الغياب الأبيض

سلام كنجو قرأها 968
 

الغياب الأبيض

سلام كنجو

علمها حبَّ الأسْود وأخذ منها باقي الألوان، ولطالما أنبأها حدسها أن هذا السواد سينتهي بها لتبقى الغريبة الأقرب لعالمه المؤثث بالصمت والسواد... هو شاعر اللون لذلك لم تختر لغيابه الأسود. بالأبيض أقبلت، وعلى عتبة باب طوى خلفه جنون الحب وقفت تشيع أمسها وتشيع حلماً كفنته بالياسمين...

أشياؤه المرتبة بريشة فنان،

بعثرتها نوح أوراق ممزقة على عتبات المكان...

أشياؤه المرتبة ترتيباً يستقطر الشجن، يستوقف الزمن،

عند صورة الغياب...

كل شيء أحبها – من أول زمانهما معاً - يجلس في نفس المكان، غافياً مطمئناً...

فناجين القهوة السوداء المذهبة... وعطره،

والمكتبة... وكرسي الخيزران،

والمرسم، واللوحات الفارغة من عزف يديه، وبقايا من علب الألوان...

* * *

لم يأخذ شيئاً من الأشياء المحببة لقلبه أو قلبها...

أشياء كانت تحتفي بحضورها

كم خذلتها أناقة المكان بعده... وبعدها.

* * *

أمس جاءته حاملة عمرها بدفتر مذكراتها الأسود الصغير

في حناياه خبأت له أجمل ما لملمته من قصائد على اتساع حبهما القصير

كان الوقت يتسلى معها حين كانت ترتب له باقات الشعر في دفترها الأسود الصغير

لم يحتفِ بفراشة من نور حضرت لموعده الأخير

حملت له كل ما أسعفتها به السماء من أقمار رغم جرحها الكبير

لم تدر أسباب خيار الرحيل ولم تسأل كان مغلقاً في وجهه باب الأجوبة

كان مشغولاً عنها يعد لوحاته لرحيله الأخير

كان يعد حقائب الغياب عن قلبها، وقهوة اللا رجوع

بحزن التراب بعد انتهاء الحروب... كانت ترمقه عيون من في المكتبة.

* * *

عرفته رساماً يطلّع الفرح من قاع الجرح الساكن في القلب

حيث حتى لون الفجر يمزجه بالأسود

ويرصع بالغيوم الداكنة سماء الحب

كما يعشق مزج الرحيل مع اللاوصول...

* * *

تذكرت...

على شواطئ عينيه رست صدفة منذ عصور آتية من زمن الدخان

كانت تفتش عن جزر الأمان...

وبدونها وبدون صوتها أو عطرها،

والياسمين الذي كان يوقظه ولا ينام إلا في عينيه

أبحر صوب اللاعنوان...

* * *

كانت خيوط من بقايا ذكراه تلوح في سماء شرودها الشاهقة الأحلام

كشعاع الضوء الأخير قبل وصول الليل

كطير حمام متعب سقط شال السلام عن كتفها وانطفأ الكلام.

* * *

لماذا أخذ الألوان الما أحبها في يوم وترك لي أسوده ؟

لماذا توقف عن الهطول على سنابل فرحي به ؟

لمن أزهر من بعده أيتها الأيام ؟

* * *

على حافة النسيان اتكأت مع الصباح

تلملم ما تبقى من عمرها المشلوح على مفرق الشك والإيمان

من عشقها المبعثر فوق وديان العمر أسئلة لحكيم الريح

ودندنت بلحن حزين (بكرا إنت وجايي رح زين الريح)...

* * *

للغياب صهيل لا يسمعه إلا الناسك في دير الانتظار

وما تبقّى من القلب بعدك

قد فرغت مني وامتلأت بك

قد تلونت بنورك وأنا أعبر بك

قد أضعت لغة سنيني حين تعلمت القراءة في يدك

ألغيها وألغيني... يا أيها المستوطن في مدن حنيني

يحن حنيني إليك

وينأى بي نسياني عن نسيانك

أنا لا أفكر باغتيالك... يا من تريد تهجيري عن لوحاتك

أنا لا أفكر في اقتلاع ذكرى غيابك... يا من غربتني عن ذاتك

يا من زرعت عالمي بحبق الجنات

أعلم قاع الألم حين تصير الغربة جدراناً بين المكان وبين الذات

باقية أنا... هنا

في هذا المكان الذي ضم الأنت والأنا

باقية أنا... هنا

إلى أن تعود من ترحالك صوب ذاتك

باقية أنا... هنا

سجادة صلاة تصلي حتى يغادر الأسود إيمانك.

ويعود الإيمان ليسكن ألوانك.

وتعرف في آخر الترحال أن نور ذاتك،

طوال الوقت كان هنا... كان مخبوءاً تحت غبار أسودك.

* * *

كم أحببتك في حضورك وكم سأحبك في غيابك...

سوادك الساكن في أشيائك هو ظل وجودك...

يا نصفي الما عرف أنه أنا... ستعلم يوماً أني الوجه الآخر لذاتك.

* * *

أنا من قبل تكون البحور... كتبت عهدي على أطراف السماء

أنْ كلما عصفت بي رياح الحزن و الشك والجور

تناسلتُ حقولاً من حب ومن فرح ووفاء...

باقية أنا هنا حتى آخر زمن الماء...

بالأبيض سوف أزهر،

مهما تآمر علي سواد الأشياء.