تنويعاتٌ على الصُّورة
نحن في عصر الصورة. الصورة أفعل من الكلمة: لا جديد في هذا الكلام. صورة رجل ينازع جرّاء سرطان الرئة أفعل بكثير من عبارة "وزارة الصحة تحذّر من مضار التدخين"، (لهذا فرضت الحكومات على شركات التبغ طباعة صور مماثلة على علب السجائر في بعض البلدان). مشهد شاب "عجوز" في المرحلة النهائية من مرض السيدا، أفعل بكثير من مناشير تدعو الى استخدام الواقي الذكري. بديهي.
نعم، الصورة أفعل من الكلمة .. "عضلاتها" أقوى: برجا "مركز التجارة العالمي" ينهاران في نيويورك، طفل يموت جوعاً في أثيوبيا، التْسونامي تبتلع عائلة بكاملها في أندونيسيا، صدّام حسين مشنوقاً في بغداد، حشد 14 آذار 2005 في وسط بيروت: صورٌ جبّارة تأثيرها أقوى من ألف مانْشيت بالخط العريض.
نحن في عصر الصورة. الإعلام المرئي يعرف ذلك جيداً، ويستثمره.
نحن في عصر الصورة. شركات الإعلان تعرف ذلك جيداً، وتستثمره.
نحن في عصر الصورة. الأطراف السياسيون المتنازعون يعرفون ذلك جيداً، ويستثمرونه.
نحن في عصر الصورة، بل في عصر طغيان الصورة وهَيبتها المطلقة. هاكم اللافتات المحتشدة على اوتوستراداتنا، تتنافس ذكاء وخلقاً، وتبرهن أن عالم الإعلان لا يقلّ إبداعاً وغنىً عن أي مجال فني آخر. إنْ هي سوى شاهد حيّ على عبقرية الصورة.
* * *
الصورة أفعل من الكلمة، صحيح. لكن الصورة فقيرة، "معتّرة"، محدودة، ولا تحرّض على المزيد. تسجنك في زمنها وإطارها المحدّدين: زمن جامد. وإطارٌ مهما يكن واسعاً أو ضيِّقاً، يظل إطاراً. سجناً.
أين هي الصورة من الكلمة، مفتاح الخيال وسرّه؟
الخيال يطلق سراح الصورة الى ما لانهاية، ويجعلها تتوالد وتتناسخ من ذاتها. يفكّ لها ضفائرها ليترك شعرها حرّا في مهبّ التفسيرات. صور الخيال وعلاماته كيانات تسبق مفهوم التواصل، أو على الأصح تتجاوزه. تحتفي لا بتجسدات الواقع، إنما باحتمالاته، أي بجانبه الشِّعري الأبهى، المشرّع على كل الآفاق.
ماذا يحدث عندما يختار الخيال أن يلوذ بالمجهول، بهلوساته، بغيومه، بتأوهاته، كي يعثر على أفق لعيوننا؟ ماذا يحدث عندما يطلق الرأس سراحنا من أسر المشهد، فيجعلنا نستنجد بالحرية المقيمة في غواية الحلم، لتكون لنا كنزاً نستقي منه الألوان والصور والفضاءات؟
ماذا يحدث؟ يحدث ان نتحرّر من اضطهاد الواقع وأغلاله.
لأجل ذلك، مهما تكن الصورة "أفعل" من الكلمة، تظل ناقصة.
* * *
تغيير دراماتيكي طرأ في العصر الحديث على عالم الصورة. إيف بونفوا حدّثنا يوماً عن رعبه من تقنيات التصوير الرقمي والتلاعبات الخطيرة التي يتيحها، والتي تؤدي الى تحريف الوعي والحقيقة الإنسانيين، وتشكل شهادة زور تاريخية، أو تاريخاً مخترعاً قد يحلّ مكان التاريخ الحقيقي ويرمينا في العدم.
تغيير دراماتيكي طرأ على عالم الصورة، تغييرٌ "أخلاقي" في الدرجة الأولى. فضيحة مصوّر "رويترز" عدنان الحاج الذي تلاعب بصور القصف الاسرائيلي على لبنان في تموز الفائت، إن هي سوى أحد تجلياته.
كأن الصورة أبجدية مضادة. أبجدية ضد الحقيقة لا في خدمتها.
كأن الحقيقة التي كانت تريد أن تمنح نفسها للبصر أولاً وخصوصاً، باتت "تخون" بصرها .. عشيقها.
ها هنا الخيانة في أسوأ معانيها وتطبيقاتها.
* * *
عندما خذلَنا الصمت، استنْجدنا بالاشارة.
عندما نضبت احتمالات الاشارة، اخترعنا الكلمة.
عندما فَقدت الكلمة القدرة على إدهاشنا، التفتنا الى الصورة.
ثم فضضنا بكارة الصورة. أوجدنا لها "التر ايغو" بديلاً، مفتعلاً، موهوماً أو افتراضياً.
ومذّاك، نزداد يومياً مناعةً إزاءها.
ماذا الآن؟
الأجمل، الآن: العودة الى الصمت. من أجل أن تكتمل الدائرة. ومن أجل أرواحنا التي ملّت كل أشكال التعبير والنفاق والخداع والحيلة والإقناع والاقناع المضاد. واستنفدتها.
ماذا أيضاً الآن؟
الأجمل، الآن: العودة الى الكلمات التي تفتح خيال عيونها بعد أن نغمض عيوننا.
الى هناك، حيث الخلق شبيهٌ بمن يقع في الحبّ من نظرةٍ جاهلة. أو، كما يقال، من نظرةٍ أولى.