ميلاد 2012

حنا جبران قرأها 1,749

المَشْهَدُ الأوَّلُ – حُقُولُ بَيْتَ سَاحُورَ

بالرّغمِِ من أنَّ يحيى والرعاةََ تفقّدُوا المنطقةََ جيِّدًا، إلا أنّهم لم يتمكّنوا من فَهْمِِ سَبَبِ اضّطِرابِ الخِرافِ تلك الليلةِ، فمَصْدَرُ الخَطَرِ الوَحيدُ الذي تهدَّدَها كانتْ دوريّاتُ الجيشِِ الإسرائيليِّ والتي مرَّ وقتٌ طَويلٌ نِسبيًّا على مُداهَمتِها الأخيرةِ عندما عاثتْ فسادًا في المكانِ وبدّدتِ  الخرافَ إلى كلِّ جَانبٍ. استعادَ يحيى تفاصيلَ تلكَ الزيارةِ وكيفَ أنّه أمضَى الليلَ بطُولِهِ وهو يُحاولُ تجْميعَ الخِرافِ المُبعْثرةِ وإدْخالََها إلى الحظيرةِ التي بناها مع صَديقيهِ من القشِّ وغُصُونِ أشْجارِ الزّيتونِ المُلقاةِ في الحُقول. ومع أنَّ صَديقيه سَاعَداه على استرْدادِ مُعْظَمِ الخِرافِ في تلكَ الليلةِ المشئومةِ، إلا أنَّ ذلكَ لم يخفّفْ من وَطْأةِ فقدانِهِ لدلالَ، إحدِى أكثرِ خِرافِهِ ذكاءً، والتي لم يتمكنْ من استِرجاعِهاِ.                                                                                                              

لم تكُنِ الأوْضَاعُ العامّةُ مُرضِيَةً في الآونةِ الأخيرةِ، فقد صَغُرَتِ المراعي نتيجة توسيعِ مساحةِ مستوطنةِ "نعليه يوتير" القريبة، مما أدّى إلى تحديدِ مجالِ حركةِ الخرافِ، وحَجْزِ آفاقِ النّظرِ التي كان يحيى يجتازُ حُدودَها يوميّا في تأمُّلاتِهِ. وِممّا زادَ الأمرُ سوءًا أنَّ تلكَ الحقولَ الوديعةَ تحولّت إلى سَاحةِ مَعركةٍ قبل أسبوعين، مع بدايةِ موسِمِ قطْفِ الزّيتون، عندما غزا المُستوطِنونَ المنطقةَ وحاولوا إتلافَ المحصولِ كعادِتِهم كلَّ عام. وكان لكفاح، ابنةِ عمِّهِ، شرفَ الاستشهادِ عندما وقفت "تَنشّهُم" بغصنِ زيتونٍ محاولة إيقافَ هجومِهِم الأرعن ومنعهم من الاقترابِ ممّا تبقى لها من لقمةِ أرضٍ من والدِها. ولكنَّ رصاصةً، ذاتَ نظرٍ ثاقب، عصرَتْ حبّةَ الزيتونِ وفتتّتْ بذرَتَها واستقرَّتْ في صدرِها مازجةً الدَّمَ بالزيتِ. ثارَ يحيى وأزبدَ عندما وصلته تفاصيلُ ما حدث، إلا أنّه حاول السيطرةَ على غضبِهِ، كما فعلَ دائما، عن طريقِ التحدّثِ إلى خِرافِهِ واستنشاقِ الهدوءِ من الحقولِ المحيطةِ به، حتى تلك التي لم يَعُدْ بوسعِهِ الوصولُ إليها. تبِعَ يحيى فلسفة "عِشْ ودَعْ غيرَك يعيش"، ولكنْ ضيقُ المكانِ ومرارةُ الزمان جعلا تطبيقَها صعبا، فلم يبقَ هناك حيّزٌ كافٍ ينعزل فيه سوى تلك الأمتارِ المحدودة واللحظاتِ المعدودة عاشها كل مساء في مهنته كراعٍ والتي طالما تساءل عن سبب استمرارِهِ وتمسّكِهِ فيها طيلة تلك الفترة: أيمكن أن تكون رفقةُ الخرافِ قد جعلته يعيش تحت قناع من القناعة والرضا والسلام الزائف؟ هل جعله إحبِاطه من درجتِهِ الجامعيةِ يبتعدُ عن الناسِ ويتقربُ من الخراف؟ لقد أمضى سنواتٍ مرهقةً حتى تمكن من إنهاء تعليمِهِ في العلومِ الإنسانيةِ في جامعةِ بير زيت، إلا أنَّ ذلكَ لم يسببْ له سوى المتاعبِ حيثُ أنه اُعْتقلَ مرتين واتُّهِمَ بانتمائِهِ إلى إحدى المنظماتِ المقاومةِ للاحتلال. ومع أن يحيى مقتَ المحتلين، إلا أنه لم يؤمنْ أبدا باستعمالِ العنفِ ضدّهم وبحثَ دائما عن بدائلَ تساعدُهُ في العيشِ بسلامٍ مع نفسِهِ، رُبَّما إلى أنْ تتحسّنَ الظروفُ ويجدَ مهنةً أخرى تناسبُ مهاراتِه.

علّمَتْ رِعاية الخِرافِ يحيى الكثيرَ عن خَبايا الحَياة، فجولاتُه مع خرافِهِ نَهارًا، وسهرُهُ عليها ليلا، جَعِلته ينْظُرُ إلى الطّبيعةِ من جَميعِ نواحيها، وقد تمتعَ بشكلٍ خاصٍّ بتلكَ السَفَراتِ الليليّةِ التي قَضَاها متنقلا بينَ النُجوم. لم يكن يحيى عالمَ فلكٍ، ولكنه تعلَّمَ كيفَ يتابعُ حركةَ النّجومِ ويرعاها هي أيضًا في السَّماءٍ، فمَوضوعُ الفلسَفةِِ في دراستِهِ الجامعيّةِ ساعدَهُ على التحليقِ عاليا بينَها، وقَضاءِ الوقتِ معَها، لدرجةٍ أنه أطلقَ أسماءَ خرافِهِ الواحد والثلاثين عليها. ومع أن دلالَ لم تعد موجودةً معه على الأرض، إلا أنه راقبَ دلالَ في السماء، فقد ظهرت دلالُ، النجمةُ، في مطلعِ تشرينِ الثاني، وقد أذهلتْهُ حركتُها في السماء وهي تتركُ خلفَها ما يشبهُ الذيلَ. حاول يحيى أن يحدّدَ ماهية ذلك الجرمِ السماويِّ ولكنه لم يرغبْ في الاستفسارِ من الآخرينَ عنه خشية أن تؤدي مشاركتُهُم إلى اختفائِهِ من السماءِ مثلما اختفتْ دلالُ على الأرض.

كان يحيى مُلحِدا، ولكن ذلك لم يمنعْه من احترامِ جميعِ من اعتنقوا دياناتٍ معينةً، وحاول فهمَ الرسائلِ التي تحملها تلك الدياناتُ لتابِعِيْها، وقد أعْجَبَتْهُ بشكلٍ خاصّ الأحداثُ الفلكيةُ التي سبقتْ ولادةَ بعضِ الشخصياتِ المهمة، كالأنبياء، ولكنّ مزاجَه في تلك الليلةِ لم يمكّنْهُ من رَبْطِ ظهورِ النجمِ بإحدى النبوءاتِ التي قرأ عنها سابقا، فاكتفى بمتابعة حركتِهِ كحدثٍ فلكيٍّ عادي، وبين الفينةِ والأخرى ألقى نظرةً سريعة على خرافِهِ ليطمأنَّ عليها.  

المَشْهَدُ الثّانِي – مِنْ إيرَانَ مَعَ الأمَلِ

 في إحدى جولاتِهِ الليلية، رصدَ مجوسيٌّ يدعى ذهبًا مذنّبًا في السماءِ عندما قامَ بدراسةِ بعضِ النجوم بواسطةِ تلسكوبه الشخصي. شارك ذهبٌ صديقيه لُبانًا ومُرّا تلك الهوايةَ بشغفٍ كبيرٍ، ولكنَّها، مع متْعَتِها، كانت كثيرةَ المخاطرِ لأن المجوسَ – أتباعَ زردشت وعبدةَ نار- كانوا ملاحَقين في إيران، ولذلك خطّطُوا جيّدا كيفيةَ تبادُلَهم للمعلوماتِ وأماكنَ لقاءاتِهم، لأن القبضَ عليهم متلبسين في عمليةِ تنجيمٍ سوفَ يؤدي إلى مقتلهِم جميعا. قام ذهبٌ بإرسالِ رسالةٍ مشفّرةٍ لصديقيه عن طريقِ الإنترنت – وهي عادةً وسيلةُ الاتّصالِ الأكثرِ أمانًا بينهم، مع أنّهم استَعملوا أحيانا الهواتفَ الجوّالة عند الحاجةِ - واخبرَهم باكتشافِهِ، ومنذ تلكَ اللحظةِ أخذوا يرصِدونَ مسارَهُ كلَّ ليلة.   

اكتشافُ ذهبٍ للمذنب حدثَ بشكلٍ غيرِ متوقّّع. ففي إحدى الليالي، في أوائلِ شهرِ أيلول، التقى المجوسُ الثلاثةُ في بيتِ ذهبٍ، أكبرهم سنًّا، حيثُ شاركَهم بأمرِ وثيقةٍ قديمةٍ نجحَ أخيرا بحلِّ جزءٍ من رموزِها. حُفظت الوثيقةُ في مكانٍ أمينٍ لمدّةِ قرونٍ في "مكتبةِ المجوسِ للوثائقِ المشفرة"، وقد حاولَ ذهبٌ مرارا معرفةَ مُحتواها، ولكنْ من دونِ فائدةٍ، إلى أن تعثرَ مرة بمِفتاحٍ لحلِّ الرموزِ عثرَ عليه في إحدى الوثائق، وعندما جرّبَ تطبيقَ المفتاحِ على تلكَ الوثيقةِ، فوجئ بمطابقته لها. استعانَ ذهبٌ بخبرةِ رفيقِهِ مُرّ في المعالجةِ المحوسبةِ لتوضيحِ معالمِ الصورةِ التي قامَا بقراءة رموزِها شبهِ الممحوّةِ بسببِ قِدَمِ المخطوطةِ وطريقةِ حفْظِها في المكتبةِ السريّة. أما لُبان، وهو اللغويُّ بينَهم، فقد ساهمَ في تحليلِ أصولِِ بعضِ الكلماتِ المستعصيةِ وجعلهَا أكثرَ وُضوحًا لذهبٍ. ومع انتهاءِ تفكيكِ الرموز، تكشّفَتْ أمامَهم النبوءةُ التي تحدثّتْ عن ظهورِ مذنّبٍ في السماءِ يتبعُهُ حدثٌ جليلٌ وهو ولادةُ نبيٍّ، مخلّصٍ للأمم، في مدينةِ بيتَ لحمَ. 

نظرَ ذهبٌ إلى جهازِ تحديدِ المكانِ فلاحظَ أنَّ الإحداثياتِ المعروضةَ عليه تُطابِقُ تلكَ التي استخْرَجَهَا من المخطوطة. خُبِّئتْ الإحداثياتُ ضمنَ مجموعةٍ من الأرقامِ بمهارةٍ، وقد تمكَّنَ الحكماءُ الثلاثةُ من عَزْلِهَا بعدَ عددٍ كبيرٍ من المحاولاتِ وطرقِ التحليلِ، ففي البدايةِ لم يتمكَنُوا من معرفةِ كُنْهَ تلكَ الأرقامِ، ولكنْ عندما اقترحَ لُبانٌ إمكانيةَ كونِها إحداثياتٍ، سارَعُوا وأدخلوها إلى "جوجل إيرث"، وعندها تراءتْ أمامَهم مدينةَ بيتَ لحمَ، مكانَ ولادةِ الشخصِ المذكورِ في النبوءة. بحثَ ذهبٌ عن المزيدِ من المعلوماتِ حولَ بيتَ لحمَ، وقد وجدَ أن الخرائطَ استعملتْ أسماءَ مختلفةً لوُجْهَتِهِم: الضّفةَ الغربيةَ- السُلْطةَ الفلسطينيّةَ- فلسطينَ- يهودا، ولكنَّه تمكّنَ من معرفةِ حقيقَتِها، فقبلَ فترةٍ قصيرةٍ، وصلَ أحدُ القادةٍ السياسيينَ إلى مدينةِ بيتَ لحمَ، وقامَ محمود عبّاس باستقبالِهِ، حسبَ ما عُرِضَ في نشراتِ الأخبارِ المصوّرةِ، عندَها، لمْ يبقَ أمامَهم سِوى أن يتْبَعُوا جِهازَهُم، ويلاءمُوا الأرقامَ مع مسارِ المذنَّبِ لكي يصِلوا إلى بيتَ لحمَ.

نظرَ ذهبٌ من جديدٍ إلى جهازِهِ ليُحَدِّدَ مَوقِعَهُ فأشارتِ الأرْقامُ إلى خطِّ طولٍ 31 دقيقةً و 00 ثانيةً شمَالا، وخطِّ عرضٍ 36 دقيقةً و 00 ثانيةً شرقا- لقد وَصَلُوا إلى الأردُن، وأصبَحُوا أكثرَ قُربًا من وجْهَتِهِم النهائيةِ - خطِّ 31 دقيقةً 42 ثانيةً شَمَالا، و 35 دقيقةً 12 ثانيةً شرْقًا. شعرَ ذهبٌ بالإرهاقِ بعد أن قطَعُوا تلكَ المسافاتِ من رِحْلَتِهِم الطويلةِ والخطيرةِ باتّجَاهِ بيتَ لحمَ، ولكنَّ ذلكَ الإرهاقَ خالَطَهُ شُعورٌ بالرِّضَا التامِّ للتسهيلاتِ التي قدَّمَهَا لَهُم جِهازُ تحديدِ المكانِ. فمَعَ أنَّهُ دفَعَ أربعَ قطعٍ ذهبيّةٍ حتّى تمكَّنَ من تهريبِهِ عبرَ الحدودِ العراقيّةِ بعد أن اشتراهُ من أحدِ الجنودِ الأمريكانِ المُرابِطينَ هناكَ، إلا أنَّ فائِدَتَهُ جَعَلتْ تكلِفَتَه العاليةَ أقلَّ إيلامًا على كِيسِهِ الجلديِّ الذي حملَ فيه ذهبٌ ذهبَهُ.

طَالتْ مَسيرَتُهُم الليليّةُ فأرهَقَتْهُم وأثارَتْهُم، فلم تكُنْ عَمَليةُ اجتيازِهِم الحدودَ سَهلةً خاصّةً وأنَّهم قد أُجْبِرُوا على دفعِ ثمنٍ كبيرٍ من الِقطَعِ الذهبيّةِ والبَخّورِ والمُرِّ الذي حَملوهُ مَعَهُم للبَدْوِ الذين ساعَدُوهُم على اجتيازِ الحدودِ العراقيّةِ الأردنيّة. المطرُ والبردُ الشديدانِ في ذلكَ اليومِ – 23 كانون الأول – زادا من إرْهاقِهِ، ولكنَّهُم، في نفسِ الوقتِ، أحَسُّوا بِسَعَادةٍ داخليّةٍ وكأنّهُم اختيروا للمشاركةِ بحدثٍ عظيمٍ، ذلكَ الذي يحدُثُ مَرَّةً كلَّ ألفي أو ثلاثةِ آلافِ عام. "هل يمكنُ أن تتحدَّثَ النبوءةُ عنِ المسيحِ الحقيقيِّ هذه المرة؟" تساءلَ مُرٌّ، فقد أقنَعَهُ أصدِقاؤه تقريبًا من أنَّ الخُمينيَّ هو المسيحُ المنتظرُ الذي سيُخَلِّصُ بِلادَهُ، ولكنَّ الخُمينيَّ لم يكنْ المخلِّصَ الموعودَ، ومِنَ المُؤكَّدِ أنَّه لم يأتِ من أجلِ خَلاصِ المَجُوسِ.

بعدَ أنِ اعتادتْ عيناهُ على ظُلمةِ الصَّحراءِ، تمكَّنَ لُبانٌ من تمييزِ ذلكَ الخيطِ الرفيعِ من الأضواءِ في الأفقِ، فقد كانتْ تلكَ دلائلُ مشجعةٌ لهم جميعًا، فبعدَ طولِ مشقةٍ وضياعٍ ويأسٍ في الأماكنِ المُقفرةِ، اقترَبوا من الحضارةِ وتمكّنوا من رؤيةِ النورِ في نهايةِ الصحراءِ.


المَشْهَدُ الثّالِثُ – النّاصِرَةُ، مَرْكِزُ بِدايَةِ الأحْدَاثِ

وضعَ يوسفُ اللمساتِ الأخيرةَ على سريرٍ بدأ بصُنعِهِ بنفسِهِ منذُ أسبوعينِ، فالركودُ في الأعمالِ دفَعَهُ إلى فَصلِ العاملِ الوحيدِ عندَهُ في أوائلِ تشرينِ الثاني. لم يتوقعْ يوسفُ أبدا أن يؤثرَ التراجعُ الاقتصاديُّ العالميُّ على مدينةِ الناصرة، وبالذاتِ على مهنةِ النّجارةِ التي كانتْ بطبيعتِها آخذةً في الانقراض. في زاويةِ المنجرِة، أخذتْ فواتيرُ البلديةِ غيِر المدفوعةِ تتراكمُ فوقَ بعضِها، تفصِلُ بينَ الواحدةِ والأخرى طبقةٌ من النّشارةِ المتطايرةِ. ازدادتِ الضّغوطُ على يوسفَ مؤخرا عندما وصلته إشاعاتٌ عن تشكيلِ شركةٍ جديدةٍ لقراءةِ عدّاداتِ المياهِ وجبايةِ الديونِ المستحقةِ، فحتى الآن، تمكّنَّ من تدبيرِ دفعِ الديونِ بواسطةِ وَسَاطةِ جارِهِ، عُضوٍ في الحزبِ الحاكمِ، حيثُ أوصى الجُباةَ بأن يتهاونوا مع يوسفَ حتى تتحسّنُ الأوضاعُ، وفعلا، في كلِّ مرّةٍ توقّفَ فيها الجباةُ في المنجرة، قدّم لهم يوسفُ فِنجانًا من القهوة السادّة، وحدّثهم عن مرارةِ الوضعِ، وفي نهايةِ الحديثِ كان يمُدُّ يدَهُ إلى جيبِهِ ويُخرجُ ورقةً نقديةً – دفعةً على الحسابِ- فيأخذُ الوصلَ، ويوصلُهُ بإحدى الفواتيرِ بواسطةِ مِسمارٍ يلتقطُهُ عن أرضيّةِ المنجرة. جالَ يوسفُ بأفكارِهِ، وهابَ عَتمةَ المستقبلِ: هل ستوصلُهُ أمورُهُ الماليةُ إلى وضعٍ تضطرُّ السلطاتُ فيهِ إلى قطْعِ المياهِ عنهُ في مكانِ عملِهِ وبيتِهِ؟ كيف سيتمكَّنُ من العيشِ الآنَ بعدَ أن تمَّ قطعُ خطِّ الهاتفِ والكهرباءِ عنه منذُ أقلَّ من أسبوع؟ فلولا مهارتُهُ في استعمالِ أدواتِ النجارةِ التقليديةِ كالإزميلِ  والمَبْردِ والفأرةِ لما تمكّنَ من إنهاءِ سريرِ جارٍهٍ نخلةَ قبلَ زفافِهِ، وقد ساعدَهُ حجمُ السريرِ الصغيرُ على إنهاءِ عملِهِ بسرعة، لِصِغَرِ قياساتِهِ،  160 سم طولا و 160 سم عرضا، إذ أنَّ نخلةَ كان حريصًا أن تكونَ الفتياتُ اللواتي قابَلهُنَّ لهدفِ الزواجِ أقلَّ منه طُولا. ومعَ أنَّ يوسفَ عرفَ أن نخلةَ لن يدفعَ له ثمنَ السريرِ دفعةً واحدة، وأن جزءًا من ثمنِهِ سوفَ يكونُ "نقوطَ" المباركةِ لزواجِهِ، إلا أنّه شعرَ بالسرورِ لوجودِ ما يشغلُهُ ويبعدُ عنه الشعورَ بالإحباطِ نتيجةَ مشكلتِهِ الرئيسيّةِ، مريمَ.

أشعلَ يوسفُ سيجارةَ "نكست" وحاولَ، بدونِ نجاحٍ، أن يتجاهلَ طعمَ التبغِ الغريبَ المنبعثَ منها، فحتى قبلَ أقلّ من ثلاثةِ أشهرٍ مضتْ دَخّنَ "بارلمانت"، ولكنَّ الأزمةَ الاقتصاديةَ العالميةَ أجْبَرَتْهُ على التنازلِ ليدخنَّ "نكست". نظرَ يوسفُ إلى علبةِ التبغِ أمامَهُ واستغربَ وقاحةَ اختيارِ اسمِ "السيجارةِ التاليةِ" لنوعٍ من السجائرِ يجعلكَ تفكرُّ في الإقلاعِ عن التدخينِ كليًّا. ولكنَّ ابتسامةَ يوسفَ غرِقَتْ في جوِّ الهمومِ والمشاكلِ التي كان يعيشُها، والتي وجدَ نفسَهُ بسببِها يتجاهلُ أبسطَ قوانينِ السّلامةِ الشخصيّةِ، كإشعالِ لُفافةِ تبغٍ قرب الأخشاب في المنجرة. أشعل يوسف سيجارته التالية، غير آبه لما يدور حوله، وحاول تمريرَ الوقتِ من خلالِ الاستماعِ إلى محطةِ راديو الشمس، خاصةً إلى أغاني فيروزَ والأخبارِ على مدارِ الساعة.  

بدا وكأنَّهُ في الأمسِ فقط ذهبتْ مريمُ، خطيبتُهُ ورفيقةُ عمرِهِ، إلى صيدليّةِ "سوبرفارم"، وبتردُّدٍ كبيرٍ ابتاعتْ أداةً لفحصِ الحمْلِ. صارَعَتْ مريمُ دافعًا داخليًّا جَعلَهَا تقريبًا تُجْهِضُ عمليةَ الشراءِ، فهيَ لا يمكنُ أن تكونَ حاملا- لم يحدثْ شيءٌ يجعلُها تفكّرُ بذلكَ الاحتمالِ، ولكنَّها، ولسببٍ ما، أرادتْ أن تتأكَّدَ، ومع أنَّ يوسفَ حاولَ فتحَ الموضوعِ معَهَا مرًّة، إلا أنَّها رفَضَتِ النّقاشَ وأقنَعَتْهُ بجماليةِ انتظارِ اللحظةِ الملائمةِ للدخولِ في "العلاقةِ الزوجيةِ"، تمامًا كما يوحي التعبيرُ. آمنتْ مريمُ، بخلافِ العديداتِ من زميلاتِها، بفضائلِ بقاءِ الفتاةِ عذراءَ، وقد حاولتْ أن تقنعَ رفيقاتِها بأنَّهُنَّ، بالإضافةِ إلى تَعَرُّضِهِنَّ لخطرِ انتقالِ الأمراضِ، فإنَّهُنّ يًخُنَّ كذلك ثقةَ أهْلِهِنَّ فيْهِنَّ، وهو أمرٌ ما كانتْ لَتَفْعُلُهُ أبدًا، فقد شعرتْ مريمُ بالفخرِ بأصلِهِا وانتمائِها إلى قريةِ صفّورية، الأمرُ الذي جعَلَهَا تتمسَّكُ بفخرٍ بتقاليدِ عائِلتِها ومجتمَعِها. ولكنْ،   عبورُ موعدِ وصولِ دورتِهِا الشهريّةِ أقلقَهَا وأصبحَ من الضروريِّ البحثُ عن تفسيرٍ لما حدَثَ.

لو كُنّا نعيشُ قبلَ 2012 عامًا لكانَ من الأسهلِ على النّاسِ أن يُصَدّقُوا ظاهرةَ الحَمْلِ من الروحِ القُدُسِ، ولكنْ في أيّامِنا هذه؟ من سيصدّقُ مثلَ تلكَ الخُرافات؟ كانتْ نتائجُ الفحصِ واضِحةً كصَفْعَةٍ على الخَدِّ توقظُ حالِمًا: كانتْ حاملا بدونِ شكَ! صُعِقتْ مريمُ من النتيجةِ وهَرعَتْ إلى صديقِتِها ساميةَ حيثُ استعارَتْ حاسوبَها الشخصيَّ وغَطَستْ في جولةٍ عميقةٍ بينَ مُحرّكاتِ البحثِ وهي تقرأ عن فُحوصاتِ الحمْلِ ومدى دِقَّتِها. بعدَ ذلكَ طالعتْ عن ظواهرَ غيرِ معروفةٍ قد تؤدي إلى الحَمْلِ، أو إلى أعراضٍ تشبهُ الحمْلَ، وقد وجدتْ تفسيرًا مطَمْئِنًا في ظاهرةِ الحمْلِ الزائفِ، وكانت على وشِكِ قبولِهِ لولا مُعاودةُ ذلكَ الحدثِ المشابهِ للخيالِ ليسيطرَ على ذاكِرَتِها من جديدٍ، حدثٌ زارَها في أوائلِ شهرِ آذارَ.

 استيقظتْ مريمُ حوالي الثالثةِ صباحًا من أغربِ حُلمِ يقظةٍ عاشَتْهُ منذ ولادَتِها. ومعَ ضَبابيَّةِ بعْضِ التفاصيلِ، إلا أنَّها تذكَّرتْ بوضوحٍ ذلكَ الحوارَ الذي دارَ بينَها وبينَ ملاكٍ ادّعى أنّه جِبرائيل.ُ أوصلَ الملاكُ إليها رسالةً حولَ الميلادِ المنتظَرِ للمسيحِ، وأخبَرَها بأنَّها اخْتيرَت، منذ الأزلِ، من بينِ كلِّ نساءِ العالمِ، لتحملَ ذلكَ الطفلَ. ولكنّهُ في نفسِ الوقتِ أخبرَهَا بأنّهُ لا يستطيعُ العودةَ لمرسلِهِ بجوابٍ إيجابيًّ إلا إذا قبِلتْ مريمُ بالمُهِمَّةِ ووقعّتْ على بطاقةٍ تضمنُ مُوافَقَتِهَا. أمّا مريمُ، وبسببِ ذُهولِهَا ولِعِظَمِ المسئوليةِ الملقاةِ عليْهَا أبْدَتْ تَرَدُّدًا في البدايةِ خاصَّةً وأنَّها ابنةُ الناصرة، وهي تعرفُ سكّانَهَا جيّدا، فكيفَ سيكونُ رَدُّ فعلِهِم عندَ سَماعِهِمِ الخَبَرَ؟ "عمّن سيتحدثُون، وأيّةَ تفاصيلَ سَيضيفونَ عندما يَعْلَمُونَ أنّني حاملٌ؟" سألتِ المَلاكَ بِقَلَقٍ شَديدٍ. ولكنَّ جبرائيلَ طَمْأنَهَا بأنَّ الروحَ القُدُسَ لنْ يَترِكَهَا وَحيدةً وبأنّهُ سيهتمُّ بأمرِ أولئكَ الناسِ حولَها. "وماذا معَ يوسفَ؟" سألتْ مريمُ بِقَلَقٍ شَديدٍ. قالَ لها جبرائيلُ: "لا تقلقي يا مريمُ، فأنا سأهتمُّ فيِه شَخصيًّا". ولِسَبَبٍ ما، شعرَتْ مَريمُ بِدَرَجَةٍ مِنَ الاطمِئْنانِ عندَ سَماعِ كَلِماتِهِ.

صبيحةَ اليومِ التالي، وفي الأيّامِ التي تبِعَتْهُ، عانَتْ مريمُ من صُداعٍ مُتكرِّرٍ كٌلَّمَا تذكَّرَتْ حُلُمَهَا الغريبَ، ولكنْ بعدَ مرورِ فترةٍ ما، توقّفَتْ عنِ التفكيرِ فيه،  ولَكَانتْ قدْ نَسِيَتْهُ لولا تأخُّرُ دورَتِها الشهّريَّةِ، الأمرُ الذي جَعَلهَا تَتَذكّرُهُ من جديدٍ وتَتَساءلُ فِعْلا إذا كانَ حُلُمًا أمْ واقِعًا.

 شاركتْ مريمُ يوسفَ تجربتَها الغريبةَ فأخذَتْهُ جانِبًا، وبِكلِّ بَساطةٍ، فاجَأتْهُ بالحقيقةِ وكأنَّها توقعَّتْ منهُ أنْ يُزيلَ الغموضَ المُحيطَ بالقضيّةِ كُلِّها. أصغى يوسفُ إلى حديثِ مريمَ حتى نهايَتِهِ، ونَظَرَ إليْهَا نظرةً عميقةً، وبدونِ أنْ يَنْبُسَ ببنتِ شَفَةٍ، تَوَجَّهَ إلى زاوِيَةٍ في المَنجرةِ، وجلسَ هناكَ على مقعدِهِ الخشبيِّ، نظَرَ إلى الأرضِ والتقَطَ قِطْعَةً من الخشبِ وأخَذَ يُمّرِّرُهَا في كَوْمَةٍ منَ النِّشَارةِ المُبَعْثَرَةِ هُناكَ. وفَجْأَةً، أمامَ عَيْنَيْهِ شِبْهِ المُغْمَضَتَيْنِ، تَشَكّلتْ صُورَةٌ لِرِجالٍ مُلتَحِيْنَ وحِجَارَةٍ وامْرأةٍ مُتّهَمَةٍ بالزِّنَى، وصوتُ ضَميرٍ يتحدّى: من كانْ مِنكُم بِلا خَطيئةٍ، فلَيْبدأْ ولِيَرْمِهَا بِحَجَرٍ. في ذلكَ اليومِ، غادَرَ يوسفُ عملَهُ مُبكِّرًا، وبعدَ أنْ وصَلَ إلى البيتِ احتسى عَدَدًا من كؤوسِ العَرَقِ وغَرِقَ في نَوْمٍ عَميقٍ.

في تلكَ الليلةِ زارَهُ جبرائيلُ. ومع أنّهُ لم يتذكّرِ الحديثَ الذي دارَ بينَهُ وبينَ الملاكِ، إلا أنّهُ شعَرَ بعدَها بالرّاحةِ وقرَّرَ أن يأخُذَ مريمَ تحتَ كَنَفِهِ ويَحمِيَهَا بواسطةِ الزواجِ بها. أما القِصَّةُ التي ابتكَرُوها لكي يتجنَّبُوا أقاويلَ وتعليقاتِ سكّانِ النّاصِرَةِ هي أنّهما تَزَوّجَا في كنيسةِ صفّورية المهجّرةِ وقامُوا بدعوةِ والِدَيْهِما فقط ، وذلكَ مُراعَاةً للأوضاعِ الاقتصاديّةِ الصعبةِ التي تمُرُّ بها البلادُ. طبْعًا، لم يُعْجِبِ الأمرُ أصدقاءَهَما لأنَّهُما لم يَقُومَا بدعْوَتِهِم إلى السَّهْرَةِ وحَفْلِ الزّفَافِ حتى يَتَمكّنوا من المُشارَكَةِ بفرْحَتِهِما "وسدادِ الدّينِ" على حدِّ تعبيرِهِم، ولكنَّ الموضوعَ بالنسبةِ إليهِما كان قدْ حُسِمَ، وأولئكَ الذين يعتبرونَ أنفُسَهُم أصدقاءً حقيقيينَ سوفَ يتفهّمُونَ الأمرَ ويُصَالِحًونَهُما.

لم تكٌنْ قضيّةُ مريمَ الوحيدةَ التي شغلتْ بَالَ يوسُفَ، فبعْدَ زَوَاجِهِ مِنْها أخَذَ يبحَثُ عن منزلٍ لاستقبالِ المولودِ الجديدِ- فبيتُ والديهِ بالكادِ يتّسِعُ لهًما. وَوَسطَ جميعِ مشاغلِهِ، كان أحيانًا يحاولُ تغييرَ الجَوِّ بالبحثِ عن الإيجابيِّ في وضْعِهِ، فهو على الأقلِّ قدْ ضَمِنَ مولودًا ذَكرًا! ولكنَّ تلكَ اللحظاتِ المفرحةَ ما كانتْ تُصَاحِبُهُ طويلا بل سرعانَ ما تتبدَّلُ بأسئلةٍ واقِعيّةٍ صَعْبةٍ: ابنَ من سيكونُ المولودُ؟ وهل يمكنُهُ تصديقُ أقوالِ مريمَ؟ هل اعتدى شخصٌ عليها ولم تمتلكِ الشجاعةَ لإخبارِهِ؟ وحتى لو أنَّ الأمرَ حدثَ كما وصفتْهُ مريمُ، فكيف سيتمكنُ من متابعةِ حياتِهِ؟ كيف سيتمكنٌ من شراءِ بيتٍ؟ هل سيتمكنٌ من الحصولِ على قرضِ إسكان؟ صحيحٌ أن نسبةَ الفوائدِ البنكيّةِ منخفضةٌ إلا أنَهُ هناك حاجةٌ إلى دخلٍ ثابتٍ لكي يتمكّنَ من تقديمِ طلبٍ للقرضِ. كذلك فإنَّ عددَ نقاطِ الاستحقاقِ التي قامَ بتجميعِها لكي يحصلَ على مساعدةٍ حكوميةٍ لم تضمنْ له مبلغًا كافيًا. كان بإمكانِهِ الحصولُ على نقاطِ استحقاقٍ أكثرَ لو أنّه التحقَ بالشرطةِ أو الجيشِ، ولكن تلك الأمور كانت تهزُّ بداخلِهِ أوتارَ نشازٍ لم يعتدْ سماعَها.

ذهبَ يوسفُ إلى النومِ تلك الليلةَ وهو مثقلٌ بعِبْءِ إقامةِ عائلةٍ جديدةٍ، فتمدّدَ على سريرِهِ وشغّلَ جهازَ التلفزيونِ لكي يستمعَ إلى بعضِ الأغاني على قناِة روتانا طرب، وأثناءَ بحثِهِ عن المحطةِ، توقَّفَ جهازُ تحكّمِ تغييرِ المحطّاتِ عن العملِ على قناةِ التلفزيونِ الإسرائيليِّ والتي لم يكنْ يوسفُ من مشاهدِيها. أعلنَ صوتُ مذيعِ الأخبارِ أنَّ إحصاءً سيجري في البلادِ، وبأنه على جميعِ المواطنينَ الاكتتابَ في البلدةِ التي وُلدُ فيها أهلُهُم، وأنه قد تمَّ تنسيقُ إجراءِ الإحْصاءِ مع السلطةِ الفلسطينية كخطوةٍ أولى نحوَ التوصُّلِ إلى حلٍّ نهائيٍّ بالنسبةِ لحلِّ قضيّةِ المستوطناتِ والأراضي الفلسطينيةِ المصادرةِ المقامةِ عليها لكي يتمكنَ الطرفانِ من إثباتِ مُلكيَّتِها بشكلٍ قاطعٍ. 

 لم يتمكنْ يوسفُ من فهمِ ضرورةِ السفرِ للقيامِ بالإحصاءِ، فقد تمَّ بحثُ موضوعِ التصويتِ عبرِ البريدِ الالكترونيِّ فقط قبلَ عدةِ شهورٍ في الكنيست، فما فائدةُ التكنولوجيا إذا لم تقُمْ بخدمَتِنا؟ تساءل. ولكن، بالرغمِ من كل ذلك، فإن إصدارَ الأمرِ عنى وجوبِ السفرِ إلى بيتَ لحمَ، مسقطِ رأسِ والديه. كانتْ بيتَ لحمَ والضفةُ الغربيّةُ عامّة من أماكنِ السفرِ المفضّلةِ لديهِ، إلا أن التوقيتَ لم يكنْ مناسِبًا نتيجةَ الظروفِ الاقتصاديّةِ. عادَ يوسفُ بذاكرتِهِ إلى أيّامٍ أفضلَ عندما سافرَ مع مريمَ إلى عينَ كارمَ لزيارةِ نسيبتِها اليصاباتَ، وتذكّرَ كيف توقَّفَا أثناءَ عودَتَهِمَا في القدسِ واشتريَا بعضَ الكعكِ المُسَمْسَمِ من الفرنِ مقابلِ بابِ العامودِ.

.

تابعَ يوسفُ بحثَهُ عن قناةِ روتانا طرب واستقرَّتْ عيناهُ على وجهِ ليلى مراد وهي تغنّي "أنا قلبي دليلي"، وبينما كان يحاولُ إبقاءَهُما مفتوحتينِ، أخذَتهُ كلماتُ الأغنيةِ إلى أزقّةِ الناصرةِ العتيقةِ حيثُ قابَلَ مريمَ هناكَ لأولِّ مَرَّةٍ.

المشهدُ الرابعُ- مَوسِمُ الهِجْرَةِ

استمعَ أبو شاكرٍ إلى نشرةِ الأخبارِ وبدأ عقلُهُ التجاريُّ يخطَّطُ كيفّ يحوّلُ مناسبةَ الإحصاءِ إلى رِبحٍ ماديٍّ لمكتبِهِ السياحيِّ في الناصرةِ. ارتكزتْ حَمْلةُ أبي شاكرٍ على إقناعِ المواطنينَ بالاستغناءِ عن السفرِ بسياراتِهِمِ الخصوصيّةِ واستعمالِ حافلاتِ سفرٍ صديقةٍ للبيئةِ للوصولِ إلى أماكنِ ولادتِهم للاكتتابِ هناكَ، داخلَ وخارجَ الخطِّ الأخضرِ، ذلك الخطُّ الوهميُّ الذي يفصلُ إسرائيلَ عامَ 1948 عن المناطقِ التي احتلّتها عامَ 1967. شدَّدَ أبو شاكرٍ في توجّهِهِ للعربِ في إسرائيلَ على المعنى الخاصِّ الذي يحملُهُ تعبيرُ "الخطَّ الأخضرَ" وعلى الرمزيّةِ في إمكانيةِ العيشِ تحتَ سياسةٍ خضراءَ صديقةٍ للبيئةِ. حاولَ أبو شاكرٍ أن يستعملَ اللونَ الأخضرَ كرمزٍ دينيٍّ يجمِّعُ زبائَنهُ المسلمينَ، ولكنَّهُ بعدَ أن خشيَ أن يخسرَ المسيحيينَ في توجّهِهِ ذلكَ، قرّرَ تحويلَ اللونِ الأخضرِ من لونٍ دينيٍّ إلى رمزٍ للبيئةِ، حيثُ أنَّ المحافظةَ على البيئةِ هو أمرٌ عالميٌّ، يتعدّى الجنسَ والدينَ. أعلنَ أبو شاكرٍ أنّه على استعدادٍ لنقلِ أبناءِ بلدِهِ إلى أيّةِ وجهةِ يختارونَها ليصِلوا إلى أماكنِ ولادِتهِم ويُسجّلوا أنفسَهُم هناكَ.   

 معرفةُ يوسفَ بأبي شاكرٍ كانت طويلةَ الأمدِ، ولكنّهً، ولسببٍ ما، لم يثقْ فيه أبدا. فيوسفُ نجّارٌ يكافحُ في حياتِهِ للحصولِ على خبزِهِ اليوميِّ، وعملَ مؤخَّرًا كلَّ ما في وُسْعِهِ ليصنعَ سريرًا متينًا يضمَنُ لجارِهِ مستقبلا صَلبًا يواجهُ بواسطتِهِ مصاعبَ الحياةِ. أما أبو شاكرٍ، فهو تاجرُ أموالٍ يرى في كلِّ حدثٍ فرصةً لجنيِ الأرباحِ، فيتلاعبُ بالشعورِ والدينِ والقوميةِ والوطنيةِ ليصلَ إلى الجيوبِ، فقد وجدَ يوسفُ الأمرَ مثيرًا للسخريةِ أن يقرأ عن حافلاتِ أبي شاكرٍ البيئيةِ وهو يسيرُ فوقَ سجادةٍ  حاكتها عشراتُ النشراتِ المتناثرةِ في شوارعِ الناصرة. ولكن، وبالرغمِ من كل ذلك، استجابَ العشراتُ لدعوتِهِ لاستغلالِ المناسبةِ لتوطيدِ الُلُّحمَةِ بينَ أبناءِ الشعبِ الواحدِ، على حدِّ وصفِهِ، وزيارةِ تلكَ القرى والمدنِ التي هجّرناها من ذاكِرَتِنا وأسكنّاها في الآخَرِ، الآخَرِ الغريبِ، وَضَمَنّا بذلكَ استمرارَ كينونتِنا في وطَنِنا المؤقّت. فعلا، كانتْ تلكَ كلماتٍ محرِّكةً لشعورٍ خاملٍ، ولولا معرفةُ يوسفَ ب"وطنيّة" أبي شاكرٍ، لانخدعَ بدوافعِهِ الحقيقيةِ ولظنَّ أنَّ هناكَ انتفاضةً فكريةً وطنيةً تتشكّلُ في الناصرةِ.

بحسبِ تقديراتِ يوسفَ فإنَّ زيارتَه إلى بيتَ لحمَ سوفَ تستغرقُ حوالي الأسبوعَ إذا ما أخذَ بعينِ الاعتبارِ السفرَ والعودةَ والقيامَ ببعضِ الأعمالِ هناك، وزيارةَ بعضِ المعارفِ والأقرباءِ في الضفّةِ الغربيةِ، محاولا أيضا استردادَ بعضِ الديونِ شبهِ المنسيّةِ من أبناءِ عمِّهِ هناكَ. إن توقيتَ الإحصاءِ كان سيّئا جدا حيثُ أنه توجَّبَ إتمامُه قبلَ نهايةِ العامِ، وذلك لم يعطِ الناسَ متّسعًا من الوقتِ لتدبيرِ أمورِهِم. ومع اقترابِ نهايةِ العامِ، صاحبَ ضيقَ الوقتِ شحُّ في الإمكانياتِ الماديةِ وبرودٌ في الأشغالِ والطقسِ ممّا جعل تقبّلَ الإحصاءِ أمرًا صعبًا على عددٍ من الناصريينَ.

راجع يوسفُ إمكانياتِ المبيت في بيتَ لحمَ فوجدَ أنه لن يشعرَ بالراحةِ في بيتِ أقربائِهِ، خاصّة وأن عدمَ دعوتِهِم إلى زفافِهِ قد أوجدِ جفافًا في العلاقاتِ بينَهُم، ولم يكن كذلك مُطْمئِّنًا لطريقةِ استقبالِهِم لمريمَ. ولكنَّ السفرَ أمرٌ لا مفرَّ منه  فهو لم يرغب أن يكونَ مخالفًا للقوانين، خاصَّة بوجودِ كلِّ تلكَ الفواتيرِ التي تنتظرُ دفعَها عاجلا أم آجلا، ولذلك أخرجَ يوسفُ جميعَ فنادقِ الأربعةِ والخمسةِ نجومٍ من نطاقِ بحثِهِ عندما نظرَ في الإمكانياتِ العمليةِ لقضائِهِ فترةِ وجودِهِ هناك. استعانتْ مريمُ بخبرتِها في استخدامِ الحاسوبِ للبحثِ عن غرفٍ في فنادقِ الثلاثةِ نجومٍ المناسبةِ. أمّا ما يُسمّى "بالمبيت والإفطار"، عادةً حلٌّ عمليٌّ غيرُ مكلفٍ في باقي البلدانِ، فلم يظهرْ في قائمةِ البحثِ حيثُ أنَّ العائلاتِ العربيةَ لا تتقبلُّ فكرةَ مشاركةِ شخصٍ غريبٍ لها في بيوتِها مقابلَ المالِ وتعتبرُها تدخلا في حياتِها الشخصيّةِ، مع أن نفسَ العائلاتِ تفتحُ بيتَها بكلِّ ترحابٍ لضيوفِها.

قلّةُ عددِ الغرفِ المتوفرةِ جعلت أسعارَ إيجارِها مرتفعةً بشكلٍ مبالغٍ فيه هذا العامُ لدرجةٍ أنَّ يوسفَ ،وبنبرةٍ شبهِ غاضبةٍ،  طلبَ من مريمَ أن تتأكّدَ أنها تبحثُ فعلا عن فنادق ثلاثة نجوم. هزّتْ مريمُ رأسَها بصَبْرٍ محاولةً أن توجدَ تفسيرًا لتلك الأسعار: "إنّهُ العرضُ والطلب" شرحت له، ولكن ذلك لم يقنعْ يوسفَ الذي اتّهم أصحابَ الفنادقِ بالنهمِ الماديّ، فحتى وإن سافرَ في حافلاتِ أبي شاكر، فلن يتمكّنَ من دفع  مائة دولار لكلِّ ليلةِ مبيت. ومما زادَ من حدّةِ غضبِ يوسفَ على أصحابِ الفنادقِ أنهم حاولوا تبريرَ السعرِ المرتفعِ لأن فنادقَهم تقعُ في مركزِ المدينة، فانفجرَ صائحًا: "أيُّ مركزِ مدينةٍ! إنها بيتَ لحمَ، وليست نيويورك! وماذا حدثَ للضفّةِ الغربيّةِ التي عرفناها بأسعارِها المعتدلة؟ إنَّ كلَّ المشكلةٍ تعودُ لجماعةِ عبّاس، فلقد أَتوْا هنا، وبدلا من أن يساعِدُوا الشعبَ، حوّلوا القضيةَ إلى مكسبٍ ماليّ!".

استمعتْ مريمُ بتفهّمٍ لثورةِ يوسفَ واستهجنتْ اهتمامَهُ المفاجئَ للأمورِ السياسيّةِ، إذ أنَّ البرامجَ الوحيدةَ التي أحبَّ مُشاهدتَها هي قناةُ "الجزيرة الوثائقية"، بالإضافةِ إلى قناةِ "ميتزو" عندما احتاجَ لتهدئةِ أعصابِهِ بالاستماعِ إلى الموسيقى الكلاسيكية. شعرت مريم بالضغط الذي دخل فيه يوسف نتيجةَ الظروفِ الأخيرة، فهي تعلمُ جيّدا أن الأمرَ ليس قضيةَ الإحصاءِ، فهناك أمرُ اقترابِ موعِد ولادتِها، وهو حدثٌ ضاغطٌ في الظروفِ العاديَّةِ، ناهيكَ عن ولادةٍ روحِ قدسيةٍ، ولكنَّها، في عُمقِ أعماقِها، شعرَتْ أنَّ يوسفَ سيجدُ الحلَّ المناسب، مثلما فعلَ حتى الآنَ، فالذي تمكّنَ من حلِّ مشكلةِ حمْلٍ إلهيٍّ، يُمكِنُهُ تدبّرَ مكانٍ يتحوّلُ فيه الإلهُ إنسانا، فيوسفُ كانَ وما زالَ رَجُلَهَا وحبيبَ قلبِهَا ورفيقَ دربِها. 

 نظرتْ مريمُ إلى يوسفَ فوجدَتهُ جالِسَا في زاويتِهِ يخطُّ بعضَ الأرقامِ بقلمِ  الرّصاصِ على لوحةٍ خشبيةٍ. "إنّهُ الإحصاءُ الذي جعلَ الأسعارَ ترتفعُ إلى هذا الحد" قال فجأة بلهجةِ من وجدَ قطعةَ صابونٍ نابلسيةٍ سقطتْ منهُ وهو يستحِمُّ. "إنها قضيّةُ عَرْضٍ وَطَلَبٍ!" وتَوجَّهَ إلى مريمَ شارِحًا لها العلاقةَ الطرديّةَ ما بينَ العرضِ والطَلَبِ والأسعارِ. عَكَسَ وجهُ مريمَ إماراتِ التقدير لاستنتاجِهِ، وكافأتْهُ بنظرةِ دعْمٍ وتشجيعٍ، مما شجّعَهُ على تكرارِهِ وهو يغادرُ الغرفةَ "العرضُ والطلبُ. هذا كلًّ ما في الأمرِ يا مريمُ- عرضٌ وطلبٌ."

المَشْهَدُ الخامِسُ- في الطّريقِ إلى بيتَ لحمَ

ازدادتِ الأحاديثُ بينَ المواطنينَ العربِ عن خطّةٍ للحكومةِ الإسرائيليةِ تدعو إلى ضمِّ تجمّعاتٍ عربيةٍ في المثلّثِ للسلطةِ الفلسطينيةِ مقابلَ الحفاظِ على المستوطناتِ في الضفّةِ الغربيةِ، وذلك ضمنَ التسويةِ النهائيةِ لإقامةِ الدولةِ الفلسطينيةِ، ومعَ الإعلانِ عن أنَّ هدفَ الإحصاءِ هو مرحلةٌ في تثبيتِ ملكيّةِ الأراضي المتنازعِ عليها  في السلطةِ الفلسطينيةِ، هبّت روحُ الوطنيةِ بينَ العربِ في إسرائيلَ، وقرّروا استعمالَ الإحصاءِ كوسيلةٍ يظهرون فيها انتماءَهم للشعبِ الفلسطينيِّ. وفي الناصرةِ، حيثُ تحتلُّ الكلمةُ المنقولةُ مكانةً رفيعةً، لاقتْ فكرةُ ارتداءِ الزيِّ الفلسطينيِّ التقليديِّ يومَ الإحصاءِ قُبولا واسِعًا، خاصّةً بعدَ أن عُلمَ أنَّ عددًا من سيّداتِ المجتمعِ سيرتديْنَهُ. كانت ابتسامة أبي شاكرٍ تزدادُ وُسعًا مع كلِّ قفزةٍ في الهبِّة الوطنيّةِ في الناصرةِ، فالشعورُ الوطنيُّ بالنسبةِ إليه في هذه الحالِ، معناه المزيدُ من المالِ، وفعلا، سيكونُ لونُ الحافلاتِ أجملَ وهي تتلوّنُ بالألوانِ الفلسطينيةِ الأربعةِ.

 لم يجدْ يوسُفُ، كالكثيرينَ غيرِهِ، أيَّ مشكلةٍ بارتداءِ الزيِّ الفلسطينيِّ وقد فكّرَ بارتداءِ القنبازِِ والذي حتى قبل عدد من السنوات كان يرى عددا من الكهول يرتدونََهُ في الناصرةِ، ولكنَّهُ  قرَّرَ في نهايةِ الأمرِ ارتداءَ الحطَّةِ والعباءةِ فوقَ لباسِهِ العاديِّ. تعقّدتِ الأمورُ قليلا مع مريمَ، فمعَ أنَّ أثوابَ النساءِ تشابهتْ من حيثُ الصُنعِ، إلا أنَّها اختلفتْ من منطقةٍ إلى أخرى بالتَّطريزِ الذي زيَّنَها، وكان من الهَامِّ لمريمَ أن ترتديَّ زيَّها الفلسطينيَّ الجليليَّ النصراويَّ. وتقدّمت أمُّ جِهاد، جارةُ مريمَ ويوسفَ، لتعرضَ إعارةَ ثوب ابنتِها بكلِّ فخرٍ وترحابٍ ، فقد هاجرتِ ابنتُها ثائرةُ إلى كندا لتبحثَ عن حياةٍ أفضلَ لأسرَتِها، وقد سَرَّ أمَّها أن ترى ثوبَهَا وقد ارتَدَتْهُ ابنةُ بَلَدِهَا.    

بالرّغْمِ من مُرورِ الوقتِ فلم يكنْ يوسفُ قد تهيَّأ للسَّفَرِ- فهو لم يحجِزْ مَكانًا للمَبيْتِ، مُعْتَمِدًا على حَدسِهِ الذي طَمْأنَهُ بأنَّهُ لنْ تكونَ هُناكَ مُشكلةٌ في إيجادِ غرفةٍ، فمنْ يستطيعُ أن يرفُضَ توفيرَ مكانِ مَبيتٍ لامرأةٍ على وَشكِ الولادةِ ويُبْقيها في العَراءِ، في البَرْدِ والمَطَرِ؟ أمّا مريمُ فلم تكنْ ترغبُ أبدًا تركَ ترتيبِ الأمورِ حتّى اللحظةِ  الأخيرةِ لكي لا تجدَ نفْسَها وقد وافَتْها ساعةُ المَخَاضِ لولادَتِها البكرِ دونَ أن تكونَ مستعدَّةً لمواجَهَتِهَا. تجمَّعَتْ لدى مريمَ العديدُ من الأسبابِ لتشعرَ بالقلقِ، مع أنَّها كانت قد مَرَّتْ بالولادةِ عِدَّةَ مّرّاتٍ بشكلٍ نظريٍّ مِن قبلُ. فَقَد حاولتْ مريمُ، دونَ نتيجةٍ، أنْ تُقنِعَ يوسفَ بِمُشارَكتِها دورةَ التَّحْضِيرِ للوِلادةِ في المُستشفى الفرنسيِّ، ولكنَّهُ لم يشعُرْ أبدًا بالرَّاحةِ في المُستشفيات. فحتّى زيارةُ صديقٍ هناكَ تُسَبِّبُ له مشكلة، لذلكْ لم يُفكِّرْ أبدًا في أن يشارِكَ مريمَ في عمليةِ الوِلادةِ، بالرّغمِ مِنْ تَمَيّزِ تلكَ اللحظةِ. استرْجَعَ يوسفُ ذكرياتِ حديثٍ شارَكَهُ فيهِ أحدُ أصدقائِهِ يومًا عن عمليّةِ جِراحيّةٍ أجْرِيَتْ لهُ، وكانَ وصفُ الصَّديقِ للعمليّةِ دَقيقا لدرجةٍ جعلتْ يوسفَ يَكادُ يُغمى عَليْهِ.

صباحَ الاثنين، 23 كانونَ الأوَّلَ، تَحَرَّكَت قافلةُ الحافِلات. استجابةُ سُكّانِ الناصرةِ غيرِ المتوقّعةِ أدخلت الفرحَةَ لجيبِ أبي شاكرٍ، فقد تجَمّعُوا، وللمرَّةِ الأولى، حولَ حَدَثٍ وطنيٍّ، ولذلك عَمِلَ على أنْ تُغَطّى لحظةُ تحرِّكِ القافلةِ بشكلٍ احتفاليٍّ، فقامَ بدعوةِ عددٍ من مندوبي الصُحُفِ والمواقعِ الألكترونيةِ لتغطيةِ الحَدَثِ. وفي تمامِ الساعةِ السابعةِ، حسبَ توقيتِ ساعةِ أبي شاكرٍ الرولكس المزيّفةِ، انطلقتِ الحافلاتُ بعدَ أن أطلقَ أبو شاكرٍ مُسدَّسهُ في الهواءِ، تبعَتْها للتوِّ أنّاتُ صافراتِ الحافلاتِ، وحركةٌ بين عددٍ من العاملين بالأمنِ محاولينَ معرفةَ مصدرَ الرّصاصِ ونواياهُ. انزعجَ يوسُفُ منَ الضَّجيجِ المتعالي فغطَّى أذنيهِ بِيديْهِ، وعندما شعرَ بالرَّاحةِ ثانيةً، بعدَ مرورِ حوالي خمسِ دقائقَ،  أزالَ يديْهِ ليَسْمَعَ دَقَّاتِ أجراسِ ساعةِ "بيج بِنْ" المبحوحةِ تُعلنُ تقديمَ نشرةِ أخبارِ السابعةِ من هيئةِ الإذاعةِ البَريطانيّةِ.

أدخلَ منظرُ الحافلةِ شبهِ الفارغةِ المتّجهةِ إلى بيتَ لحمَ الراحةَ لنفسِ يوسُفَ، فقدِ اختارَ الجُلوسَ في المقعدَ الأماميِّ، قربَ السَّائِقِ. فَضّلَ يوسُفُ عادة الجلوسَ قربَ النافذةِ، ولكنَّهُ في ذلكَ اليومِ قرَّرَ أن يتخلَّى عن مكانِهِ من أجْلِ مريمَ، خِشْيَةَ أنْ تَتَعَرَّضَ للإزعاجِ نتيجةَ صُعُودِ وهُبُوطِ المُسَافرِينَ. جَلَسَتْ مَريمُ قربَ يوسُفَ وهيَ تشعُرُ بالانقباضِ منَ الحَمْلِ ومن الرِّداءِ الضيِّقِ الذي أقرَضَتهَا إيّاهُ أمُّ جِهادٍ، فمَعِ اتِّسَاعِِ الرَّدَاءِ، إلا أنَّهُ لم يُحَكْ بِمَقاسِ امرأةٍ في المراحلِ الأخيرةِ من حمْلِها. ومِمَّا زادَ من ضيقِ مَرْيَمَ، عََدَمُ سِعَةِ حافلاتِ أبي شاكرٍ مقارنةً بتلكَ السياحيَّةِ الفَخْمَةِ التي رَأتْهَا في الناصرةِ. حَاوَلتْ مَرْيَمُ أن تَسْتَعِيضَ عن ضِيْقِ المَكانِ والشعورِ بالنَّظرِ إلى نَافِذَةِ الحَافلةِ الأماميّةِ، وقدْ بَدَأتْ تَشعُرُ بالانفراجِ عندَمَا تَجَوّلتْ عَيْنَاها في المَسَاحاتِ المُمْتَدَّةِ أمَامَها في الخارج، وَقدْ طَمْأنَهَا أنَّ مسافةَ الطريقِ لنْ تسْتَغرِقَ أكثرَ من ساعتينِ ونِصْفٍ، وهوُ أمرٌ كانَتْ قد أخَذتهُ بعينِ الاعتبارِ عندما جهَّزَتْ نَفْسَها شُعُورِيًّا للسَّفَرِ. نَظَرَتْ مَريَمُ إلى يوسُفَ من خلالِ مِرآةِ الحافلةِ الجانبيّةِ، فَرَأتْ تَفاصيلَ وَجْهِهِ تعكِسُ القنَاعَةَ والقلقَ في آنٍ واحِدٍ، وقد بَدَا وَجْهُهُ المُغَطّى بالكُوفِيَّةِ أكثرَ وَسَامَةً مِمَّا هُوَ عَليْهِ في الواقِعِ، خاصّةً وأنَّهَا أخْفَتْ بَوَادِرَ صَلَعٍ بَدَأ يَغْزُو رَأسَهُ.       

وَصَلتِ الحَافِلَةُ إلى أسْفَلِ شارِعِ الكازانوفا في الناصرةِ واستَمرَّتْ في سيرِهَا باتِّجَاهِ المُجّمَّعِ التَّجَاريِّ "بيج" والذي افتتحَ منذُ فترةٍ بَسيطَةٍ. ظنَّ يوسُفُ أنَّ الحافلة ستُتابِعُ سَيْرَها باتّجاهِ مَدينةِ العفّوله، عابِرَةً النفقَ على امتدادِ الشّارِعِ أمَامَهُ، إلا أنَّ السَّائِقَ انْعَطَفَ يَسارًا وأخَذَتِ الحافِلةُ تتسلَّقُ الشَّارِعََ الالتفافيَّ للناصرة، عابِرَةً مَدينةَ الناصرةِ العُليا لتصلَ أخيرًا إلى الشّارِعِ المُوصِلِِ إلى مَدينَة طَبَرِيّا. أوضَحَ السّائِقُ، والذي لمْ يكُنْ مُرْتَدِيًا الزِيَّ الفلسطينيَّ، أنَّهُم سَيَمُرّونَ بعددٍ منَ القرًى العربيّةِ لَيقلّوا أولئكَ الركّابَ المتّجِهينَ إلى بيتَ لحمَ. عندَمَا سَمِعتْ مريَمُ تفاصِيلَ خارِطَةِ الطّريقِ أدرَكَتْ أنّهُ ستكونُ هناكَ مُمَاطَلةٌ في السَّفَرِ، وأنَّ مَرْحَلَةَ السَّاعَتينِ ستمْتَدُّ لتُصْبِحَ أرْبَعَ سَاعَاتٍ على الأقلِّ، وكانَتْ أمْنيتُهَا الوحِيدةُ أن تتوقَّفَ الحافلةُ عَدَدًا كافِيًا من المرَّاتِ حتى تتَمَكَّنَ مِنْ تخفيفِ عِبْءِ السَّفرِ عليها. لم يتمكنْ يوسُفُ من إخفاءِ انزعاجِهِ الذي بَدَا واضِحًا على وَجْهِهِ، لكنّهُ في نفسِ الوقتِ لامَ نفسَهُ لبساطةِ تفكيرِهِ عندمَا ظنّ أنَّ أبَا شاكرٍ سوفَ يسْمَحُ لحافلتِهِ أنْ تَصِلَ بيتَ لحمَ شِبْهَ فارِغَةٍ، ولكنَّهُ، مَعَ غَضَبِهِ، شَعَرَ بالإعْجَابِ الداخليِّ لحِسَاباتِ أبي شاكر الاقتصّاديةِ، وقد عَلَتْ وَجْهُهُ ابتسَامَةٌ عندما شعَرَ أنَّهُ، وللمرَّةِ الأولى، فَهِمَ المقْصُودَ بتسْمِيَةِ أبي شاكرٍ مكتبَ سفرِهِ "طوف وشوف"، وكأنّهُ يتحدّى أن يكونَ هناك في العالِمِ الواسِعِ من هو أوسَعُ منهُ حِيلََةً!

ازدادَ عددُ المسافرينَ في كل مَحطَّةٍ توقَّفَتْ فِيها الحافلَةُ، ففي قريةِ كُفُركَنَّا، صَعِدَ إلى الحافلةِ تسعةُ أشخاصٍ، سِتُّ نساء وثلاثةُ رِجالٍ. حاولَ يوسُفُ جاهِدًا أن يتعرّفَ على أوجهِ تشابهٍ بين ملامِحِ الرُكّابِ وملامِحِه لعلّهُ يعثرُ على قريبٍ ضائعٍ، أو يتعرَفُ على شخصٍ يقضي معه بعضَ الوقتِ في الحديثِ، لكنَّ أفرادَ المجمُوعةِ، والذين ارتدَوْا اللباسَ الفلسطينيََّ التقليديَّ، جَلَسُوا في مؤخّرَةِ الحافِلةِ، واستمرُّوا في نقاشِهِم عنِ الأسبابِ التي جعلتْ موسمَ الزيّتُونِِ يتراجعُ السنةَ تِلوَ الأخرى - فحتَّى في السنواتِ الخيِّرَةِ لم يَعُدِ المَحْصولُ على ما كانَ عليهِ من حيثُ الوَفرةُ والجَودةُ. فوِعاءُ ال 16 لترا بِيعَ بمِائتي دولارٍ أمريكيٍّ، وقد اشتكَتْ إحدى نساءِ المجموعةِ أنَّهَا لنْ تتمكنَّ من بيعِ زيتِها مُطْلقًا هذا العامُ حيثُ أنَّ المحصُولَ بالكادِ يَسُدُّ احتياجاتِهِمِ الخاصَّةَ. تدخلّتْ إحدى النّساءِ محاولةً تغييرَ الجوِّ العامِّ معلّقةً أنَّ كميَّةَ الزيتِ التي تحدثتْ عنها زميلتُها بالكادِ تكفيها للتبّولة التي تُعدًّها خلالَ العامِ! 

استمعتْ مريمُ إلى الأحاديثِ التي وصلَتْ مسامِعَها من نهايةِ الحافِلَةِ وتذكَرَّتْ أحاديثَ والِدَيْها عن أراضيهِمِ المُصَادرِةِ في قريةِ صفورية وأشجارِ زيْتونِهِا، وكيفَ أن والدَها ماتَ كسيرَ القلبِ وهو ينتظرُ اليومَ الذي سيعودُ فيه لزراعةِ أرضِهِ بدلا من الاكتفاءِ  بمشاهدتِها عن بُعْدٍ. ومريمُ، شأنُها شأنُ العديدِ من الفلسطينيين، احتفظتْ بالمِفتاحِ الذي سلَّمها إيَّاهُ والدُها قبلَ موتِهِ وعلّقتْهُ في سِلسِلةٍ بجانبِ صُورِتِه، بالرّغمِ من علمِهَا أنَّهَا لكي تَسْتعملَ المِفتاحَ، يجبْ أن تجدَ بابًا قائمًا على الأقلِّ، فاكتفتْ بالنَّظرِ إليهِ كرمْزٍ وأملٍ لحلِّ قضيّةِ شَعْبٍ سُلبتْ أراضيهِ وسُلّمتْ قضيّتُهُ ليبثَّ فيها العَدَمُ. أما يوسف، فجُلَّ ما شغَلَهُ هو سِعْرُ زَيْتِ الزيْتونِ المرتفعُ هذا العامِ، إذْ أخذَ يفكّرُ ببدائلَ تمكّنُهُ من الحصولِ على سِعْرٍ أفضلَ من ذلكَ الذي أعلنُوا عنه في الحافلةِ. طبعًا زيتُ كفركنا أغلى سِعرًا من زيتِ قرى أخرى، كقريةِ المغَارِ مثلا، ولكنّهُ من كثرةِ القِصَصِِ التي سمِعَهَا عن كيفيةِ خلطِ الزيتِ هناك بزيتٍ نباتيٍّ، لم يَعُدْ يثقْ بجَودَتِهِ إطلاقا. "أيُّ وضعٍ وصلنا إليه" تساءلَ يوسُفُ "حتّى زيتُ الزيتونِ البكرُ لم يعد نقيًّا هذهِ الأيامَ!" وأتْبَعَ تعليقَهُ بابتسامةٍ خَفيفةٍ مسرورًا لتلاعبِهِ بمعاني الكلماتِ التي استعْمَلها. أحبَّ يوسُفُ التلاعُبَ اللفظيَّ وقد وَجَدَ فيه إحدى مُتَعِ الحياةِ الصغيرةِ. 

معَ وُصولِ الحافلةِ إلى قريةِ الرّامة لم تبقَ هناكَ سوى بضعِ أماكنَ شاغرةٍ في مؤخرّتِها، وقد شعرتْ مريمُ أنَّ الفراغَ آخذٌ في التقلّصِ شيئًا فشيئًا. شَعَرَتْ مريمُ بحاجَتٍها إلى الهواءٍ النقيِّ، ولكنَّها لم تتمكنْ من فَتحِِ النافذةِ نتيجة للجوِّ العاصفِ خارجًا، ولذلك، كلما توقفتِ الحافلةُ لصعودِ المزيدِ من الرُكّابِ، أخذَتْ نَفَسًا عميقا من الهواءِ المندَفِعِ من الخارجِ ثم أخرَجَتهُ ببطءٍ من خلالِ منخارَيْها، كالمدخّنِ الذي يستمتعُ بحبسِ الدُّخَانِ في رئتيهِ لفترةٍ لكي يسْتمتعَ بمشاهدتِهِ وهو يُغادِرُها بأشكالٍ مُختلفةٍ.

 مَعَ أنَّ مريمَ لم تعهدِ التّدخينَ في حياتِها، إلا أنَّ دروسَ الاستعدادِ للولادةِ التي تعلَّمتْها زوَّدَتها بطُُرُقِ تنفسٍّ معيّنةٍ حاولتْ استعمَالَها في الوضعِ الراهنِ. أرسلَ يوسُفُ نظرةً قلقةً باتّجاهِ مريمَ ليطمأنَّ عليْها، وقامتْ مريمُ بطمأنَتِهِ من خلالِ إرجاعِ ابتسامةٍ هادئةٍ لهُ. ومنذُ تلكَ اللحظةِ أكمَلا سفرَتَهُما بِصَمْتٍ وكلٌّ منهُما يفكّرُ بِمسْئولياتِهِ: مريمُ  في لحظةِ ولادةِ ابنِها، ويوسُفُ في حياةِ ولدِهِ ما بعدَ تلكَ اللحظةِ.

صَحَتْ مريمُ ويوسفُ من جولاتِ أحلامِهِما عندما توقّفَتْ الحافلةُ فجأةً ففُتِحَ البابُ وصَعدَ جنديٌّ وطلبَ إبرازَ بطاقاتِ الهويّةِ.

المَشْهَدُ السّادِسُ: حَوَاجِزُ

الحاجزُ الوحيدُ الذي واجهتهُ مريمُ في حياتِها حتى تلكَ اللحظةِ تمثّلَ باسمِ شركَةِ برمجةٍ إسرائيليّةٍ مشهورةٍ تحملُ نفسَ الاسمِ – Check Point – صادفَتهَا أثناءَ قيامِها بالبحثِ عن الموضوعِ في محرّكِ جوجل، ولكن منظرَ الجنديِّ المتواجِدِ أمامَها سبَّبَ لها شُعورًا بالضّيقِ وجعلَها تشعُرُ بالمعنى الحقيقيَّ لِكلمَةِ حواجزَ. أخرجَ يوسُفُ محفظَتَهُ وناولَ الجنديَّ بطاقتَهُ وبطاقةَ مريمَ. نظَرَ الجنديُّ إلى التفاصيلِ الموجودةِ على الهويّةِ، ثم نظرَ من جديدٍ إلى وَجْهِ يوسُفَ ومرّةً أخْرى إلى البِطَاقَةِ، ثم ألقى نظرةً أخرى على المسافرينَ، وغادَرَ الحافلةَ وهو يَحْمِلُ معه بطاقتيِّ الهويّةِ بعد أن أمرَ السائقَ بالانتظارِ.      

شعرَ يوسفُ بثِقل مرورِ الوقتِ إلى أن عادَ الجنديُّ وتفقَّدَ بطاقاتِ باقي المسافرينَ بصورةٍ سطحيّةٍ ثم غادرَ الحافلةَ من البابِ الخلفيِّ. ومع أنَّ الفلسطينيينَ يتعرّضُونَ دائمًا لعمليّةِ إيقافِهِم للتأكُّدِ من هويّتِهِم، إلا أنَّ توقيتََهَا هذهِ المرّةَ جاءَ في نهايةِ نهارٍ طويلٍ ومتعبٍ أشعرَ المسافرينَ بالامتعاضِ، وقدْ أحْبَطَ ظهورُ الجنديُّ في الحافلةِ الروحَ الوطنيّةَ التي حَمِلَها المسافرونَ مَعَهُم من قُراهِمِ ومُدُنِهِمِ، فتلك الحواجزُ أقيمتْ لتذكيرِ الفلسطينيّينَ أنَّ هنالكَ حاكِمًا على تلكَ البلادِ، وحيثُ يوجدُ حاكِمٌ، يوجدُ استِعْبَادٌ. 

تابعتِ الحافلةُ سفرتَهَا إلى أن وصلتْ إلى حاجزِ قُبّةِ راحيلَ، والمعروفِ أيضًا بحاجزِ 300. أقيمَ هذا الحاجزُ، ولهدفٍ واضحٍ أيضا، لكي يعطيَ العابرينَ الشعورَ أنهم يعبرونَ نقطةَ حدودٍ عاديّةٍ بين دولتينِ، فهناكَ، وليسَ شِبرَا قبلُ، تنتهي حدودُ الدولةِ، وتبدأُ حدودُ السُّلطةِ الفلسطينيّةِ في تلكَ المنطقةًِ. أما بالنسبةِ للفلسطينيينَ، فالحاجزُ يشبهُ العشراتِ من الحواجزِ الأخرى التي يعانونَ منها في حياتِهِمِ اليوميّةِ.

وقفَ يوسفُ يدخّنُ سيجارة ال"نكست" خارجَ الحافلةِ عندما اقتربَ منهُ فلسطينيٌّ آخرُ وطلبَ منه "ولعة" لإشعالِ سيجارتِهِ، ويبدو أن اللباسَ الفلسطينيَ الذي ارتداهُ أشعرَ ذلكَ الشخصَ براحةٍ حيثُ أنه بدأ يحدّثُهُ عن العذابِ اليوميِّ الذي يمرّونَ فيهِ بسببِ الحواجزِ. قام الرجلُ بأغلبيّةِ الحديثِ بينما هزَّ يوسفُ رأسَهُ معبِّرًا عن انفعالِهِ وهو يضغطُ على فلترِ السيجارةِ بين أسنانِهِ. حدَّثه ذلكَ الشخصُ عن الأوضاعِِ الاقتصاديّةِ الصعبةِ التي يعيشونَها وكيفَ أنه مُضْطَرٌّ للعملِ بوظيفتينِ كي يتمكَّنَ من تدبيرِ معيشَتِهِ. ثم انتقلَ إلى الحديثِ عن عدَمِ الوضوحِ الذي يمرُّ فيهِ يوميًّا أثناءَ عبورِه ِالحاجزَ، وكيفَ أنّ الساعَةَ التي يفتحُونَ فيها المََعبرَ ونفسيّةَ الجنودِ المتواجدينَ خلفَ الزُّجاجِ العازلِ، وحتى الوضعَ العامَّ في الشرقِ الأوسطِ كلًّها تلعبُ دورًا في الطريقةِ التي  يعبرُ فيها الحاجزَ كلَّ صَباحٍ. كانَ يوسُفُ على عِلمٍٍ بأغلبِ تلكَ التفاصيلِ التي رَوَاها له ذلكَ الشّخصُ، ولكنّ منظرَ المعبرِ الجميلَ جعلَهُ يتساءلُ فيما إذا بالغَ مُحدثُهُ   في وصْفِهِ. معَ استمرارِ المُحادَثةِ أخذَ يوسُفُ يشاركُ أكثرَ فأكثرَ فيها خاصّةً عندما انتقلَ الحديثُ إلى موضوعِ الإحصاءِ والأهدافِ السياسيّةِ الحقيقيةِ خلفَهُ. ولكنَّ يوسُفَ، الذي لم يكن يهتمُّ بالأمورِ السياسيّةِ، ولم ينتسبْ أبدا إلى أيِّ حزبٍ سياسيٍّ، فقد بدأ بتحويلِ الحديثِ إلى أمورٍ يوميّةٍ عاديّةٍ مثلِ صُعوبةِ شراءِ الخشبِ بسببِ الأوضاعِ الاقتصاديّةِ، أو تهاوي المبادئِ الأخلاقيّة لدى بعضِ الزبائنِ الذينَ يتأخّرون في تسديدِ ديونِهِم، وأخيرًا انتقلَ إلى موضوعِ الضرائبِ وارتفاعِ سِعْرِ المياهِ. استمعَ الشخصُ بتمعّنٍ إلى يوسُفَ واستغلَّ فترةَ حديثِهِ كي يُنهيَ تَدخينَ سيجارتِه والتي ألقاها أرضًا وسَحَقها بنعلِ حذاءِهِ. 

انتظرَ المسافرونَ خارجَ الحافلةِ حتى يتمَّ إدخالُهُم إلى الحاجزِ لكي يعبُروا إلى المنطقةِ المقابلةِ. أمّا مريمُ، فقد وقفتْ تتأملُّ اللافتةَ الكبيرةَ التي كُتِبَ عليها كلمةَُ "سلام" في اللغاتِ الثلاثِ- العربيّةِ والعبريّةِ والإنجليزيّةِ، ولكنَّ الحروفَ التي خُطَّت فيها تلكَ الكلماتُ بألوانها الزاهية بدَْت مُزيّفةً تحتَ الغيومِ المتلبدةِ في السّماءِ والريحِ العاصفةِ. شعرتْ مريمُ بالبرْدِ قليلا ونظرتْ حولَها باحثةً عن يوسفَ، حيثُ شاهَدَتهُ برفقةِ شخصٍ آخرَ، وعندما رأتِ الحماسَ المرتسمَ على وجهِهِ وهو يتحدثُ استنتجت أنَّ موضوعَ النقاشِِ لا بُدَّ وأن يكونَ ممتِعا، لذلك قرّرَت أن تنتظرَ قليلا لتعطيَهُ فرصةً لإتمامِ حديثِهِ.

تابع مرافقُ يوسفَ حديثََهُ بالتّفصيلِِ عن الحواجزِ وعن الوقتِ الثمينِ الذي يذهبُ سُدى يوميًّا لعبورِها، ثم بدأ يدعمُ حديثّهُ بنظريّاتٍ فلسفيّةٍ لم يتمكّنْ يوسُفُ من فهمِ مُعظمِها، وقد استغربَ مدى حماسِ مُحدّثِهِ في إقناعِهِ حيثُ أنه لم يكن يعترضُ أبدًا على ما سَمِعَهُ. أخيرًا، ولكي يُخففَّ من حِدّةِ النقاشِ عرَضَ عليه يوسفُ سيجارةً، وبالفعْلِ، هَدأتْ نَبْرَةُ الحديثِ، خاصّة وأن الرجلَ أدركَ تأخّرَ الوقتِ وأنه يتوجَّبُ عليهِ تجهيزُ أوراقِهِ ليتمكنَّ من العبوِر. وقفَ الرجلُ وراءَ يوسُفَ وتابعَ حديثَهُ واخبرَهُ كيفَ أن معاناتَهُ اليوميَّةَ قد علّمتْهُ الصّبرَ وقرّبتهُ من الطبيعةِ وجعلتهُ يتعلّقُ كثيرَا بعملِهِ الليليِّ. أما يوسُفُ فلم يكنْ يتابعُ الحديثَ بانتباه، فبدلا من أن يسألَهُ عن عملِهِ الليليِّ،  استفسرَ عن وظيفتِهِ الصّبَاحيّةِ، فأخبرَهُ الرجلُ أنه يعملُ في مطعمٍ لدى "خواجا" في القدسِِ الغربيّةِ، وعندما سمعَ يوسفُ ذلك التعبيرَ نبّهه بلهجةٍ مازحةٍ بأنْ يتوقفَ عن استعمالِ تعبيرِ القدسِ الشرقيةِ والغربية، حيث أن القدسَ قد توحَّدت منذ سنوات. تقبَّلَ الرجلُ مزاحَ يوسفَ ببرودةٍ، ولكنّه استمرَّ في حديثِهِ عن عملِهِ الليلي وكيف أنه يُدخلُهُ في حالةٍ من الاستقرارِ والتوازنِ النفسيِّ. ومرةً أخرى، لم يستفسرْ يوسفُ عن طبيعةِ ذلكَ العملِ. وتابع الرجلُ حديثَهُ بِفخْرٍ عن نجاحِهِ بتحويلِ خبرتِهِ اليوميَّةِ الأليمةِ إلى تجربةٍ إيجابيةٍ في السيطرةِ على أعصابِهِ ومشاعرِهِ خاصًّة عند مرورِهِ بين الحواجزِ والبوّاباتِ الحديديَّةِ التي تُشعرُ العابرينَ كأنّهم قطيعٌ من الأغنام.    

 لَمَحَ يوسفُ مريمَ والتي نظَرت إليه هذه المرة نظرةَ توبيخٍ، لأنها اضْطُرَّتْ إلى انتظارِهِ فترةً طويلةً نسبيًّا. اعتذرَ يوسفُ من رفيقِهِ وشرحَ له أنَّ عليه الذهابَ ليكونَ مع زوجتِهِ. صافَحَهُ الرجلُ مودّعا وشكرَه على السيجارة، وما إن ابتعدَ يوسفُ عدّةَ خُطواتٍ حتى سمعَه ينادي: "عفوًا، لم أعرفِ اسمَك!" أخبرَه يوسفُ باسمِهِ، ومن بابِ المجاملةِ سأله عن اسمِهِ هو الآخرُ. "يحيى" أجابَهُ الرجلُ ملوِّحا له بيدِهِ.

المشهدُ السّابِعُ- يومٌ في بيتَ لحمَ

دقت أجراسُ الساعةِ تمامَ السابعة صباحَ 24 كانون الأول ففتحَ يوسفُ عينيه غير معتادٍ على ضرباتها، فأذناه الحسّاستان اعتادتا موسيقى ال Ave Maria في الناصرة، تعزفها أجراسُ ساعةِ كنيسةِ تحمل اسم قدّيسه، تمام السادسة، مع بداية اليوم ونهايته. ذكّرته دقاتُ الساعةِ بوالدته التي كانت تقلقُ عليه للساعاتِ الطويلة التي كان يقضيها في المنجرة، إذْ كان يحب أن يبدأ يومه مبكّرا، وعادة يعود إلى البيت مع دقّات الساعة المسائية، فتقابله أمّه معاتبة: "كتير هيك يمّا، من الآفي للآفي يا حبيبي!" استغرب يوسف أن تذكّره ساعة بيت لحم بوالدته، ولكن بيت لحم لم تكن غريبة عنه، فوالده ولد فيها، وبيت لحم والناصرة قريبتان بالرغم من بعد المسافة بينهما.

مدّ يوسف يديه محاولا شدَّ عضلاتِهِ فشعرَ بألمٍ حادٍّ في ظهرِهِ جعلهُ يسارعُ ليتفقدَ السريرَ الذي نامَ عليه: وبالفعْل، فالسريرُ لم يُصنعْ من الخشبِ الصّلبِ كالذي يستعملُهُ لصنعِ سريرِ نخلة فلا عجبَ أنه أمضى ليلة غيرَ مريحةٍ وهو يحاولُ النومَ على سريرٍ معوَّجٍ. نهضَ يوسفُ من سريرِهِ وغسلَ وجهَهُ بسرعةٍ ثم غادرَ الغرفةَ باحِثا عن مريمَ.  

 جلست مريمُ في ردهةٍ الفندقٍ تستمتعُ بانعكاسِ أشعةِ شمسِ الصباحِ على زجاجِ النافذةِ العريضةِ قربَ مكتبِ الاستقبال. جمّعَ الزجاجُ أشعة الشمسِ كزجاجةٍ مكبّرة، وقد اختارتْ مريمُ أكثرَ الأماكنِ حرارة وجلست على واحدٍ من كرسيين مقابلَ المكتب. أمسكتْ مريمُ فنجانَ قهوةٍ وأدارتهُ بين يديها لتُدفِئَهُما. ألقتْ مريمُ ابتسامةً حنونة على وجهِ يوسفَ شبهِ المغسولِ واستنتجت أنّه لم ينمْ جيّدا تلكَ الليلة، ولذلك لم تفتحْ مَعَه أيَّ حديث، بل سكبَتْ له فنجانَ قهوةٍ من الغلاية الموضوعةِ على الطاولة الصغيرة قربها. أحبَّ يوسفُ أن يستهلَّ يومَهُ بفنجانِ قهوةٍ خفيفة الحلاوة مع حبّتين كاملتين على الأقل من الهال، يستمتع بمضغها وتمريرها من ناحية إلى أخرى داخل فمه، دافعا إحداها أحيانا بلسانه حيث يطل طرفها من بين شفتيه للحظة، فيسارع إلى إدخالها ليمضغها من جديد، فيكرر العملية إلى أن تخرج البذور من غطائها فيقضمها ويبتلعها، ولطالما وجدت مريم حبوب الهال في جيوبه وخشيت تأثيرها السيّئ على أسنانه، ولكنها توقفت عن القلق عندما ازداد اصفرارها نتيجة التدخين، فأسوأُ ما يمكن أن يحدثَ لها بعد الآن هو تآكلٌ مبكّرٌ بسببِ المضغ.

 أشعل يوسفُ سيجارتَه الأولى ذلك الصباحَ وابتعدَ عن مريمَ حيث جلسَ في مكانٍ فيه فتحة للتهوية. وبالرغم من أنّ النهار كان مشمسا، إلا أنّه شعرَ ببرودةِ هواءِ الصباح وهي تدخل من فتحة النافذة، فالفصلُ فصلُ شتاء، والشمس لم تكن راغبة بعدُ للدخول معركة لتفريق الغيوم التي أخذت في التجمع فوق المدينة. ملأ يوسفُ رئتيه من دخان سيجارتِهِ ٍوحاول، للمرةِ الألف، أن يخرجَ الدخانَ بدوائرَ متكاملةٍ، ولكنه لم ينجحْ تلك المرة أيضا. لم تكن سجائرُ ال"نكست" سببَ فشلِهِ، فهو لم يكن أفضلَ حظّا مع سجائر البرلمانت كذلك.

أخذ الدخانُ المتصاعدُ بشكل لولبي يوسفَ إلى دوّامةٍ من الأفكارِ مُعيدا إيّاه إلى ذكرياتِ الحاجزِ الذي عبره.  شعرَ يوسفُ أنّه، لسبب ما، قد فاتتهُ أجزاءٌ من حديثِ يحيى له، وبدأ يستعيدُ أجزاءً أُخرى منه. هل حاولَ ذلك الشخصُ أن يوصلَ له رسالة معينة؟ لماذا أصرَّ على إخبارِهِ بعملَهَ الليلي؟ أمن الممكنُ أن يكونَ يحيى متورّطًا بعمل غيرِ قانوني؟ كم شعرَ عندها يوسفُ بالاطمئنانِ لأنّه لم يستفسرْ منهُ عن ذلك الأمر! اعتزَّ يوسفُ كثيرًا بأمانتِهِ ومهنيّتِهِ كنجّار، وقد استطاعَ أن يحافِظَ على سجلٍّ متكاملٍ كمواطنٍ صالحٍ بتعاملِهِ معَ السُلطاتِ لولا فواتيرُ الضرائبِ والمياهِ غيرُ المدفوعة.  

كان أمامَ يوسفُ يومٌ كاملٌ لاستغلالِهِ وقد خطَّطَ أن يمضيَهُ مع مريمَ بعد الاشتراكِ بالإحصاء، فقد سمِعَ أنّهم يبيعونَ أنواعَ جيدةً من الملابسِ الداخليةِ والجواربِ القطنيةِ في مدينة بيت جالا المحاذيةِ لبيتَ لحم. أضرَمتْ فيه صورتُهُ وهو يتحدثُ مع يحيى، أو بالأحرى صورةُ يحيى وهو يتحدثُ إليهِ روحَ الوطنيةِ التي كانت في سباتٍ لسنين. وللمرةِ الأولى في حياتِهِ شعرَ يوسفُ بمعنًى مختلفٍ لكونِهِ فلسطينيا. قد يكونُ لقاءُهُ مع بني قومِهِ في الحاجزِ أثارَ فيه تلكَ المشاعرَ، وقد أرادَ الحصولَ على المزيدِ من تلك الإثارة. تركَ يوسفُ مريمَ لكي تذهبَ وحدَهَا  لتشتريَ ما يحتاجُهُ من دكانِ المصنعِ القريبِ، فهي لا تحتاجُهُ مَعَها هناك خاصة وأنها تعرفُ مقاساتِهِ جيدا. كذلك، فذهابُها للتسوّقِ وحدَها سوف يجعلها تتصرفُ براحةٍ وبدون الضغط الذي تشعر فيه عندما يكون موجودا مَعَها. أما مريم، فلم تتمكن قَطُّ من فهمِ أولئكَ الرجالِ الذين يلبسون كلَّ قطعةِ قماشٍ تختارُها زوجاتُهم لهم ولكنّهم يرفضونَ قضاءَ القليل من الوقت معهنّ  لشراءِ أغراضِهِمِ الخاصّة.      

سارَ يوسفُ لمسافةٍ تزيدُ عن مائتي مترٍ ووصلَ إلى الحاجز، ولكن هذه المرة من الجانبِ الفلسطيني.  تجمع المئاتُ من الفلسطينيين على المدخل ينتظرون فتحَ المعبر، وقد علم يوسفُ فيما بعد أن بعضَهم وصلوا منذُ الثالثةِ صباحًا ليكونوا من أوائلِ العابرين حتى يصلوا القدسَ مع بداية النهار. اقتربَ يوسفُ من المجموعة، وبعد دقائقَ قليلةٍ وجد نفسَهُ قد أصبحَ في وسطها، والجميعُ يتدافعونَ باتجاهِ البوّاباتِ الدائرية. كان ضغطُ الجمهورِ المتدافعِ هائلا، ولكنّك، مع ذلك، لا تسمعُ صُراخًا، وقد تقبلَّ الجميعُ الدفعَ كظاهرةٍ عاديّة. أخذتْ خياشيمُ يوسفَ تمتلئُ برائحةِ العرق، فأفسحَ لنفْسِهِ طريقا ووقفَ على الجانبٍ وهو يراقبُ الاكتظاظَ أمامه، وقد زوّدتهُ تلكَ الزاويةُ بإمكانيةِ متابعةِ ما يحدُثُ للجمهورِ كمراقبٍ خارجيٍ مع أنه وقفَ قريبا منهُم في نفسِ الوقت. تخيّلَ يوسفُ نفسَهُ حامِلا آلة تصويرٍ وهو يركز عدسة الكاميرا على عَينَي عاملٍ مُفعَم بالأمل، ووجهِ شابٍّ لم يذق طعمَ النومِ منذُ فترة، وعلى تجاعيدِ وجهِ رجلٍ عجوزٍ تخبّئ بينَ طيّاتِها قِصَصًا من المرارة. أجالَ يوسفُ الكاميرا نحو الجنديِّ المتواجدِ خلف الزجاجِ العازلِ للرّصاص. كان الجنديُّ، والذي بالكادِ كان قد بلغَ الثمانيةَ عشرَ عامًا، يتمتعُ بمصدرِ قوة، حيث أنه أمَرَ وسيطَر على جميعِ أولئك المتواجدين في الجانبِ الآخرِ من الحاجزِ الزجاجي. استمرّ يوسفُ في مراقبةِ الجمهورِ وقد لفتت نظرَهُ النقاطُ التي اختارَها الجنودُ لأنفسِهِم لكي يسيطروا على الفلسطينيين. اختلفَ المنظرُ كليّا عما شاهدَهُ عند عبورِهِ باتّجاهِ بيتَ لحم، ففي هذا الجانبِ مسَحت كاميراتُ المراقبةِ الألكترونيةُ وجوهَ العابرينَ بشكلٍ رقميٍ وقارنَتهُم مع مخزونٍ من صورِ أشخاصٍ غيرِ مرغوبٍ بدخولهِم إسرائيلَ. وهناك في العُلوّ، شاهدَ يوسفُ جنديًّا آخرَ وهو يراقبُ الحشدَ تحتَهُ من على قمّةِ ممرٍّ حديديٍّ  يسيرُ عليه. كلُّ حركةٍ تراقَب وتُسجَّل، ومن تمكّنَ من عبورِ الحاجزِ خلالَ فترةٍ معقولةٍ بعدَ التدقيقِ في الأوراقِ الشخصيةِ سارعَ في التوجّهِ لوجهتِهِ كي يستغلَّ ساعاتِ عملٍ أطولَ لنهاره. شعرَ يوسفُ بالاختناق، ولم يتمكّنْ من مراقبةِ القسمِ الذي تواجدتْ فيه النساءُ، وبجُهدٍ عصيبٍ، تمكّنَ من التراجعِ وجرَّ نفسَهُ باتجاهِ فندقِ الثلاثةِ نجومٍ والذي تمكن بأعجوبةٍ من الحصولٍ فيه على غرفةٍ لليلةٍ واحدةٍ فقط. كان الوقتُ ظهرا، ووجبَ عليه أن يجدَ غرفة أخرى لقضاءِ تلك الليلةِ قبلَ حلولِ الظلام.

جلست مريمُ في ردهةِ الاستقبالِ منتظرةً عودة يوسف، وقد أنهتْ ترتيباتِ مغادرة غرفتِها والتي انتقلَ إليها للتو آخَرون. بدأت مريمُ تشعرُ بألم في حوضِها وقد وجدت نفسَها تواجهُ تلك اللحظاتِ التي حاولت دائما تأجيلَها. هل وصلت تلكَ اللحظاتُ؟ هل أوشكَ الطفلُ على المجيء إلى هذا العالم؟ هل كونُ هذا الطفلِ مميزًا سوف يخففُ عنها آلامَ المخاضِ التي سمعت بعضُ النسوةِ يتحدثنَ عنه؟ فحتى الآن لم يختلف حمْلُها عن حمْلِ أيِّ امرأةٍ في عائلتها، أو جارةٍ لها، أو صديقة. شعرت مريمُ بالقلق، واحتاجت ليوسفَ معَها في تلكَ اللحْظةٍ بالذات. ولأولِّ مرة، شعرتْ مريمُ ببعدِها عن بيتِها وتمنَّت لو أن أمَّها كانت برفقتِها هناك.      

 فوجئ يوسفُ باكتظاظِ مركزِ المدينة، وقد أدركَ أنه فِعلا يوجدُ مركزٌ لمدينةِ بيتَ لحمَ وبأنَ جميعَ فنادقِ المدينةِ امتلأتْ بالنزلاء. لم يكن يوسفُ مُتعجرِفا باختيارِهِ غرفة، فكلُ ما رغبَ فيه هو مكانٌ محترمٌ يتمكن فيه من قضاءِ ليلتهِ مع مريمَ. ولولا وجودُها معه لما اهتمَّ قطعيًا لنومِه، فهو سيلتحفُ الأرضَ إن لم يجد مكانا للنوم، فقبل أن يتزوّجا، أمضى العديدَ من الليالي في المنجرة نائمًا على لوحٍ من الخشب. فهو، شأنُه بذلك شأنُ العديدٍ من الفلسطينيين، اعتاد على ظروفِ الحياةِ القاسية، ليس في النوم فقط، بل في تدبيرِ ما يسد الرمقَ مما تواجدَ في زوايا البيت. ولكن، لم يكن الوقتُ وقتَ قسوة، فمريمُ كانت على وشكِ الولادة، ولو استطاعَ لحجزَ لها جَناحًا خاصًّا في أفخمِ فنادقِ المدينة، ولكنّ الملاكَ لم يقدّم أية مساعدة مادية عندما بشّرَ مريمَ بالحمْل  الخارِق، فهما بحاجة إلى مكانٍ يقضيانِ فيه تلكَ الليلة، ولم تكن مع يوسفَ نقودٌ كافية تمكنه من استئجارِ غرفة، حتى وإن وُجِدَت.   

 حاول يوسفُ أن يجدَ مكانا للمبيتِ في ضواحي بيتَ لحمَ كذلك، ولكنه لم يكنْ أكثرَ حظًّا هناك. تحوّل شعورُ يوسفَ من القلقِ إلى الخوفِ فجأة، ولأوّلِ مرّةٍ شعرَ أنه ارتكب خطأ فادحًا عندما لم يهتمْ بحجزٍ غرفةٍ قبلَ السفرِ إلى بيتَ لحمَ. داهمَ يوسفَ شعورٌ بالفزع وأخذ يستوقفُ الناسَ في الشارعِ ليسألَهُم عن معرفتِهِم بأي شخصٍ قد يؤجّره غرفة لتلك الليلة. حاولَ يوسفُ أن يستدرَّ عطفَ أولئكَ الذين أبْدَوا تعاطُفا معه من خلال إخبارِهِم بوضعِ زوجِتِه التي كانت على وشكِ الولادة، وأنها بأمسّ الحاجةِ إلى تلك الغرفة، ووصل به الوضعُ إلى درجةٍ قرّرَ فيه أن ينقلَها إلى المستشفى، غير أنه لم يهتمّ بشراءِ تأمينٍ لها مسبقا. شعرَ يوسفُ للحظةٍ بالعارِ وأخذ يحاسبُ نفسَه- فأيُّ رجلٍ يعرّضُ زوجتَهُ لمثلِ تلكَ الظروفِ؟ أوقفَ يوسفُ رجلا آخرَ ليستوضحَ منه إمكانية تأجيرِ غرفةٍ عندما سمعَ صوتا يناديه. التفتَ خلفَهُ فوجدَ يحيى واقفا هناك وكأنّه ظهرَ من حيثُ لا يدرِي. 

 كان يحيى في طريقِهِ نحوَ الحقولِ عندما قرّرَ التوقُّفَ في مركزِ المدينةِ لشراءِ قنينة من نبيذِ كريميزان، حيث توقّعَ الراصدُ الجويُّ شدّةَ برودةِ الليلِ وقد أرادَ أن يحملَ معه ما يضمنُ له الدفء. مرَّ يحيى على دكّانِ الحارةِ ليبتاعَ النبيذ، لكن صاحبَ الدكانِ كان قد باعَ جميعَ مخزونِهِ نتيجة لبرودةِ الطقس، وقد توجه لدكانٍ آخرَ عندما شاهدَ يوسفَ وسطَ الزحام، وقد عَرَفَهُ من ثوبِهِ. شرحَ يوسفُ ليحيى وضعَهُ بنبرةِ اعتذارٍ ثم حدّثه عن الوضعِ الحرِجِ الذي وصل إليه، ورجا يحيى أن يساعدَه. هدّأ يحيى يوسفَ وصَحِبَهُ إلى عددٍ من الفنادقِ القريبة، ولكن دون جدوى. فجأة، أمسكَ يحيى يوسفَ من ذراعِهِ واقتادَهً بشدّة لدرجةٍ أوشكَ فيها يوسفُ أن يتعثرَ ويسقطَ. "تعالَ! أوشكْنا على الوصول". وبعد مسيرة عدة مئات من الأمتار، وعلى خطِّ الحدودِ ما بين بيتَ لحمَ وبيتَ ساحور، وجد يوسفُ نفسَهُ واقفا أمامَ مدخلِ بيتٍ صغير، ذي بوابة خضراء. أخرجَ يحيى علاّقة مفاتيحَ من جيبه، وفتح الباب، وبإشارة ترحيب من يده قال: " تفضل! هذا هو المكانُ الذي ستقضي فيه ليلتك. قد تضطر للنومِ على الأريكة، وطبعا عليك تغييرُ أغطيةِ الفراشِ والوسائد" وأشار يحيى نحو الخزانة التي يحتفظ فيها بتلك الحاجيات. استفسرَ يحيى من يوسفَ إذا كان يعرفُ إشعالَ مدفأة "علاء الدين". وبعد أن اعتذرَ عن عدمِ توفّر الطعام الكافي في البيت، قام بتسليمِهِ المفاتيح، ثم ترك البيتَ وهو يتمتمُ بأنه يتوجبُ عليه تجميعُ خرافِهِ من الحقولِ قبل حلولِ الظلام.       

 وقفت مريمُ عند مدخلِ الفندق تسدُّ جزءًا منه، عندما وصلَ يوسف. ولكي لا يستمعَ لأي توبيخ، أمسكها بيده وقادها مباشرة نحو بيتِ يحيى، وما انفكَّ يحدثها أثناء الطريق عن فائدة السير للحوامل، خاصة في الأيام الأخيرة قبل الولادة. أصغت مريمُ لحديثِ يوسفَ مع بداية سيرهِما، ولكن صوته سرعانَ ما اختلطَ مع ضجيجِ الشارع، ولم تتمكنْ من التقاطِ سوى تلك الكلماتِ القليلِة التي كان يتفوّه بها عندما تحدّث بصوتٍ مرتفع. 

المَشْهَدُ الثّامِنُ – ليلةٌ قُرْبَ بيتَ لحمَ

 قرَّرَ ذهبٌ أن يستلقيَ على الأرضِ لكي يحْصُلَ على منظرٍ أفضلَ لمجموعةِ النجومِ التي شوهِدَ المُذنَّبُ قربَهَا. كان المذنّبُ في نفسِ المنطقة الفلكيّة حيث شوهِدَ مؤخّرا،  وبعد أن قامَ ذهبٌ بمقارنةِ مسارِهِ مع النجومِ الثلاثةِ التي استعْمَلَها لتحديدِ مسارِه، وَجَدَ أنَ المُذنَّبَ لم يتحرَّكْ تقريبًا من مكانِهِ، الأمرُ الذي أعادَ من جديد مشكلةَ تحديدِ طبيعة هذا الجُرْمِ السماويِّ كمذنّبٍ متحرِّكٍ أو نَجْمٍ ثابت. وضعَ ذهبٌ يديهِ حولَ عينيهِ ليخفِّفَ من تداخلِ أضواءِ السيّاراتِ العابرةِ في مجال رؤيته، وعندها لاحظَ أنَّ ضوءَ النَجْمِ بدأ في الخَفَقانِ، وبعْدَها، وبنفسِ الطريقةِ غيرِ الاعتياديةِ التي ظهرَ فيها، اختفى.    

على بُعْدِ مئاتِ الأمتارِ من موقعِ ذهب، في حقولِ بيتَ ساحور، بحث يحيى أيضا  عن دلالِهِ في السمّاء، وقد استغربَ هو الآخرُ خفقانَ النجم. تناولَ يحيى جرعة كبيرة من النبيذِ الأحمرِ الذي أحضرَهُ معه، وقد حولّت برودةُ الليلِ زفيرَهُ إلى بُخار. وعندما اختفى النجمُ من السماء، توقف يحيى عن التنفّسِ فترةً خشية أن يكونَ البخارُ قد حجَبَهُ، ولكنْ بعدَ مرورِ عددٍ من الثواني أدْرَكَ يحيى أنَّ دلالَهُ الثانية قد اختفَت هي كذلك. وكأنّ يحيى كان يتوقعُ حدوثَ ذلك، فقد أخفضَ رأسَهُ بهدوء، وأخذ رشفةً أخرى من النبيذ، ثم غطّى نفْسَهُ بكمّيةٍ من التبنِ التي كان قد جَمَعَها لإطعامِ خرافه.

أوقفَ لبانٌ سيّارة عابرة، وبلغةٍ عربيةٍ فصيحة، استفسرَ من السائِقِ عن مكانِ وجودِه. أما السائق، والذي وجدَ صعوبة في التحدّث في اللغةِ الكلاسيكية، فقد حاول إفهامَ مُرّ بأنّ الفرصة الوحيدة أمامَه لإيجادِ مكانٍ يُمضي فيه الليلَ هو في بيتَ ساحور، وليسَ في بيتَ لحم. أخذَ السائقُ، بين الفينةِ والأخرى، يتفحص أولئكَ ألأشخاصَ ذوي الملامحِ الشرقية، يتحدّثون معه بعربيّةٍ فُصْحَى لم يعُدْ يسمعُها حتى في المدارس، بينما يتهامسونَ فيما بينهم بلغٍة غريبةٍ لم يفهمْها. "هل أنتم أتراك؟" سألهم السائقُ قبلَ أن يصلَ بقليلٍ إلى بيتَ ساحورَ. "نعم" أجابه مُرٌّ، خاصة وأنه أدركَ أن علاقةَ تركيا، أو أيِّ بلدٍ آخر مع إسرائيلَ تبقى أفضلَ من إيران، وقد أمُلَ أنْ تُشبِعَ كذبتُهُ هذهِ فضولَ السائقِ وتوقفَهُ عن طرحِ الأسئلة.

وصلَ السائقُ إلى نهاية سَفرتِهِ وأنزلَ الركّابَ الثلاثةَ على الطريقِ الرئيسيِّ  الموصِلِ بينَ بيتَ ساحورَ وبيتَ لحمَ.  شكرَ مُرٌّ السائقَ وقدَّمَ له حفنة من المُرِّ الذي كان يحمِلُه، وقد قبِلهَا السائقُ بترددٍّ معيّن. كان الوقتُ متأخرًا وقد احتاجَ المجوسُ الثلاثةُ إلى مكانٍ دافئٍ يُمْضُونَ فيه الليلَ. فمع هطولِ الأمطارِ في الليلةِ السابقةِ، إلا أنّها كانت أكثرَ دفئًا من تلك الليلةِ الصافيةِ والباردة.  ألقى ذهبٌ نظرة على الإحداثياتِ الموجودةِ على جهازِ التوجيهِ فرأى أنهم قد وصَلوا إلى هدفِهِم، ولكنّه لم يتمكن بعدُ من تحديدِ الموقعِ الدقيقِ لولادةِ ذلكَ الشخصِ الشهيرِ وذلك بسببِ اختفاءِ النجمِ من السماء. كذلك فإن كلَّ الحماسِ الذي جَمَعُوهُ خلالَ سفرتِهم كانَ قد تلاشَى بسببِ التعبِ والبردِ والجوع. سارعَ ذهبٌ خطاه ليصلَ إلى فندقٍ كانَ على بُعدِ أقلّ من مائتي مترٍ منه، ولم يجدْ أية صعوبةٍ في إقناعِ موظفِ الاستقبالِ بأن يؤجرَّهُ الجناحَ الملوكيَّ، المكانَ الوحيدَ المتبقيَّ في فندقِ "يا هَلا". استُعْمِلَ هذا الجناحُ فقط من بعضِ الشخصياتِ المهمةِ في المنطقة، وذلك حسبَ الترخيصِ الذي منحتهُ السلطاتُ لصاحبِ الفندقِ لبنائِهِ، وهو فلسطينيُّ يعيش في دُبَيّ.

قارَبَتِ الساعةُ منتصفَ الليل، وكادَ لبانٌ يقعُ أرضًا عندما تعثرَ بوعاءِ لبنٍ بلاستيكيّ ملقًى على مقربةٍ من بوابةٍ خضراءَ تبعدُ عدةَ أمتارٍ عن مدخلِ الفندق، وقد استغربَ جدا كيف أنه تمَّ بناءُ فندقٍ بذلكَ الحجمِ علىَ تلكَ المساحةِ المحدودة. تبِعَ لبانٌ ومرٌّ صديقَهُمَا ذهبًا والذي كان قد قامَ بجميعِ الترتيباتِ من أجلِ قضاءِ ليلتهم هناك. تناولَ المجوسُ الثلاثة وجبة سريعة من الحُمّصِ والكبابِ وتوجّهوا مباشرةً نحو أسرّتهم، وهم يشكُون سوءَ هضمٍ، بعد أن تركُوا جوازاتِ سفرِهم الإيرانيةَ عندَ موظّفِ الاستقبال.         

أعلَنَ صوتُ شخيرِ يوسفَ نهايةَ يومٍ طويلٍ متعبٍ كانت آخرُ أعبائِهِ تفحّصَ سريرِ يحيى ليطمأنَّ أنَّهُ مناسبٌ لوضعِ مريمَ لتنامَ عليه. لقد أعجَبَتهُ نوعيةَ خشبِ البلّوطِ الذي استعمِلَ في بنائِهِ وكذلك الطريقةَ الخاصةَ التي أدخِلتْ فيها الألواحُ بعضُها ببعض، وفكَّرَ باستعمال ِطريقةٍ مشابهةٍ في سريرِ نخلةَ بالرغمِ من أنّهُ جَهزَ تقريبًا لتسليمِهِ له. ولكنّ الأمرَ الذي أثلجَ صدْرَهُ فعلا كان تمكّنُهُ أخيرًا من  إيجادِ مكانٍ مناسبٍ لمريمَ، وقد أراحَ نصفُ الدجاجةِ المتبقّي في الثلاجة ضميرَهُ ومَعِدَتَهُ بعد أنْ تناوَلا وجبة شهية من الدجاجِ المحشوِّ بالأرزِّ واللبنِ، وقام بوضع وعاءِ اللبنِ الفارغ قرب البوّابة الخارجية ليلقيَه صباحا في حاوية نفايات بعد أن امتلأت سلةُ النفايات المتواضعة التي كانت بمطبخ يحيى. أمّا مريم فقد وجدت طعْمَ الدجاجِ أفضلَ من ذلك الذي اعتادت على تناولِهِ في الناصرة، ولكنها لم تتمكن من تحديدِ سببِ الاختلافِ إذا كان لحمَ الدجاجِ نفسَهُ أو طريقة إعداده، أو التوابلَ المستعملة. واستعادتْ مريمُ في تلك اللحظاتِ تأثيرَ قناةِ "فتافيت" الإيجابيَّ على النساءِ اللواتي يُعْدِدْنَ الطعامَ وعلى الرجالِ الذين يقمْنَ بإطعامِهِم.

استلقت مريمُ على ظهرِها وتنفّسَتْ بشكلٍ منتظمٍ، ولكنّ عينَيها المغمضتينِ تحرّكتا باستمرار، فهي لم تشعرْ بالراحة، وكذلك الجنينُ في رَحْمِها الذي بدَأ يرغبُ في الخروج. فتحتْ مريمُ عينيْها عدة مرات، وأخذ شعورٌ بالقلقِ يستولي عليها منتظرة ما يخّبئُهُ لَها الغدُ القريب. "هل ستكونُ هناك مضاعفاتٌ في عمليةِ الولادة؟" تساءلت مريمُ بهلع. "ماذا سيحدُثُ إنْ مُتُّ أثناءَ الولادة؟ من سيهتمُ بالطفل؟ فيوسفُ بالكادِ يمكنُهُ تربيةَ طفلٍ عاديٍّ، فكمْ بالحريِّ طفلٍ مُختار!" لقد أحبَّتْ يوسفَ بكلِ جوارِحِها، ولكن تلكَ المحبة لم تمكّنْها من تجاوزِ عدمِ مهارتِهِ في التعاملِ مع الأطفال. شعرت مريمُ للحظةٍ أن جميعَ تلكَ الأفكارِ أخذت تُطبقُ عليها فقرَّرَت أن تسلّمَ جميعَ همومِها إلى الله، فهو أيضا، حسبَما فهِمَتْ، يتحملُّ مسئوليةَ تلك الأمورِ كذلك. أغلقت مريمُ عينيها باسترخاء وغطّت في نوم ٍ شبهِ عميق.  

 صارعَ يحيى تأثيرَ قنينةِ النبيذِ بعد أن كان قد أنهى آخرَ قطرةٍ فيها، وتمنّى لو أنَّهُ أحضرَ المزيدَ من الطعامِ مَعَهُ، فبرودةُ الليلِ والخمرُ جعلتاه يستهلكُ الطعامَ بفترةٍ قصيرة، ولكنّ دِفْءَ فراشِه أدخله في سباتٍ عميق حلِمَ أثناءه  بقواربَ تسيرُ في أنفاقٍ تحتَ الأرضِ وبمناطيدَ ضخمةٍ تطيرُ بالناسِ فوقَ أعلى البنايات. ولكنَّ الهواءَ الساخنَ في مناطيدِ أحلامِهِ لم يمكنْهُ من التحليق براحة، فأفاق من نومِهِ بفتراتٍ متقطعة، خاصة عندما كانت بعضُ الخراف تأكلُ غطاءَه التبْنيَّ. ألقى يحيى نظرة أخرى على خرافه ليطمأن عليها وعاد للنوم من جديد.

 دقَّتْ أجراسُ ساعةِ البرجِ في بيتَ لحمَ تمامَ الثالثة، وكان الهدوءُ يخيمُ على المكانِ لولا تعكيرُ الأجراسِ له كلَّ ساعةٍ معلنة الوقت. ظهر نورٌ على شكلِ ملاكٍ في سماءِ المنطقة، حيث حلّقَ فوقَ حقولِ بيتَ ساحورَ، ثم قامَ بزيارةٍ سريعةٍ للجناح الملوكي في أحدِ الفنادقِ في المنطقة، وأنهى مهمّته فوقَ سريرِ بِيتٍ صغيرٍ، ذي بوابةٍ خضراءَ على الحدودِ بينَ بيتَ ساحورَ وبيتَ لحمَ.

المَشْهَدُ التّاسِعُ -  22 كانُونَ الأوّلَ

 ما إن وصلَ عِيسى إلى البيتِ حتى رنَّ جرسُ الهاتف. كان المتحدثُ الأستاذ جورج، مسئولَ النِظامِ في مدرسةِ عِيسى. استمعتْ مريمُ بصبرٍ إلى شكوى المعلّمِ عن تورّطِ ولدِها ب"طوشة" مع اثنينِ من طلابِ صفه. أوضحَ الأستاذُ جورج عدّة مرّاتٍ سياسةَ المدرسةِ بالنسبةِ لفرضِ النظامِ وأنّهُ من الضروري أن يتبعَ الطلابُ شعارَ المؤسسِ "السلامَ والخيرَ". وعَدتْ مريمُ المعلمَ بأنّها ستبحثُ الموضوعَ مع ابنِها وأنها ستزورُه في المدرسةِ عندَ الحاجة، فالمدرسةُ بجوارِ بيتِها ولَدَيْهَا متسعٌ من الوقتِ لمقابلتهِ والاهتمامِ بالتفاصيلِ، حيث أنها كانت ما تزالُ تبحثُ عن عملٍ، ولم تكن مرتبطة بما يعيقُ زيارَتَها.

بخلاف عيسى، أظهرت سلامُ، أختُه، نضوجا بأمورٍ عديدة أكثرَ من أخيها بالرغمِ من أنّها كانت تصغرُهُ بعامين. شعرتْ مريمُ بالقلقِ اتجاهَ عيسى، ولذلك قرّرت إرسالَهُ إلى مدرسةِ الفرنسيسكان على أملِ أن يحصلَ على تعليٍم جيد. لكن عيسى لم يندمجْ بشكلٍ جيّد في المدرسة، وكثيرا ما عادَ إلى البيتِ غيرَ راض، ولم تتمكن مستشارة المدرسة من تقديمِ العونِ المناسبِ له. اقلقَ هذا الوضعُ مريمَ كثيرًا وأخذت تتساءلُ عما سيفعله ولدُها عند تخرّجِهِ، مع أنَّ الأمرَ لن يحدثَ قبلَ أربعِ سنوات. تخرّج يوسفُ من نفسِ المدرسة، ولكنّ الظروفَ وقتَها كانت مختلفة، ولا يمكن مقارنةُ المدرسة حينها مع ما هي عليه اليومَ في زمنِ عيسى. أمنيةُ مريمَ الوحيدةُ أن ينهيَ ابنُها دراسَته بعلاماتٍ جيدة حتى تتمكنَّ من إرسالِهِ إلى خالِهِ لكي يكملَ تعليمَهُ في الولاياتِ المتحدة. فلا هي ولا يوسفُ أرادا له أن يصبِحَ نجّارًا ليعيشَ حياةَ التعبِ والقِلّة.  اقتربَ موعدُ عيدِ ميلادِ عيسى الرابعِ عشر، وقد انشغلت مريمُ بتجهيزِ كعكةِ الجبنةِ المفضلةِ لديه. طالبَ عيسى أمَّهُ، ككل سنة، أن يَدْعُوَ أصدقاءَهُ للاحتفال بالمناسبة معه، ولكنها رفَضَت لأن البيتَ كان أضيقَ من أن يستوعبَهم جميعًا. ولكنها، هذه المرة، لم تمانِعْ أن يحتفلوا سويًّا في المُجَمَّعِ التجاريِّ الكبيرِ في المدينة.

 أعادَ قربُ حلولِ عيدِ ميلادِ عيسى ذكرياتِ تسلسلِ الأحداثِ قبلَ أربعة عشرَ عامًا. فمعَ أن مريم كانت مؤمنة تصلّي في الكنيسةِ بانتظام، فلم تتمكن قطُّ من استيعابِ حقيقةَ أنَّ اللهَ قد غيَّرَ رأيَه! هل هي السبب؟ فكّرَت بالتشابِهِ بين مجيءِ المسيحِ الأولِ والمجيءِ الذي كان سيحْدُث. نعم، ما كانَ سيحدثُ عبارةً عن إعادةِ تجسيدٍ للمجيءِ الأول، بعيدا كلَّ البعدِ عن المجيءِ الثاني للمسيحِ المنتصِرِ كما وَرَدَ في الكتابِ المقدس، ولكن عندما يكون الطفلُ الموعودُ ابنَكِ، فما أهمية الاختلافِ في تفاصيلِ المجيئين؟ كانت الظروفُ ممتازةً ومطابقة لأحداث الكتاب المقدس قبل أكثر من ألفي عام، وكان يمكن إعادةُ المجيء الأول بحذافيره! ولو لم يغيرِ اللهُ رأيَه في اللحظةِ الأخيرةِ، لكان عيسى اليومَ المسيحَ المنتظر، ولكن، بدلا من ذلك، تحوّلَ إلى طفلٍ عادي. فماذا حَدَثَ؟ كم تمنّتْ مريمُ أن يستجيبَ اللهُ لصلواتِها ويخبرَها لماذا لم يحدُثْ ما كان على وشكِ أن يحدث؟

 أخرجتْ مريمُ الصندوقَ الخشبيَّ الصغيرَ وقد احتفظت به منذُ تلك السفرةِ إلى بيتَ لحمَ، قبل أربعة عشر عاما. ما تزالُ الأقسامُ الثلاثةُ فيه تحتوي على الهدايا الأصلية التي استلمتْها من المجوسِ المُحْبَطٍين، والذين جاءوا وأمضَوْا جزءا من تلكَ الليلةِ معها، ليلةِ ميلادِ عيسى. ما زالت تذكرُ بوضوحٍ مشاركتَهم لها لتلكَ الرسالةِ الغريبةِ التي وصلتهُم من الملاك، يخبرُهُم فيها أنَّ هناك تغييرَا في الخطّة، وأنه تمَّ تأجيلُ تحقيقِ النبوءةِ التي تبعُوها حتى أجلٍ غيرِ مسمًّى لأسبابَ لا يمكنُ البوحَ بها. ذُهلتْ مريمُ من تفاصيلِ ما حدثَ لهم، ولكنها شكرتْهم على تحمّلِهِم مشقّةَ ومغامرةََ السفرِ، وأخبرَتْهم أنّها ستقبلُ هداياهم شاكرة، مع أنّها هي أيضا قد اكتشفت أنّ ابنََها لن يكونَ المسيحَ المنتظر.

كان يوسُفُ، كلما حدّثته عن المجوس يخبرُها بمقدارِ مشقته هو كذلكَ عندما ذهبَ لزيارتهم في السّجْنِ كل أسبوعين، حيث أمضَوْا فترة شهرين ونصف قبل أنْ يطلقَ سراحُهُم ويتمَ ترحيلُهُم عن طريق الأردن، فالتعاونُ الأمنيُّ المكثّفُ بينَ عبّاس وإسرائيل دفع بسلطاتِ الأمنِ الفلسطينيةِ إلى اعتقالِهِم بعد أن تلقَّوا إخبارية عن وجودِهِم في المنطقة. ولو استجابت السلطةُ الفلسطينيةُ لطلبِ إسرائيلَ بتسليمِهِم لها، لكانوا ما زالوا يقبعونَ في السجن حتى يومنا هذا. أنهى يوسفُ دائما حديثهُ مع مريمَ حولَهم معبِّرا عن مدى استغرابِهِ لقدرةِ تحمّلِ الحكماءِ الثلاثةِ وحفاظِهم على عقولِهِم حيث أنّه كان سيصابُ بالجنونِ هو كذلك لو أنّه تعرّضَ لِمَا سَمِعَهُ منهُم من تفاصيلَ مرعبةٍ عمّا عانَوْا منهُ أثناءَ فترةِ اعتقالِهِم. 

لم تدعْ مريمُ المجالَ لأفكارِها لتتحكمَ بها بمثلِ تلكَ الأمورِ الحزينةِ حيث انتقلت للتفكيرِ بأمورٍ يوميةٍ عاديةٍ ومناسباتٍ جميلةٍ، ولكنّها قررت أنها إن التقتْ بجبرائيلَ مرة أخرى، فسوف يكونُ لها نقاشٌ طويلٌ معهُ عن أحداثِ تلك الولادةِ العجيبة، والتي لم تتمّ، خاصة وأنها التزمت بجانبها من الاتفاق، وقامت بتوقيع العقد معه وتحملت الكثير، فهي ما زالت تذكرُ آلامَ المخاضِ الرهيبةَ التي شعرت بها أثناءَ ولادتِها، خاصة وأن معرفتَها آنذاك بأنها ستلدُ مولودًا عاديًا قد زادَ من ذلك الألم. ولفترة معينة، توقفت مريمُ حتى عن الذهابِ إلى الكنيسة، ولكنَّ يوسفَ أقنعها أنَّ طرقَ اللهِ غيرُ طُرُقِ الإنسان، وأن الله، بكونِهِ إلَهًا يحقُّ له أن يغيّر رأيه. فمع كل ما حدث، لم يحدثْ أيُّ ضرر، فقد عاشوا حياة عادية بالرغمِ من مشاكلِ عيسى العاديةِ في المدرسة. أصرَّ يوسفُ على رأيه بأن الأستاذ جورج قد بالغَ في ردِّ فعلِهِ ذلكً اليومَ عندَما قام بفصلِ عيسى عن الدراسةِ لمدة يومين، لأنه قامَ بصفعِ صديقِهِ على خدّيْهِ الاثنينِ. فالشتائم التي وجّههَا صديقُه إليه استحقّتْ صفعاتٍ على ثلاثةِ خدودٍ، وليس فقط اثنان. ومع ذلك، فالحياةُ مستمرة، وخلالَ يومَيْن سوفَ يحتفلون بعيدِ ميلادِ عيسى، حيث سيقدّمُ له يوسفُ هديتَه التقليدية، شاقلا مقابل كلِّ عامٍ يحتفل فيه، أي أنَّ حصَّتَهُ ستكون أربعةَ عشرَ شاقلا، بالإضافة إلى قنّينة عطرٍ لما بعد الحلاقة من إنتاج "Boss"، وقد أدرك يوسفُ  أنّها ستفرحُ قلبَ عيسى خاصة وأنه سيدعو بسمة للمشاركة بعيد ميلاده، صديقته وجارتَه منذ ثلاثة عشرَ عاما، ابنةَ جارِهِ نخلة والتي عامَلتْها مريمُ دائمًا كفردٍ من أفرادِ عائلتِها. 

على بعدِ أقلِّ من مِائةِ ميل، في حقولِ بيتَ ساحورَ، جلس يحيى مع ابنتِهِ أملَ، قربَ حظيرةٍ قديمةٍ وهما ينظرانِ إلى السماء. الليلةُ دافئةٌ نسبيا بالنسبةِ لتلكَ الفترةِ من السنة، وقد أتاحَ ذلك ليحيى أن يصطحَبَ ابنتَهُ إلى الحقولِ لقضاءِ تلكَ الليلةِ التي طالما حدّثها عنها. "أتَرَيْنَ؟ هناكَ في الأعلى، حيث تجتمعُ تلكَ النجومُ الثلاثة، هناك توقَّفَ المذنبُ واختفَى قبل أربعة عشرَ عاما، بالضّبطِ في مثلِ هذا اليوم". أمسَكَ يحيى بأصبعِ ابنتِه  وأشار إلى المكانِ الذي اختفتْ فيه دلالُ. "ذلك النجمُ شهرزادُ، وذاكَ إلى اليسار ميسمُ. ولكن، لم يبق منها على الأرض احدٌ يا حبيبتي أمل". نظرَ يحيى نحو الحظيرةِ الفارغة، ثم وضعَ يدَهُ على كتِفِ أملَ وضمّها بقوة. "أتؤمنُ بالملائكةِ يا أبي؟" سألت أملُ ابنة الثامنة أباها. "هل تؤمنينَ أنت بها يا أمل؟" أجابَها والدُها مستفسِرًا. حَرّكتْ أملُ رأسَها مجيبةً على سؤالِ والدِها. "بالطبعِ إني أومنُ بالملائكةِ يا عزيزتي، وسوفَ أحدثكِ قصَة عن أحدِهِا يُدعى جبرائيل." 

توجّهَتْ أملُ للنومِ تلكَ الليلةَ وهي تحاولُ تخيّلَ ميلادِ طفلٍ كانَ من المفروضِ أنْ يكونِ نبيًّا، والمجوسَ الثلاثة يحيطونه، وراعيا، هو والدُها، يقفُ هناكَ يحملُ بين يديه وعاءً من الحليبِ الطازَجِ لكي تشرَبَهُ الأمُّ. أخذت أملُ تفكّرُ باستغرابٍ شديدٍ - أيُّ ظروفٍ أفضلُ من تلكَ كان اللهُ ينتظرُها جعلتهُ يغيرُ رأيَهُ في اللحظةِ الأخيرة؟    فقد سمعت والدَها يحدثها عن الرومانِ الذين حكَمُوا بلادَها وقت المجيء الأول.

" بابا! أمِنَ الممكنُ أن يكونَ اللهُ قد أرادَ أن يرسلَ ابنَهُ هذه المرّةَ إلى بلادٍ خاليةٍ من الاحتلال، لكنه أدرَكَ، وفي اللحظةِ الأخيرة، أن الشعبَ المستعبَدَ قبل ألفي عام هو الآن المستعبِـِد، ولذلك غيّر رأيه؟" سألت أملُ والدَها الذي كان يضعُها في السرير. 

ترك يحيى الغرفة، وأطفأ المصباحَ بعدَ أن تمنَى لأملِهِ ليلةً هادئة.