الشعر بيت الحقيقة

ندى عيد قرأها 819

الشعر بيت الحقيقة

«الشعر بيت الحقيقة»، كلام قاله لي الشاعر فؤاد رفقة، منذ أكثر من خمس عشرة سنة، يوم كنت أجري معه مقابلة في مكتبه داخل حرم الجامعة اللبنانية ـ الأمريكية، في شارع قريطم (أحد شوارع منطقة الحمراء البيروتية) الذي ذاع صيته بعد أن اختاره الرئيس الراحل رفيق الحريري ليسكن فيه.

فؤاد رفقة الذي ورد اسمه في موسوعة أهم خمسمئة شاعر في القرن العشرين، قال هذا الكلام رداً على سؤال حول ما يُتهم به الشعراء، من بُعد عن الواقع وانقطاع عن حقيقة ما يجري حولهم، وعيشهم في نوع من السفر أو «التحليق» البعيد عن تفاصيل الحياة اليومية، وأرض الواقع المليئة بالشوائب. يومها ابتسم رفقة وقال: «الشعر هو بيت الحقيقة، والشعراء هم ثوار العالم ومغيرو وجه الأرض»...

عادت إلي كلمات هذا الشاعر وأنا أقرأ خبر اعتذار الحكومة الإسبانية من الشاعر ميغيل أرناندث، وتقديمها شهادة اعتراف له، بعد مضي 70 عاماً على وفاته في أحد سجون فرانكو، نتيجة المرض في العام 1942، بعد سجنه والحكم عليه بالإعدام.

الشاعر ميغيل أرناندث كان من أبرز معارضي الجنرال فرانكو، وعمل على إنهاء حكمه، فكتب وحارب ولم يوفر وسيلة لوضع حد لحكم الجنرال المستبد، وكانت النتيجة ملاحقته مع أفراد عائلته، ومعاناة طويلة انتهت به في السجن، وصدور حكم بالإعدام في حقه تأجل تنفيذه نتيجة مرضه، الذي كان السبب المباشر لوفاته.

الشاعر ماركوس آنا، صديق أرناندث، دأب منذ العام 1960 على المطالبة برد اعتبار صديقه، وشارك في الاحتفال إلى جانب شخصيات رسمية وأدبية، اجتمعت لتقديم الاعتذار لحفيدة الشاعر التي نابت عنه مع زوجة ابنه، وتسلمتا إسقاطاً للأحكام الصادرة بحقه، وشهادات تقدير واعتذار، واعترافاً رسمياً بفضله وبشاعريته، مع إصدار توصيات بإقامة احتفالات في الذكرى المئوية لولادته، وإقامة معارض ومحاضرات في مختلف أنحاء إسبانيا، على رغم الأصوات المعارضة لهذا النوع من الاحتفالات على اعتبار أنها غير ضرورية، وردّ نائبة رئيس الوزراء بقولها: هذه الاحتفالات ضرورية ومستعجلة أيضاً.

بعد سبعين عاماً اكتشفت الحكومة الإسبانية أن الشاعر كان على حق، وكانت عندها الجرأة بأن تعترف وتعتذر.. فالشعر هو حقاً بيت الحقيقة.. والحقيقة قلب الحرية، والشعراء حراسها في كل زمان ومكان.