أجدادي المخرِّبون
يا أيّها الناس إنكم تذكرون الأقدمين على أنهم خير الأسلاف لكم فما الذي أعددتموه من أجل أولادكم؟..
لقد كنتم تعتبرون أنّ الصلاح كان مع الأقدمين وبنوا جسوراً لنا حاولت نقلنا من ضفة الظلمة إلى الضفة المقابلة وقد أسميتموها الحضارة الجديدة.. فماذا أنتم فاعلون بالجسور بعد الآن وهل أوصلتكم إلى حضارتكم؟..
وماهو الجسر الجديد الذي ستبنونه لأولادكم إن كنتم تملكون حديده، هذا إن كنتم تعرفون أين ستقام الجسور؟؟
كان رجل يسيرعلى جسركم فيما مضى هزّته ريح خفيفة عندما كان في وسط الجسر فقال في نفسه:
"ربّاه لقد قضى أجدادي آلاف السنين في تشييد هذا الجسر وهذي الريح المسافرة قد هزت جذوره...آه من الأباء.. آه من الأجداد أين أنتم الآن؟؟"
وراح الرجل يتأمل في ما مضى من سنوات حياته وما سيأتي..
وقال: "كيف نصل إلى الضفة المقابلة وقد وهبتمونا خوفكم؟ يستحيل الوصول إلى الحقيقة التالية..
ها هو جسركم، وها هي حضارتكم تتداعى للسقوط لدى مرور أحد طلاّب الحقيقة.
ألا تخجلون من أحقادي؟ إنني الآن عاتب عليكم والحقد قد رافقني منذ اعتلائي لجسركم فالتف على قلبي حتى خنق عتبي عليكم وحوله إلى كره واشمئزاز ممّا صنعت أيديكم.
يا أيّها الكذابون والخونة، لقد صنعتم لنا مستقبلاً واهماً تهزّه أيادٍ لا يمكن رؤيتها، ويعلّمنا اهتزاز جسركم الهشّ رقص التائهين لا رقص المبدعين.
جلس الرجل وسط الجسر متأملاً ومناجياً نفسه:
كلّ حياتنا سبقتها هياكل،
صبح ومساء بينهما وهم وجسور،
أولادكم أضحوا مهزلة الراقصين،
وباتوا استهزاءً رخيصاً للمبدعين،
يا آبائي ويا أجدادي ألم تسمعوا من قبل،
إن في الإيمان شكّ وفي الحقيقة شكّ،
لماذا لم تشعروا أن في بناء الجسور أيضاً شكّ،
أين كان الشك عندما أقحمتم أولادكم في المجهول؟
صار الولد أسير أباه،
والجندي أسير قائده،
والمبدعون يسيرون على جسركم القديم
يصارعون الرياح كما يصارعون فكركم القديم.
ألم تسأل أياديكم ماذا سيحل بأولادكم؟
وماذا يفيد السؤال الآن بعد أن نصبتم أفخاخكم؟
أليسوا أولاداً لكم؟ أليسوا مستقبلاً لكم؟
فكيف ترسلون المستقبل إلى حيث لا تدرون
اتركوا لأولادكم حق المصير
واتركوا لهم حق تفتيت ضمائركم
وسحق العقول التي أنجبت هكذا تحرير
في الماضي كانت الحرية كلمة
وبعدها صارت ثلاث كلمات
ومازلتم حتى الآن تحاولون تحفظينا الكلمات
فإن كنتم حافظة للكلمات فلماذا تجرأتم
على بناء جسور قلتم إنها من حديد
أخبرت الطيور أولادكم بعدها
أنها جسور من كلمات؟؟؟!!!
نهض الرجل وتحدّى خوفه من الرياح واهتزاز الجسر الذي يعبره وتابع مسيره:
"أنا صانع الجسور أيها الأبناء
انظروا أمامكم إن الضفة المقابلة ليست بعيدة
والإيمان بالوصول حق مشروع
أنا سأعد لكم جسراً جديداً ولكن انتظروني
فأمامي مهمة إسقاط جسورهم القديمة
فلا تحزنوا من الآن يا إخوتي
على من كان مستوجب السقوط في الوادي
إنه غير مستحق الوصول!!!
وإن وصلتم إلى وسط الجسر فاعلموني
إن كانت هناك رياح تعصف بالجسور
أو أنها هدأت قبل أن تطأها أقدامكم الجبارة
وتجبروا الرياح على الانسحاب
لأن المتشوقين للوصول هم أولادي
والتائهين هم أولادهم
والملائكة قد زارت أحلامي فرحة
تخبرني أن الرياح هي صنيعة أجدادي
وهي الآن تخاف الظهور أمام أولادي
انتظروا... انتظروا
انتظروا عبور أولادي...!!!
ثم كتب الرجل وصيته على الجسر يقول فيها:
أوصيكم أيها الأبناء أن تهدموا جسري الذي أعددته فيما مضى وليس هناك من داع للحزن على أبيكم فإنه مستحق السقوط في الوادي لأنه شرف للإنسان السقوط من على هذا الجسر لأنه يعد حينها طيراناً لا سقوطاً..
marcoskassam@hotmail.com