جوزف أبي ضاهر مؤرخًا الياس الفرّان: ذاكرة وفيّة للزجل اللبناني وأعلامه

ندى عيد قرأها 671
  

من دفتر ذاكرة وفيّة لأعلام لمعوا في سماء الشعر الزجلي اللبناني يتكوّن الكتاب الرابع، للشاعر والباحث والرسام جوزف أبي ضاهر عن عَلَم برز في بداية الزجل وتفوّق، وتصدّر «مناسبات القول» ثم هاجر هربًا من ظلم السلطنة العثمانية ليستقر في أميركا حيث أولاده الخمسة، متابعًا التحريض على الاستعمار والمستعمرين في زجله، وقد أصدر بعضه في أربعة كتب، لم يهمل فيها التصرّف إلى الغزل والطرائف والمراسلات، إضافة إلى نشر أزجال في جريدة «الهدى» النيويوركية وصحف مهجرية أخرى.

الكتاب عن الياس الفرّان يحمل عنوان «سلوى الهموم والغربة» في سلسلة الشعر اللبناني التي تولّت جامعة الروح القدس في الكسليك إصدارها عن دار فينكس التابعة لها. وأوكلت إلى الشاعر أبي ضاهر مهمة البحث عن الأسماء الكبيرة التي توارت وراء ضباب الزمن الكثيف والآخذ في محو حضورها على أهميته في تاريخ الشعر اللبناني المحكي. وما جاء في إشارة الباحث في أول الكتاب يؤكد الهدف من هذه المنشورات إذ يقول: "هذا الكتاب وما سبقه وما سيليه... عودة الى الجذور في الزجل اللبناني. والجذور، دائمًا، ملتصقة بالتراب، وبرواسب ما فوق التراب، وما تحته. تبعث حياة، وتؤسس لولادات وزهر وثمر. لذا، فالكلام على الأصل، ينطلق من موقعه وواقعه، زمانًا وثقافة. وتحديد قيمته يكون استنادًا الى ذلك، مع مقارنةٍ لما كان، وشابه".

ويضيف: "هذه السلسلة من الكتب، عن أعلام في زمنهم، ومنهم ننطلق، مرافقين تطورًا في الشكل والمضمون والأسلوب، أوصل الى حاضر تصفّى، وأصبح زجله على صورة القوّال وثقافته، أما موهبته فهي فطريّة، أخذت من الخاص، ومن العام، ما أهّلها للارتفاع بزجلٍ شهد في أواخر القرن الماضي نهضة، بدأ وهجها يضعف، نتيجة إهمال شبه عام، بفن شعبي، هو علامة مميّزة في هويتنا الثقافية".

***

وفي عودة الى الكتاب الجديد، وقبل التوقف عند مضمونه لغة ومعالجة، لا بدّ من الاشارة الى لباقة الباحث وحسن سرده لأحداث، شكلت مفارق مهمة في حياة الشاعر المروية، وقد يختلف معناها كثيراً لمن يعيشون في العام 2010، لكن الإطار العام الذي وضعه ابي ضاهر للأحداث قرّبنا منها، مغلّفاً إيّاها بهالة من المحبة التي تتغاضى عن السطحية لتبرز الجميل والمشوق.  

وكما في كتب السلسلة الثلاثة السابقة، (الرئيس أيوب تابت شاعر الوديّ، الخوري لويس الفغالي شمس المعنّى، وأسعد الخوري الفغالي شحرور الوادي والمنبر) لم يقع أبي ضاهر في المحظور، إذ خلت معالجته لسير الشعراء من أمرين: المبالغة في الإيجابية او التقليل من الأهمية، فبقي على مسافة من الجميع ولم يقرب التبجيل ولا الانتقاص، بل قدم لنا المادة متوازنة، نظيفة وبلغة أكثر من جميلة، كل ذلك في أفضل إطار، تاركاً للقارئ حرية إصدار حكمه الخاص بعد سرد وقائع حياة الشاعر وظروفه، ثم عينات من أشعاره مقسمة حسب المناسبات التي أفضت الى ولادتها.

***

في كلامه على الياس الفران، يقول جوزف أبي ضاهر:

"الياس الفران شخصية ثائرة متمردة زادتها شاعريّته تفوّقًا وقوّة، وصلتا الى حدّ الإدهاش، فما ذُكر اسمه مرّة إلاّ مقرونًا بالإعجاب والتقدير والمهابة.

وُصف بأنه أشعر شعراء عصره، وعزّزت شهرته قريحة لا تنضب، وحجّة لا تُواجه، وسطوة في الارتجال تُربك القوّال "الخصم"، وللمواجهة معه تُحسب كل الحسابات، وتحضّر كل الاحتمالات المشرّعة على المفاجآت".

***

يكمل الشاعر أبي ضاهر تحديد هويّة الفرّان (المولود في دير قوبل سنة 1858، والمتوفي في أميركا سنة 1921) يقول:

"هو إبن الفطرة والعلم، كان بين القلّة في شعراء جيله. اعتمد في أسلوب خاص به، فريد، قافية ترتكز على الأحرف الثلاثة الأخيرة، وتشهد على ذلك قصيدة نظمها أبان الحرب العالمية الأولى(1914 ـ 1918)، منها:

بني الأوطـان لـو كنّا فطنَّا        ما كنّا بْديـرة الغربة قطنّـا

لازم تعرفو  الـواجب علينا        وين ما نكون ما ننسى وطنّا

اقترب من البلاغة على يسر وسلاسة ودقّة، في كل ما قاله وغنّاه وكتبه، من: وطنيّات، اجتماعيّات، حِكَم، مديح، رثاء، هجاء، فخر، وصف، غزل، فكاهة ومراسلة كان لها في زجله مكان الصدارة، وبخاصة بعد هجرة، ما استطاعت، على قساوتها، أن تنسي رفاقه وعشّاق زجله حضوره الغني بينهم.

كذلك أتقن تدوين أزجاله، خوفًا من ضياع، أو إهمال، أو تحريف من قبل رواةٍ، قد تضعف ذاكرتهم، فيغيّر الأصل في غبَش صورة جديدة، تقلّل من نبض قائله. علمًا أن ما قاله من زجل، في مطلع القرن الماضي، ما زال يردّد الى اليوم على ألسنة العامّة، في معظم قرى لبنان، ومدنه".

***

إن هذه السلسة المهمة التي أطلقتها جامعة الروح القدس في الكسليك متعاونة مع أحد أبرز المهتمين بالزجل اللبناني الباحث الشاعر جوزف أبي ضاهر، ضمن إطار "بيروت عاصمة عالمية للكتاب"، وبالتعاون مع وزارة الثقافة، تؤرّخ لرافدٍ أساس في ثقافتنا الشعبية، وستشكل ـ حين اكتمالها ـ منهجًا لدرس الزجل وأعلامه وزمنهم، وتأثيرهم في الناس... وحفظ إرثهم من البعثرة والضياع.