هزيمة ذاكرة

سوزان ضوّ صايغ قرأها 670
  

هزيمة ذاكرة

سوزان ضو صايغ

untitled.JPG

على غفلة من انتظاري المقيّد إلى سلاسل ترقّب الوقت المناسب، هشّم الموت صفحة بيضاء من تاريخ مُثقل بالثياب السوداء.

كان الموعد مؤجّلاً إلى إشعار آخر، فإذا بـ"الآخر" يرتدي جلبابه الأسود ويقدّم أوراق اعتماده على نافذة الإشعار بالتنفيذ.

تسألني أيّة مشاعر تتملّكني الآن؟ جوابي بسيط: شعورٌ بالنقص... نَقُصَ عالمي قلباً أحبّني.

تستطرد بسؤال أنْ كيف عرفت أنّه أحبّني بصدق؟ ببساطة تشبه جواب طفل: عرفت...

من ذاكرتها التي تناثرها النسيان ولم يسقط صوتي، عرفت. عرفت من عينيها اللّتين سكنهما سؤال صفع آذان الجميع: "من أنتم"،  ولم تَغِبْ عنهما صورتي ولا وجه صغيرتي.

وحدها المسافات أقامت بيننا سوراً تهدّم مع كلّ خليّة من ذاكرتها، وها أنا اليوم أحمل حزني ووقتي الغارق بذكرياتها وأعبر الطريق التي، للمرّة الأخيرة، توصلني إليها.

أهي تنتظرني كالعادة على شرفتها أم انّ مواسم البركة أقفلت برحيلها الشبابيك؟

أتكون الحكاية كذبة فتفتح الباب وتستقبلني خلايا ذاكرتها النّاجية من مرض النسيان؟

وأعرف أن ليس سوى ظلال الموت ترفّ لاستقبالي على شرفة اليوم. أعرف أنّ يديَّ لن تحتضنا أكثر من برودة يديها ولن يصيب شفتاي أكثر من ألم قبلة أخيرة قرّرت الإقامة النهائيّة على جبينها.

إليها أذهب، أحمل جرار حزني لأملأها من مؤونة غيابها وأضيفها إلى زيت قنديل كان انطفأ قبل وصول الفجر.

في غفلة عن حقيقة رحيلها أذهب إليها، أحاول تخطّي سياج الموت وعبور أسواره لأقف على مشارف قلبها، إبنة لم تلدها.

وحده حضورك، مهما كان وجيزاً، يمسح عن جبيني آخر الانكسارات.

عالمي تهجره القلوب الحبيبة مثل رفّ طيور مهاجرة، وكثير من الحزن يتربّص بما تبقّى من أيّام، فلا تطل الغياب... أنتظرك.