مدينة الأوجاع
كان خبر حكمة فوّاز قد عمّ أرجاء المدن قبل أن تطأها قدماه. ولمّا كان فوّاز يحبّ السفر والترحال لملاقاة الناس فقد أخذته محبّته إلى إحدى المدن التي كانت تسمّى مدينة الحكمة حيث كان الناس يلتقون كلّ مساء مع أحد حكماء المدينة استزاداً لحكمتهم.
وعندما أرخى المساء سدوله اجتمع الناس في الساحة التي أعدّ فيها من قبل منبر للخطباء.. فاعتلى أحدهم المنبر وبدأ بالحديث قائلاً:
"إنّ مدينتنا تسمّى مدينة الحكمة وقد عرف عن فوّاز بأنه يملك خيرة الكلمات وفيه من الحكمة ما يستحق أن يعيش بيننا فلم لم يسكن في مدينتنا حتى الآن؟
حقّ على فواز إن كان حكيماً أن تجتمع فضائله مع فضائلنا لنزرع بذور جديدة للحكمة تثمر أمام قلوب أولادنا."
تقدّم فوّاز أمام المنبر بخطوات واثقة وعلى وجهه ترتسم علامات الغضب وقال:
"سوف أطلق على مدينتكم بعد الآن اسم مدينة الأموات..."
فقاطعه فجأة احد الحكماء وسأله غاضباً:
"وهل من الحكمة أن تصف من يسكن بيننا بالأموات أيها الرجل؟ وإن كان كذلك فلماذا إذن أتيت إلينا لتزور مقابرنا..؟"
يجيب فوّاز:
"ماذا تستحق هذه المدينة لتوصف إن لم يخرج عطر الحكمة خارج أسوارها منذ عشرات السنين؟
إن كان هناك رغبة وشوق للطيور أن تهاجر محلّقة في فضائنا إلى سماء مدينتكم فأين رغبة الحكمة التي تملكون من رغبة تلك الطيور؟ ...
وهل الحكمة قد حدّثت ذاتها يوماً وقالت: أنا لا استطيع الطيران..
أو أنّها خائفة من طرح قذاراتها أمام المتشوقين لقطاف بعض من ثمارها؟"
يردّ أحدهم:
"لقد كانت الحكمة مسافرة فيما مضى ولكنها حطّت في مدينتا ورأت ان استمرار عطرها لا يمكن أن يتمّ بدون أن تحطّ في حدائقنا وبين شوارعنا وفي ساحاتنا.. فتبني لها قصراً جميلاً يعمل على استقطاب الناس من كل حدب وصوب..
أنت أيها الرجل لماذا أتيت إلينا إذاً؟ ألم تسمع بحكمة مدينتنا فجئت مسرعاً لاشتمام عطرها؟.."
يردّ فوّاز:
"لقد شممت أعفن العطور وأقذر الكلمات من هذه الحكمة فجذبني ذلك الشيء إلى هذه المدينة..
إنكم لمثل أولئك الناس الذين باعوا أنفسهم وفن الحياة لقاء حفنة من كلمات أوعطر لا يلبث أن يتلاشى بعد اصطدامه بشوق الناس للمعرفة..
إن للحكمة التي تصفون أوجاعا وأمراضاً وأنا هو الطبيب الذي يداوي أوجاعها..
فما فائدة الطبيب الصالح إن لم يزره أحد المرضى؟ أفلا يفتش عنهم أو يترك حكمته تموت بين أبوابه ويحفر قبراً لها بيديه؟ أو أنه يجب عليه السفر إلى من تخجل نفسه من طرح الأوجاع أو يتستر عليها؟..
أنا أحب هكذا مرضى والحكمة التي ترتدون وتنهلون هي المريض الذي أحب معالجته ومداواة أوجاعه.. وها قد أتيت إليكم وأنا بينكم الآن فادلوا دلوكم بما تحملون من حكمة وأوجاع.. فأنا أحمل حقائب للأوجاع وحقائب للحكمة وسأقدّم لكم ما طاب لي من الإثنين معاً.
إن الحكمة لا ترتضي إلاّ أوجاعها المقدسة وهي لا تحتاج تلك التي تصدر أنين الأموات والزائلين.
إن وجع حقائبي هي حكمتكم الجديدة...
جاءت القداسة يوماً إلى الحكمة متسائلة عما يفرّق بينهما ولماذا أصبح قلة من الحكماء ينتصرون على عديد القديسين
ردّت الحكمة قائلة:
إن القداسة التي تحملون لها أقدام تجرّها إلى هاوية الكفر وإنتاج عقول لا تفكّر إلاّ بالخلاص من هذه الدنيا ولاتبالون بأوجاعكم بل إنكم تحتقرونها. وبذلك تحصلون على فضائلكم؛ أمّا الحكمة فهي من صنعت قداسة للأوجاع وهي من صنعت حكمة البشر وما القداسة إلا لقمة سائغة في فم الأوجاع تلتهمها لدى أول بزوغ لبدايات ثمار الحكمة.
أرجوكم أفرغوا حقائبي الآن واحملوها معكم في نومكم وأحلامكم وفي أوقات فرحكم فإن امتزاج الحكمة بالأوجاع هي من تولد القداسة الكلية التي يستحق وجودها ظهور يوم الحقيقية الخالدة إلى الإنسان الخالد الذي يحمل القوة الكاملة وأوجاعها ومن لديه قوة لا بدّ وأن تكون له أوجاع..
من لديه قدرة على الكفاح وقوة على الإقناع ورغبة تعتصر في داخله من أجل تغيير الكون لا بدّ وأن يكون لديه أوجاع تستحق مصدرها وتخلق القوة التي تلفّ خلوده.. فلا تتركوا أوجاعكم جانباً بل أقيموا لها الصلاة فهي من تستحق التقديس والعبادة.."
ثم ترك فوّاز المنبر واثقاً ووصله خبر تلك المدينة بعد عشرة أيام أنها قد غيّرت اسمها وحوّلته من مدينة الحكمة إلى مدينة الأوجاع.