زَاوِيَة نَظر

حنا جبران قرأها 1,256

زَاوِيَة نَظر 

في يوم رسامته الكهنوتية قابلته. مع انتهاء مراسيم الاحتفال، تقدّمت منه وجثوت على ركبتي، وقبلت كُمَّهُ الذي كان ما زال يحمل آثارًا من الزيت المعطر الذي استُعمل في تلك المناسبة المقدسة.

رفعت رأسي ونظرت إليه وجهًا لصدر. كانت مساحة الصدر أمامي تكشف منطقة واسعة من الثوب بتعرّجاته الأنيقة، وبانسداله البريء المتحدّي الذي كشف نفسه أمام العالم صارخًا: من كان منكم بلا خطيئة، فليبدأ وليرمني بسهم.

كان الثوب متماسكًا، أمام عيني أظهر تراصًّا لقماش لم أعهده بحياتي، رغم أنني لست خبير قماش. كان الثوب مخيطًا، وكانت هناك خيوط طول وخيوط عرض، ولكن لُحْمتَها كانت مُحْكمة لدرجة منعت حتى الضوءَ من اختراقها. كانت تلك الثقوبُ البنية أعظمَ جاذبيةً من تلك السوداء في كوننا.

حاولت أن أجد زاوية أتمكن عبْرها من سَبْرِ غور الثوب ولو لميكرومترات معدودات، ولكن الثوبَ صدّني بحداثة صنعه، وبلونه البني اللامع المميز، وبتلك الطبقة المتماوجة من أطراف خيوط غير مرئية، كالنّدى يغطي الحقولَ في فجر يومٍ أخضر، فيجمع عِطْرَ الترابِ ورحيقَ الهواءِ ولهوَ الضوءِ وبريقَ الماءِ وتماوُجَ نارِ شمعةٍ خاشعةٍ على زاويةِ مذبح.

نظراتي الثاقبة عادة ارتدّت إلي بابتسامة، وكان هناك فرحٌ، وكان هناك اعتزازٌ، وكان هناك وقعُ خطواتٍ ثابتةٍ تهزّ الأرضَ وتعلن: أنا صوتٌ صارخٌ في البريّة، أعدّوا طريقَ الربّ!

ابتعدتُ، قبّلتُ، ودّعتُ وأفسحتُ الطريقَ للثوبِ أمامي. غادَرَ الثوبُ واعتلى درجاتٍ رخاميةً بيضاءَ وتلاشى.

وُلدَت سُنون، وَوَلّت سنون، وكنتُ ألتقي أحيانًا به، ثوبًا أنيقًا مميّزًا صنع لنفسه تاريخًا، وكوّن لنفسه مسارًا، وجمع حولَه مؤمنينَ يتبعونه، حيثما سار، ويتجمعون حولَ دائرتَي قطبَيهِ المغناطيسيّتين عن يسارِهِ ويمينه، دائمًا هناك، فلا أحد يسبقه، تبجيلاً واحترامًا، ولا أحد يسير خلفه مباشرة، فالثوبُ كالسّهمِ يخترق الفضاءَ ويبعثر الزمانَ يمنةً ويسرةً.

وصلتني دعوةٌ للمشاركة باليوبيل الفضي للثوب، لكنني لم أذهبْ، وشاركتُ عن بعد ومن عَلٍ بنظرة بانورامية حين انتهى الاحتفالُ وخرجتِ الجموعُ مهنئة الثوبَ من جديد بمسيرة ربعِ القرن. ومن حيث وقفتُ، شاهدتُ الثوبَ واقفًا، ربّما مع انحناءة بسيطةٍ بأعلى ظهرِه، وكان يخاطبُ مهنّئيه الذين تجمّعوا حولَ قُطبِهِ اليساريّ واليمينيّ، وكانت مقدّمتُه ومؤخّرتُه فارغتين من المهنّئين.

انقطعت أخبارُهُ عنّي لمدة سنواتٍ خمس، وما وصَلني- من حديثٍ عفويٍّ صَدَرَ عن أثواب أخرى تعرفُهُ- أنّه، لبعض من تلك الفترة، نُقِلَ إلى ديرٍ صحراويٍّ يسكنه ثوبانِ لا غير.

يوم الخميس الماضي قابلته عنوةً، عندما كنت عائدًا إلى مكان عملي قرب مكتب البريد. كنت أودّ الاتّصالَ بزميلِ مقْعَدٍ وصلَ من الخارج لزيارة أمّه، وقد أخرجت هاتفي من جيبي. في تلك اللحظةِ على وجه التحديد، دخلَ زاويةَ نظرِ عيني اليسرى ثوبٌ مألوفٌ، فما كدت أرفعها عن الهاتف حتّى رأيت كُمًّا يلوّح لي من مسافةِ أمتار معدودات.

كرِهتُ نفسي لِما فعلت: قفزتُ باتجاه الكُمِّ الملوّح، فمزقّتْ طبلةَ أذني صرخةُ فراملِ سيارةٍ لصبيّةٍ كانت في تلك اللحظة تتقدّمُ إلى امتحان للحصول على رخصةِ قِيادة. لا أظنُّ أنَّ نظرةَ اعتذارٍ لأديبٍ حائزٍ على جائزة نوبل كان يمكنها أن تكون أكثر تعبيرًا من نظرتها إليّ بلحظة عتاب سرمديّة متسائلة بحق وببساطة: لماذا؟ أأشرح لها أنّ لِكُمِّ الثوبِ صلاحيةً على الشارع كَكُمِّ الشرطيّ؟! لن تفهم.

وصلتُ إلى الثوب الذي لم أقابلْه عن قرب منذ نحو الثلاثين عامًا. سلًّمت عليه، ومن بابِ المجاملةِ ضغطت على طرفِ كُمّه، وبدأ الثوبُ يتحدث، فانغلقت آذاني واستقرّت عيناي على صدرِهِ أمامي. أعرفُهُ جيّدًا ذلكَ الثوبَ. كيف لا؟! لقد لمسته بناظريّ، وجُلت في ثناياه، وشمَمْتُ نسيجَهُ وسمِعْتُ همسَ خيوطِهِ، وخاطبَتْ مساماتي مساماتِهِ في ذلك اليوم. أجل، إنّه هو.

كنت على بعد سنتيمترات قليلة من صدره، ولكنّنا كنّا كلانا واقفَيْن هذهِ المرة، الواحدَ مقابلَ الآخر. كانت زاوية نظري مستقيمة؛ الثوبُ أمامي، الصدرُ أمامي. "واو" – ليس فقط نظري، ولكن كان يمكن لعينيّ أن تدخلا من فراغ إحدى المربّعات القماشيّة التي عرضَت نفسَها أمامي بخيوطٍ مهترئة مترهّلةٍ تكاد لا تحافظُ على استقامَتِها. ماذا حدث لذلك الاصطفافِ المحْكَمِ يا ثوبُ؟

ما هذا الذي خلفَ الثوب! "واو" مرة أخرى! أيمكن لنظرةٍ مستقيمةٍ أن تَرَى كلَّ ذلك؟ ما هذه الخيوطُ المتشابكة في الداخلِ بسوادٍ وبياض؟ إنّها تبدو كالشُّعَيْرات! أذلك فتاتُ خبزٍ متعفّنٍ جاثمٌ على زاويةِ ذلك المربّع؟ أحَلمَة صدرٍ تلك المتدلية فوق ذلك الخيط؟ وما آثار تلك الخدوشِ التي بين المربّعِ الثالثِ والسادسِ من العمودِ الخامس؟ وهل تلك الورقة النقديّة المطوية عالقةٌ بين خيوطِ المربّع فلم تتمكّنْ من الوصولِ إلى صندوقِ الكنيسة؟ لا ريب أنّ استقامَتي تخدعُني! أتلك آثارُ أسنانٍ قربَ كتفِكَ اليسرى؟

قطعَتْ حبلَ نظري امرأةٌ وقفت قربَ الثوبِ وأجبرته على الالتفاف قليلاً ليسلّم عليها، ومع تغييرِ زاويةِ الثوبِ تغيّر المنظرُ أمامي. لم أعُدْ أرى الفتحاتِ الكبيرة. فجأة ظهر تراصُّ القماشِ من جديد، فرغم أنّي كنتُ أنظرُ بزاويةٍ حادّةٍ إلى الثوب، بدا القماش وكأنّهُ يعتصِرُ حياةً جديدةً. كلُّ شيء اختفى!

أجَلْتُ نظري لأصِلَ إلى الجهةِ الأخرى من الثوب، لعلّي أستعيدُ ما رأيت. أرخَيْتُ عضلاتِ وجهي ونظرتُ بزاويةٍ منفرجةٍ إلى تلك الناحيةِ منه. نفسُ المهارةِ بالإخفاءِ والعرض! "واو" مرة ثالثة!

وقفتُ مباشرةً خلفَ الثوبِ وهو يخاطبُ السيدة، ففضلت عندها أن أعيدَ أقدامي إلى موطئِها السابقِ لأرى وجهَهَا. لم تكن فائقةَ الجمال، ولكنَّ أيَّ إنسانٍ سيكونُ أكثرَ جمالاً لو قورِنَ بما يخبَأه ظهرُ ثوبٍ إذا نظرتَ إليه بزاويةٍ مستقيمة.

اعتذرْتُ، وتابعْتُ طريقي وأنا أفكّرُ بحكمةِ الثوب، أو ربّما باختيارِنا، نحنُ الناظرين، لزاويةِ النظر.

في بدايةِ طريقِهِ كانت الاستقامةُ هي زاوية النظرِ التي كشفت متانته وجماليته، لا بل قداسته.

مع تهافت الزمن، اتّسعت الفتحاتُ، فتعاملت الخيوطُ مع ضوء الشمس، ورطوبة ِالليل، وعفونةِ الظلام. ترهلّت، وانحنت، وتآكلت، ولم تعد قادرة على تكوين ضلع مستوٍ، فتقوّسَتْ، وتخلخلت خيوطُها، فابتعدت عن بعضِها، وكَبرَ حجمُها نتيجة الفراغ الذي أحدثته بينَها، ولم تعد قادرة على منعِ الضوء، أو العالمِ، من الدخول، ولم تعد استقامتُها تنفعُها لتغطية داخلِها.

لكنّنا، نحن أيضًا، انحرفنا بزاويةِ نظرنا. فمنّا من اختار الحدّةَ بزاوية نظرِهِ، ومنا من اختارَ الانفراجَ، فنظرنا من الجوانب، فلم نرَ سوى ما أردْنا رؤيتَهُ من تلك الزوايا: ثوبٌ جليلٌ مَهيبٌ وَخَطَتْ خِبْرَةُ الحياة نسيجَه فحوّلته إلى مقرِّ حكمةٍ أزليةٍ.

انعطفْتُ باتّجاهِ شارعِ البنك، فرأيْتُ مقابلي سيارةَ الممتحِن والفتاةَ تتقدّم نحوي. كانت زاويةُ نظري مستقيمة، ومع أني اشتمَمْتُ نوعًا من الحدّة في نظرةِ الفتاة، إلاّ أنني لمسْتُ الانفراجَ في قرارِ الممتحِن.

جمدْتُ في مكاني، وبيدي التي لا تحمل الهاتف، أمسَكْتُ بكتفِ طفلٍ كاد يعبرُ الشارعَ نحوَ الرصيفِ المقابل.

شكرتني بزاويةِ نظرٍ حادّة، ولكن هذه المرّة بدون حدّة، وعادتْ لتنظرَ إلى المرآة أمامَها باستقامة، فانفتحت الطريقُ أمامَها وانكشفت خلفَها، واستمرَّت بين الفينةِ والأخرى تنظرُ إلى المرايا الجانبية، تارةً بحدّةً، وتارة بانفراج.