرهاب أمام الرأي العام العربي.. وما رافق ذلك من شرزمة للمواقف العربية وتقسيمها الى دول معتدلة ودول متطرفة واستبدال الخطر الصهويني بالخطر الايراني والعزف على وتر التقسيمات الطائفية بين الشيعة والسنة.. ومحاولات اخلاء المنطقة العربية من سكانها المسيحيين عن طريق التهجير القسري وأعمال العنف ضدهم بتآمر داخلي وخارجي, كل هذا العوامل مجتمعة ولّدت حالة من الإحباط واليأس والخوف من المجهول والمستقبل لدى المواطن العربي.
وباختصار شديد يمكن لنا تحديد أسباب الثورات العربية التي ميزت مطلع عام 2011 بثلاثة عوامل رئيسية وهي التالية:
أولاً- الأوضاع العربية الداخلية وسوء الإدارة والتخلف والفساد والبطالة والقهر والاستبداد وسوء توزيع الثروة وغياب الديمقراطية وتقدم القيادات العربية في السن التي لم تترك دوراً للشباب في بناء أوطانها على أسس حضارية إنسانية معاصرة.
ثانياً- عوامل الإحباط القومي وما أصاب الأمة من وهن وضعف وتجزئة وتغليب المصلحة القطرية على مصلحة الامة العربية العليا في أمنها واستقرارها العسكري والمائي والغذائي والاجتماعي, وتقديم التنازلات المجانية للولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل والغرب عموماً على حساب الحقوق العربية من أجل البقاء في السلطة لأطول مدة ممكنة والسعي لتوريثها للأبناء والأحفاد على حساب الحق والكرامة وتقرير المصير وتحرير فلسطين وبناء مجتمع عرب تقدمي معاصر تراعى فيه مبادى الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير وحقوق الانسان.
ثالثاً- تطور وسائل الاتصال وثورة المعلومات التي وفرت للشباب العربي فرصة الاطلاع على ثقافات أخرى وتبادل للمعلومات والحوار واللقاء والتفاهم بواسطة المواقع الاجتماعية للشبكة العنكبوتية حيث تجمعهم آمال وثقافة ولغة واحدة مشتركة... بعد سقوط بن علي في تونس ومبارك في مصر وأيام ويسقط القذافي في ليبيا.. الزلازل العربي الهادر البركان العربي الثائر لثورات الشباب لن يتوقف عند حدود بلد عربي بعينه التغيير قادم وسوف يطال كل الأنظمة العربية وان لم يكن على شكل إسقاط النظم الحاكمة برمته.. ولكن على الأقل إسقاط مفاهيم وقيم سلطوية ظلت سائدة لعقود طويلة من الزمن إسقاط آليّات وهياكل سياسة وبنى اقتصادية قديمة لم تعد صالحة للمستقبل.. أرض العروبة التي قدمت للعالم والحضارة الانسانية مبادئ العلم والتطور الثقافي والحضاري والانساني لاتزال في العصر الحديث قادرة على إعطاء العالم الجديد تجارب ناجحة في بناء الوطن والتحرر من التبعية والاستعمار.. ثورات شباب الأمة العربية حاضرة اليوم في وجدان وضمير أحرار العالم كله.. الغرب يرتجف مما يحدث.. إسرائيل تصرخ خوفاً على وجودها ومستقبلها في المنطقة. نظام عالمي جديد بدأ يولد ويتشكل من مخاض ثورات الشباب العربي.. لا يمكن التنبؤ بشكله ومضمونه الا انه من المفترض ان يكون أكثر عدلاً.. ورأفة.. وموضوعية.
اعداد وتقديم – عدنان نقول - اعلامي ومحلل سياسي
الارجنتين – الموافق- 24 – 2 - 2011
تعليقات القرّاء
thanks very much