زيارة للأماكن المقدسة: كنائس المهد إلى كنائس اللحد
بيت لحم
- توضيح: هنالك أكثر من كنيسة في الداخل، وهناك أكثر من جماعة دينية مسيحية تهتم بالمكان، لذلك أستعمل الجمع في العنوان.
- دخول الكنائس من الباب الخارجي المقزّم لم يشعرني بالتواضع أبدا، بل بألم في ظهري بسبب الانحناء.
- تقزيم الباب كان لهدف منع دخول الحيوانات – كالجمال والخيول- إلى باحة الكنيسة. شعرت بالاغتباط لأنهم لم يقزّموا بابا يمنع دخول الماعز مثلا، عندها كنا سنحبو لندخل الكنائس.
- الالتزام بتنفيذ قوانين "الوضع القائم" ال Status Quo في المكان يعكس التفاهم والمحبة المسيحية بين الرهبان، والذين أظهروا، على مرّ العصور، إمكانية العيش بسلام بين أبناء الدين الواحد. المشادّات بينهم تُحلّ عادة بعد تدخّل رجال القانون المتواجدين في المكان، عادة أوقات "الحَشْرة" في الأعياد.
- أعجبني التعاون القائم بين رهبان وممثلي الجماعات الدينية بعد القداس الصباحي، فالجميع ينظفون المكان معا خوفا من أن "يتبرّع" أحدهم ويقوم بتنظيف بلاطة مثلا تخص الجماعة الأخرى. للمكانس وأدوات التنظيف المستعملة عصي، وللعصي استعمالات أخرى.
- جلس راهب قرب مدخل مغارة الميلاد يتحدث مع رجال التنظيم عن أمور يومية، وكان يوقف الحديث كل فترة ليصرخ بالحجاج: Silence! ثم يعود لمتابعة كلامه بصوت مرتفع، حيث أن محدثيه كانوا على بعد أمتار منه، وهو لا يحق له الاقتراب أكثر منهم، فكان يصدر ضجيجا هو الوحيد المسموع في الكنيسة. توقف في منتصف جملة وصرخ Silence! من جديد، فتوقف بعض المؤمنين عن التنفس لفترة خشية إزعاج صمت المكان، وبعد أن ازرقّت وجوههم تابعوا العملية "بدون نفَس".
- قد يسمح للزائر أن يضع قدما على بلاطة للجماعة "أ" وأخرى على بلاطة للجماعة "ب". ولكن الويل إن قام راهب بالدوس على ما ليس له، فقد يجد نفسه في تلك اللحظة ملقى أرضا ومثبّتا من قبل بعض الرهبان المصارعين. عادة لا يقوم الرهبان المناوبون بالصلاة، بل بمراقبة تحركات الأعداء في الدول المسيحية المجاورة.
- استعّنا – أنا وضيوفي- بمرشد محلّي لشرح تاريخ الكنائس في الداخل. كمعظم المرشدين في الأماكن المقدسة الأخرى، يحافظ المرشد على النص ولا يخرج عنه أبدا، بغض النظر عن السؤال الذي توجهه إليه، خاصة إذا كان في لغة أجنبية، فإنك تحصل على نفس الجواب- بعكس "الطريقة الأمريكية" في حل الأسئلة، حيث هناك أربعة إجابات لكل سؤال، هنا يوجد جواب واحد لأربعة أسئلة مختلفة.
- فرح ولادة المسيح يذوب مع حزن الوضع القائم- شتّان ما بين قصة الميلاد والرعاة والتسامح والفقر والمحبة من جهة، والحياة اليومية للقائمين على المكان. هنالك حاجة ماسّة لإعادة تقييم شامل للرسالة الدينية والتربوية التي يتركها بعض الرهبان هناك.
- يجب أن تقزّم باقي المداخل في أماكن عيش القائمين على المكان هناك، فقد يكون لعملية الانحناء اليومي تأثير أبعد من مجرد ألم في الظهر- قد يسبب ذلك ألما في الروح فتصحو من سباتها وتعاود الإحساس من جديد. قد تحدث العجائب أحيانا، وأيماني كبير.
القدس
- إذا كان مدخل المهد يمنع دخول الجِمال، فإن مدخل كنائس القيامة يسمح بدخول الفيلة. قصّة التعاون بين الجماعات الدينية تطل من خلال مفتاح ذلك الباب، حيث أن المسؤول عنه عائلة مسلمة، وذلك منعا لحدوث خلافات بين الجماعات المسيحية في الداخل من سيتولى الحفاظ على مفتاح الجنّة. أي مؤمن سيجد عزاء في كون السيد المسيح قد غادر المكان وارتفع إلى السماء.
- شعرت، حتى قبل دخولي المنطقة المحلّلة، بأهمية الحجيج الاقتصادية للديانات عامة، سواء اعتبرت سماوية أو أرضية. آلهة جميع تلك الديانات أوجدت فرصا اقتصادية للقائمين عليها- عادة من رجال الدين، على جميع دياناتهم- فأقاموا الممالك. مؤرخو حياة المسيح يتحدثون عن ثورته عندما أمسك حبلا وأخذ يطرد الباعة من الهيكل. كان للكهنة والكاهنات المكانة الخاصة عبر تاريخ الديانات، وقد حظوا بمراكز قوة مكّنتهم من السيطرة على جموع المؤمنين، وخاصة بفعل الثياب التي كانوا يرتدونها، منها المَهيب والمُقصّب بالخيوط الذهبية، ومنها البسيط، ولكن تأثير قطعة القماش واحد. كان الكهنة والكاهنات من أكثر الناس فهما لتأثير الأزياء على الآخرين، فأحسنوا استغلالها.
- ال Wall Street للكنائس القيامة موجود أعلى التلّ حيث الجلجلة، موقع الصلب. هناك، يصلب المسيح كل يوم من جديد لما يشاهده يحدث تحت قدميه من عمليات تجارية : الكاهن يحث جحافل المؤمنين بمتابعة التحرك عن طريق اللمس والدفش، ولكنه يعطي النهار بطوله لمن يريد ابتياع شمعة، فيصبر حتى تخرج النقود. أكثر ما لفت نظري هو استعمال أحد الكهنة "مدفاشا" يدخل بواسطته النقود الورقية إلى داخل الصندوق الخشبي، تماما كذلك المستعمل في الكازينو عندما يقوم المقامر بشراء الجيتونات. على فكرة، كان سعر الشمعة السمينة عند إحدى المجموعات 3 دولار. إحدى مرافقاتي من الزوار تمكنت من عقد صفقة للحصول على عشر شموع نحاف ب 50 شاقلا. لست أدري إن تمكنت من إيجاد شخص في العائلة تضيء الشمعة على روحه، فنحن عائلة صغيرة، ولكن يبدو أنها أضاءت عددا من الشموع على روح الثورات العربية، فاكتمل العدد.
- مقابل قبر المسيح الفارغ، زرنا كنيسة مركز الكرة الأرضية. فعلا، قمت بالقياسات المطلوبة، وتحققت من صحّة نقطة المركز. فعلى سطح الكرة، هناك نقطة واحدة فقط تعتبر مركز السطح الكروي.
- أعجبني ذكاء العثمانيين التجاري عندما باعوا نفس الأماكن المقدسة المسيحية لكل جماعة حملت ذهبا. في نهاية المطاف وجدت 6-7 جماعات مسيحية نفسها صاحبة حق في المكان نفسه، فتقاسمت المنطقة مساحة وزمانا، وطبّق "الوضع القائم" من جديد. هنا أيضا، لا يخلو المكان من مخالفات للستاتوس كوو، خاصة في المناسبات الأكثر قدسية مثل سبت النور، فتتدخل قوات البوليس الإسرائيلي وتقوم بفصل القوات المتشابكة. حتى كتابة هذه السطور لم تستعمل الشرطة الرصاص الحي بعد، ولكن آثار الهراوات تطبع من جديد على أجساد بعض الرهبان. هذا هو المكان الوحيد الذي أتمتع فيه برؤية الشرطة تقوم بتفريق الجموع باستعمال القوة. "خَرْجهِن".
- كان هناك راهب ملتح، وغالبيتهم ملتحون، ربما قارب الثمانين من عمره، يقف لينظم عملية الدخول إلى القبر. وقف المؤمنون بخشوع في الخارج، ينتظرون فرصة دخولهم إلى القبر لتقبيل رخامه الدافئ من حرارة الشموع والناس، وكان الراهب الكهل يدخل حوالي الدزينة كل مرة، حيث يمكث الزائرون حوالي الدقيقة في الداخل، فيقوم راهب آخر هناك في الداخل بقرع يد معدنية على قطعة خشب معلنا انتهاء فترة التعبد. عادة يحاول مؤمن أن يسرق لحظة إضافية بصحبة القبر الفارغ، فيقوم الكاهن بدفشه إلى الخارج. ما حدث أثناء انتظاري لضيوفي، واقفا قرب مركز العالم، أن خرجت المجموعة الأخيرة من الداخل، ولم تدخل مجموعة أخرى، وبقي القبر فارغا من المؤمنين كذلك. خرج الراهب مستفسرا عن توقف خط الإنتاج، فوجد الراهب الكهل منشغلا بشرح بعض الأمور الدينية لأم شابّة وطفلتها، وقد ترك باقي المؤمنين ينتظرون. أمسك الراهب بعضلة ذراع الأم بلطف وسحبها إلى خارج دائرة الانتظار، وهناك تابع لها ولطفلتها الشرح عن بعض الرموز الدينية الموجودة على مدخل القبر. كان الراهب يشرح باللسان واليد، ولم يترك ذراع الأم إلا عندما توقف لسانه عن الحركة، توجه بعدها إلى شابتين كانتا تطفئان الشموع التي قامتا بإشعالهما من النار المقدسة قبل لحظات. هنا تابع الراهب شرحه للمتطوعتين الجديدتين، تارة بالحديث وتارة باليد. خلال ثوان، استبدل راهبٌ آخر الراهبَ الكهل، والذي توجه بعد إنهاء محاضرته إلى غرفة جانبية واختفى.
- في الزاوية الخارجية للقبر، انفردت جماعة دينية أخرى بقطعة صغيرة منه، ربما لفقرهم لم يتمكنوا من الحصول على حصة زمنية من العثمانيين، تضمن لهم دخلا ثابتا من القبر نفسه. جثا هناك ثلاثة مؤمنين فقط، بقدر ما يتسع المكان، وكانوا يصلون في المكان الذي لامست فيه قدما المسيح القبر عندما وضع فيه بعد إنزاله من على الصليب.
- في تلك اللحظة بالضبط، أدركت للمرة الأولى سبب قرار السيد المسيح القيامة من الموت والصعود إلى السماء، عاليا، بعيدا عن المكان وعن الزمان. فالمسيح الإنسان تمكن بألوهيته من رؤية المستقبل، فهرب، وبقي القبر فارغا.
- أثناء خروجنا، مررنا قرب حوانيت "السوفنير" والتي يظهر أن غالبية زبائنها كانوا من اليهود، فكانت الشمعدانات وقبعات الصلاة تفوق الصلبان والمسابح عددا.
- ودّعت قدسي وعدت إلى ناصرتي، موقع كنائس البشارة.