طفل حالم
كان فواز مدعواًإلى حفلة موسيقية راقصة... ذهب في عجلة من أمره فهو أبداً لا يتردد في الاستماع للموسيقى أو الرقص على أنغامها علها تنتج شعوراً جديداً له وسلاماً جديداً وربما قصة جديدة.. جلس فواز في أول الصفوف والناس ترقص أمامه وهو يتجول بين العيون والأجساد تارة كاللص وتارة كالأسد ولكنه في هذه المرة استعان بعيون النسور!!
لاحظ أن هناك طفلا يتحرك وحده بين الراقصين، يرفع يده اليمنى باتجاهه كأنه يصوب مسدسه نحوه ثم استعان باليد اليسرى ولفها بحنان على اليد اليمنى، معلنا أنه لا يريد إخافة فواز بل هو يريد السلام وربما أنه لم يستطع أن يتعلم من الرقص إلا هذه الحركات، ثم نظرإلى السماء نظرة الحالم والمتشوق والشاكي إلى الله!!
أعجب فواز بمنظر ذلك الطفل وحركاته ودقق في تفاصيل المشهد أكثر فلم يفهم مامعنى أن ينظرإلى السماء ويداه تعانقان بعضهما كما لو أنه يعانق محبوبته، عيونه أوحت له بأنه يريد الطيران إلى عند الله، ثم أوحت له بأنه يريد أن يرقص وفواز يفكر بأنه ماذا يمنع عينان زرقاوان من أن يعانقا السماء؟ وماذا يمنع اليدين من أن ترفعإلى الفضاء والأرجل تتحرك كما ترقص الذئاب وتركض كما تركض الأسود!!!!
اقتربت منه أمه وطلبت أن يرقص معها....
فرح فواز لذلك ولكنه فوجئ بعد ذلك بأنه قد تم رفض طلبها ثم حدق فواز في عيني ذلك الطفل فأيقن فواز عندها بأنه رفض طلبها بخجل ثم بحزن ثم ببكاء فهو لا يريد سخرية الآخرين وكأنه يقول لها: أمي أنا لا أستطيع الرقص كما يفعل الآخرون ولا أستطيع الفرح كما يفرح الآخرون ولا حتى أستطيع البكاء فدموعي لا تشبه دموعهم كما أن عقلي لا يشبه عقولهم.
اقترب الطفل من فواز بخطوات واثقة كالأسد واصبح قلب فواز يرتجف ذهولاً ورعباً من طفل صغير قد شعر بأنه يملك جسارة الأسود وفواز مازال مذهولاً من رؤيته ومن تصرفاته ومن حركاته
انتهت الأغنية وساد صمت رهيب في القاعة فقال الطفل لفواز:
لقد انتهى حلمي الآن وما علي إلا أن أفتش عن حلم جديد عندما تبدأ أغنية جديدة ليرقص الأموات من حولي فأحلامي هي وليدة الموسيقى ورقص النساء، حلمي يبدأ عندها وينتهي عند صمت الموسيقى وانتهاء الإنشاد بعدها أستيقظ من حلمي وأعود كما كنت. أنا أخال نفسي دائما أني أحد هؤلاء الراقصين وأحد هؤلاء الفرحين فربما أستطيع الفرح معهم والغناء معهم...
أنا أعرف أنهم لا يرقصون من أجلي ولايغنون من أجلي ولكنهم لا يعرفون أن رقصهم وغنائهم يصنع حلمي ويفجر غرائزي وتفيض نفسي الخالدة ينبوعاً من الحياة ممزوجاً بالموت دائماً ولاتجري فيه إلا الأحزان وقد أسميت هذا الينبوع: أنا المنغولي.