يخَلّي عمَارْكُم
دَخَلْتُ إلى الدّيوانٍ حَيْثُ جَلَسَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرٍّجَالٍ، تَبَيَّنْتُ منْ خِلالِهَا وُجُوهَ أهْلِ الفَقيدِ. هذا أخُوهُ وذاكَ ابْنُهُ وَهَذا الّذي يَجْلِسُ قُبَالَةَ "السّايد لامب" أخُوهُ الأصْغَرُ. وُجُوهٌ صَفْرَاءُ مٍن سَهَرِ اللّيْلِ، وَذُقُونٌ لم تلامِسْهَا شَفْرَةٌ مُنذُ يَومَيْنِ.
بِدُخُولي أنَا وَصَديقِي قَامَ ثَلاثةُ رِجَالٍ وَأخْلَوْا لنَا مَكانًا نَجْلِسُ فيهِ. كانَ منَ الواضِحِ أنَّ دُخُولَنا قد قَطَعَ على أحَدِهِمْ حِكايَةً كانَ يَرْوِيهَا، وأظنُّ أنَّ ابتِسامَةً كانَتْ تَرْتَسِمُ على وَجْهِهِ عِندَمَا دَخلنا، ولكنَّ "يخلّي عماركم" أذابَتْهَا وأعَادَتِ الجَوَّ إلى جَوِّ حُزْنٍ قد يَكُونُ حَزينًا!
"تْعِيشْ" – أجَابَتِ الحَنَاجِرُ رَدًّا عَلى مُصَافَحَةِ الأيْدِي بِالأيْدِي. هذِهِ أيادٍ نَاعِمَةٌ وتِلْكَ خَشِنَةٌ، هذِهِ أعْرِفُ مَلْمَسَهَا وَتِلكَ جَمَعَتنِي بِهَا هذِهِ المُنَاسَبَةُ لأوَّلِ مَرّةٍ. صَافَحْتُ وَجَلَسْتُ وَأبْعَدْتُ عَن تَفكِيرِي سُؤَالاً في الرِّيَاضِيَّاتِ عنْ عَدَدِ المُصَافَحَاتِ التي تَمَّتْ، فأنَا مَا تَمَكّنْتُ أبَدًا مِنْ حَلِّ مِثلِ تِلكَ الأسْئَلَةِ شَفَهِيًّا، أمَّا الآنَ فَتَبْدُو الْمَسْأَلةُ أقَلَّ تَعْقِيدًا.
جَلَسْتُ في زَاوِيَةِ الدِّيوانِ حَيْثُ كانَ هُنَاكَ كُرْسِيٌّ صَغِيرٌ قَد يَكُونُ مِنْ عُمْرِ الفَقيدِ، ألْحَقُوهُ بِأحْفَادِهِ مِنَ الكَنَبَاتِ الشَّابَّةِ وَألْبَسُوهُ وِسَادَةً مُسْتدِيرَةً غَطّتِ الرَّأسَ وَكَشَفَتْ بَاقِيَ الجِسْمِ. لا بَأسَ، إنَّهُ مَقْعَدٌ مُرِيحٌ في زَاوِيَةِ المَجْلِسِ، فأنَا أُفَضِّلُ الجُلُوُسَ في الزَّاوِيَةِ لأنَّنِي لا أشَارِكُ في الحَدِيثِ الدَّائِرِ -سَوَاءٌ أكَانَ الموقفُ فَرَحًا أمْ تَرَحًا.
رَفَعَ كَبِيرُ الحاضرينَ مِنْ أهْلِ الفَقِيدِ يَدَهُ نَحْوَ جَبْهَتِهِ مُحَيِّيًا إيّانا بـِ "مَسَاء الخير!". بِمَاذَا أُجِيبُ؟ فَأنا لا أعْرِفُ الإجَابَاتِ في مِثلِ هذِهِ المُنَاسَبَاتِ، حَتّى "يْخَلّي عْمَارْكُم" جَعَلْتُ صَدِيقِي يَقُولُهَا بَدَلاً مِنّي، لِذَلِكَ اكتفَيْتُ بِهَزّةِ رَأسٍ وَحَرَكَةٍ مِنَ الشِّفَاهِ مَا أخْرَجَتْ صَوْتًا وَلا أتمَّتْ مَعْنًى.
لَمْ تَمْضِ لحظاتٌ عَلَى جُلُوسِنَا حَتَّى بَادَرَ صَدِيقِي بالسُّؤَالِ الّذي كُنْتُ أخْشَاهُ! مِسْكيِنٌ مَن يُجِيبُ عَن هَذِهِ الأسْئَلَةِ، وَكَانَ الدَّوْرُ لِلأخِ الأصْغَرِ عَلَى مَا يَبْدُو. فَمَعَ أنَّ صَدِيقِي وَجَّهَ سُؤَالَهُ لِلأخِ الأكْبَرِ، سَارَعَ الصَّغِيرُ لِيُنْقِذَ أخَاهُ مِنْ تكْرَارِ قِصَّةٍ قَدْ يَكُونُ هُوَ نَفْسُهُ مَلَّ سَمَاعَهَا.
سُرَّ صَدِيقِي مِنْ كَثرَةِ التّفَاصِيلِ وَدِقَّتِهَا، وَكانَ يُظْهِرُ سُرُورَهُ بِإيْمَاءَةٍ مِنْ رَأسِهِ بَيْنَ الجُمْلَةِ وَالأخرَى، وَيَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الحَرَكاتِ قَد ضَايَقَتِ المُتَحَدِّثَ فَمَا صَحَوْتُ إلاّ وَقَدْ أنْهَى حَدِيثهُ بِشَكلٍ مُفَاجِئٍ..."وَبَعْدَ ذلكَ بِيَوْمَيْنِ تُوُفِّيَ".
"الله يِرْحَمُه! فَهُوَ قدْ تَرَكَ وَرَاءَهُ شِبْلاً، لا بَلْ أسَدًا يُرْكَنُ عَلَيهِ، وَمَنْ خَلّفَ مَا مَات". عَجِبْتُ مِنْ بَلاغَةِ صَدِيقِي، فَرغمَ أنِّي أعْرِفُهُ جَيِّدًا، أتَسَاءَلُ أحْيَانًا عمّا إذا كُنْتُ أعْطِيهِ التّقدِيرَ الّذي يَسْتَحِقُّهُ، فَهُوَ فِعْلاً بَلِيغٌ.
دَخَلَ شَابٌّ بِفَنَاجينِ القهْوَةِ السَّادَةِ وَقَدْ كُنْتُ بِحَاجَةٍ إلى رَشْفَةٍ مِنَ القَهْوَةِ تُصَحْصِحُ رَأسِي، فالوَقْتُ بَعْدَ الغَداءِ بِسَاعَةٍ، وَأنَا أشْعُرُ بِنُعَاسٍ دَاهَمَنِي في وَقْتٍ وَمَكَانٍ غَيْرِ مُلائِمَيْنِ. ارْتشفْتُ الرَّشْفَةَ الأولى، هَكَذا ظنَنْتُها، ولكنَّ شَفَتيّ أخْطَأتا حِسَابَ الكمِّيَةِ المَوْجُودَةِ داخِلَ الِفنْجَانِ وَدَرَجَةِ حَرَارَتِهَا، فَمَا شَعَرْتُ وإلا بِصَوْتِ رَشْفِ عَيّنةٍ منَ القهْوَةِ والكثيرِ منَ الهَوَاءِ يَخْرُجُ مِن فَمِي ومِن ثمَّ يَتَضَخَّمُ في تَجْويفِ الفِنْجَانِ العَرَبيِّ ليُصْبِحَ كَمَنْ يَرْشِفُ فَرَاغًا. التَقَطَتْ أُذُنَايَ الصّوْتَ قَبْلَ أنْ يَنْطَلِقَ بَيْنَ المُعَزِّيْنَ، فَسَارَعْتُ إلى إخْفائِهِ بِنَحْنَحَةٍ لا مَعْنَى لَهَا.
"يَوْمَ تُوُفِيّ حَيَاةُ الوَالِد، الله يِرْحَمُه" بَدَأ أحَدُ الحَاضِرِينَ، وَقُوبِلَ بِوَابِلٍ مِنَ "تْعِيشْ". غَريبَة "تْعِيشْ" هذِهِ! فَمَا إنْ تَسْمَعُ الآذانُ كَلِمَةَ "يِرْحَمُه" حَتَّى تَنْطَلِقُ الحَنَاجِرُ بِكَلِمَةِ "تْعِيش"، حتَّى مٍنْ أولئِكَ الذينَ لا يُتابِعُونَ تَفاصِيلَ الحَديثِ- "يِرْحَمُه... تْعِيش... يرْحَمُه... تْعِيش... تْعِيش... يِرْحَمُه" أوقَفتُ هَذِهِ المُحَاوَرَةَ السَّخِيفَةَ بَيْنِي وبينَ نَفسِي، لا بَلْ لُمْتُهَا، فأنَا هنا "للأخْذِ بالخاطِرِ" كَمَا يُسَمّونَهُ، للتَّعْزِيَةِ، وَمِنَ المَفْرُوضِ أنْ أشْعُرَ بالحُزْنِ، ولكن أيّ حزن هذا؟ سألتني نفسي.
نَظَرْتُ إلى الحَاضِرينَ فوَجَدْتُهُم مَأخُوذِينَ بِحَديثِ المُعَزِّي، وَتَخَيَّلْتُ الحَكَوَاتِي يَتَصَدَّرُ المَجْلٍسَ، والعُيُونُ وَالآذانُ مُنْصَبَّةٌ عَلَيْهِ تُتَابِعُ حَرَكاتِ يَدَيْهِ وَتَعَابيرَ وَجْهِهِ، أمَّا كَلمَاتُهُ فَكانَتْ تَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ بِسُرْعَةٍ تَحْسدُهُ عَليهَا مُذِيعَةُ أخْبَارٍ، وَفُوجِئْتُ مِن قَهْقَهَةٍ عَالِيَةٍ شَارَكَ فِيهَا بَاقِي المُعَزِّينَ بِاسْتِثنَاء أخِي الفَقيدِ الأصْغَرِ الّذي اكتَفَى بِابْتِسَامَةِ مُشَارَكَةٍ مُؤَدَّبَةٍ، مُجَارَاةً للمَوْقِفِ.
أنَا وَهُمْ... مَنْ أنَا؟ وَمَنْ هُمْ؟ لِمَاذا أنَا هُنَا أصْلاً؟ هَلْ كَانَ لا بُدَّ أنْ يُتَوَفَّى فُلانٌ حَتَّى نَجْتَمِعَ هُنَا؟ مَا هُوَ القِنَاعُ الّذي نَضَعُهُ في لِقائِنَا هَذا؟ وَكَيْفَ سَيتَغَيَّرُ حَالُنَا فِي لَحْظَةِ خُرُوجِنَا مِنَ العَزَاءِ؟ مَا هُوَ الدَّوْرُ الّذِي نُمَثِّلهُ في هَذِهِ اللحَظَاتِ؟
البارحة، أثناءَ مَوْكِبِ تَشْييعِ الجُثمَانِ، مَشيتُ وَرَاءَ النَّعْشِ عَلى بُعْدِ أمْتَارٍ مَعْدُودَةٍ كانَتْ كافِيَةً لِتَجْعَلَنِي آخرَ المُشيِّعِينَ. هُنا، في مُؤَخّرَةِ الَمْوكِبِ عَالَمٌ آخَرُ يَخْتلِفُ كلّـيًّا عَمَّا يَخْرُجُ في المُقدِّمَةِ مِنْ حَناجِرِ المُرَتّلِينَ، وَهُم يُصِرُّونَ عَلى كَسْرِ الثلْجِ كلَّ مَرَّةٍ يُرَدِّدُونَ "واجْعَلْنِي أبْيَض أكْثَر مِن الثلِج"، فَهُنَاكَ تَراتِيلُ، وبَعْضُ النَّشَازِ، ولكنَّ الجَوَّ جَوُّ جَنَازَةٍ.
أمَّا هُنَا، فَفُلانٌ يَسْألُ فُلانًا عَن "الكيرين بيتواح"، وعمّا إذا قَامَ فُلانٌ بِسَحْبِ تَوْفيرِهِ، فيُجيبُهُ فُلانٌ الآخرُ بِمُحَاضَرَةٍ عَنْ وَاجِبِ المُحَافَظَةِ عَلَى الأمْوَالِ في صُّنْدُوقِ التقاعد، خَاصَّةً في ظُرُوفِنَا الحَاضِرَةِ.
موسيقى لأم كلثوم انطلقت فجأة من جيب أحد المشيّعين فسارع إلى إسكاتها بفتح هاتفه وسط نظرات عتاب من مشيعّين مرافقين لقلة الذوق في إبقاء الخلويّ شغّالا في مثل هذا الموقف. قدّم المشيع تقريراً مفصّلاً لمستمعه ووعده، بعد خطوات عديدة، بأن يوافيه بالمزيد عندما يلتقيان. أطفأ المشيّع هاتفه- ربّما حفاظاً على حياة البطاريّة- وأعاده إلى جيبه، وفي نفس اللحظة، مشيّع آخر، أحد الموبّخين مذ لحظات، استلّ هاتفه استجابة لدغدغةٍ شَعَرَ بها منه، نظر إلى الرقم، وقرّر عدم الإجابة، فأعاده إلى بيته المصنوع من الجلد المزيّف.
صَدِيقانِ التقيَا بَعْدَ فِرَاقٍ طَويلٍ، فَكانَتْ ذِكْرَيَاتٌ، وكانَتْ أحَاديثُ، وأيَّامُ الدِّراسَةِ، والغَلاءُ الذي يَذْبَحُ، والوَضْعُ الاقتِصَادِيُّ، والحَالَةُ العَائِلِيَّةُ. لقَدْ سَمِعْتُ من التفَاصِيل ما يَكفِي لِكِتابَةِ سِيرَةِ حَيَاةٍ لِكلّ منهما، واسْتَمْتَعْتُ، ولَكِنَّني فَكَّرْتُ في سُخْرِيَةِ الحَيَاةِ الّتي جَمَعَتْ صَدِيقيْنِ بَعْدَ طُولِ غِيَابٍ بالذاتِ في رِحْلَةِ غِيَابِ ثالِثٍ.
إنْ كَانَتْ ذِكرَيَاتُ الصَّدِيقَيْنِ قَدْ أنْعَمَتْ مِسْمَعِي، واحْتَمَلتُهَا، فلَمْ يَكنْ بِوُسْعِي احْتِمَالُ صَوْتِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الّذي كانَ يَسيرُ عَنْ يَمِيني، كَهْل في السَّتينيّاتِ رَغِبَ أنْ يُشارِكَ المُرَتّلِينَ في مُقَدِّمَةِ المَوْكِبِ، لكِنَّهُ اسْتَبْعَدَ المَسَافَةَ، مَعَ قِصَرِهَا، وقرَّرَ أنْ يَدعَمَهُمْ مِنَ الخَلْفِ، فَأخَذَ يُرَتّلُ بِنَغَمَاتٍ كَأنَّهَا اشتُقَّتْ مِنْ لَحْنٍ آخَرَ مُخْتَلِفٍ كُلّـيًّا. ومِمَّا زَادَ مِن نَشَازِ المَوْقِفِ أنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ كُلَّ كلِمَتيْنِ مُرَتّلَتيْنِ بِسُعَالٍ مَوْبُوءٍ تُصَاحِبُهُ حَشْرَجَةٌ تَتَخَبَّطُ في صَدْرِهِ، فَمَا إنْ تَصِل إلى قَعْرِ فَمِهِ حَتّى تَكون قَدْ جَذَبَتْ مَعَها ما صَادَفَتْهُ مِن قَاذوراتٍ، فَيَخْرُج السُّعَالُ كُتلةً لَزِجَةً كَريهَة كانَ يُسَارِعُ إلى بَصْقِهَا على جانِبِ الطّرِيقِ، وفي كُلِّ مَرَّةٍ كانَ يُوَجِّهُ ضَرْبَتَهُ إلى زاوِيَةٍ مختلفة، ما جعل المُشَيِّعينَ يتقافزون بِخِفَّةِ رِيَاضِيٍّ مُتَمَرِّسٍ، خشْيَةَ أنْ يُصيبَهُمْ رَذاذُ مَطَرٍ بَشَرِيٍّ في يَوْمٍ خلت سماؤه حتى من غيوم كاذبة لا تحمل المطر.
عِندَمَا وَصَلَ المَوْكِبُ إلى المَقْبَرَةِ، صَمَتَتِ الألْسُنُ وَتَجَمَّعَ أهْلُ الفَقِيدِ وأقارِبُهُ حَوْلَ صَلوَاتِ كاهِنٍ وَقفَ أمَامَ قبْرٍ حُفِرَ حَدِيثًا، بَيْنَمَا ذهَبَ سائرُ المُشيِّعِينَ لِيَسْتَغِلُّوا فرْصَةَ وُجُودِهِم في المَقبَرَةِ لكي يَزُورُوا مَعَارِفَ سَبَقُوهُم في رِحْلَةِ الغِيَابِ، كلُّ مَجْمُوعَةٍ لِمَقبَرَةِ طائِفتِهَا، المَوَارِنة واللاتين والكاثوليك، أمّا الرّومُ والمُسْلِمونَ فكانَت مَقَابِرُ مَوْتاهُم بَعِيدَةً، ولم يَتَمَكّنوُا مِنْ ضَرْبِ عُصْفُورَيْنِ بِحَجَرٍ كَمَا فَعَلَ سائرُ المُشَيّعِينَ.
نَبَتتْ في مُخَيِّلتي صُورَةٌ لِمِقابِرِ أورُوبا، ولكنّي أبَيْتُ الُمقارَنَةَ، وقُمْتُ بِدَفْنِهَا لحْظَةَ وِلادَتِها، فالشّرْقُ شَرْقٌ، والغَرْبُ غَرْبٌ ولِكُلِّ شَعْبٍ مَنَازِلُ ومَقابِرُ يَسْكنُها في حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ.
هَكَذا كَانَ في الأمْسِ، وها نَحْنُ هُنا اليَوْمَ، نأخُذُ بِخَاطِرِ فُلانٍ وفلانٍ وفلانٍ، وأنا هنا الآنَ، اجْلِسُ في زاوِيَتِي، أتابِعُ الأحَاديثَ والقِصَصَ، تتّصِلُ وتنقطعُ كُلَّمَا دَخَلَ مُعَزٍّ آخَرُ. اسْتمَرَّتِ الحِكايَاتُ، وَأُقيمَ أمْواتٌ مِنْ قبُورِهِمِ، واسْتُرْجِعَتْ تفاصِيلُ حَيَاةِ أشْخَاصٍ غادَرُوهَا مُنْذُ عُقودٍ.
دَخَلَ مُعَزِّيَانِ آخَرَانِ الدّيوانَ، فأخْليْتُ أنا وَصَدِيقي مَقاعِدَنَا، واخْتلَطَتْ "الله يِرْحَمُه" وَ "يخلّي عمَارْكُم" بـِ "تْعِيشْ" من جديد. ومَعَ ابتَعادَنا، سَمِعْتُ السُّؤالَ يُطْرَحُ مِنْ جَديدٍ، وَكانَ دَوْرُ ابنِ الفقيدِ الأوسط، هذِهِ المرَّة، لِيُحَدِّثَ الوَاصِلينَ الجُدُدَ بِما حَدَثَ.
أثنَاءَ مُغَادَرَتِنَا، مَرَرْنَا قرْبَ دِيوانِ النِّسَاءِ... صَمْتٌ، وَصَمْتٌ، وَصَمْتٌ – عُيُونٌ تَنْظُرُ، وأخرى تراقِبُ، وقلوبٌ تثرْثِرُ.