بين صورتك... وصورهم، أشتاقك أكثر
بين صورتك... وصورهم، أشتاقك أكثر
سوزان ضوّ صايغ
ثوانٍ معدودة قبيل إعلان ورقتي البيضاء استسلامها لآلام نزف غيابك، قرّرت قراءة الرسالة.
رسالة من صديقة امتهنت الإيمان بالوطن، والمقاومة، والحريّة-الكذبة التي أطلقناها ذات تاريخ، وصدّقناها.
منذ غيابها مرّ فصل من نعاس الشوق بيننا، فقررتُ تنشّق أريج كلماتها علّني أصحو من كبوة البرودة.
لم أستبق مفاجأة الصدمة بتحضير عينيّ لهول عاصفة ستكدّس ملح الدّمع فوق رموشي لأزمان آتية. ولم أدرك أن الغياب يأتي مرّات ملوّناً بأحزان تتخطّى بطوفانها حدود البحيرات الآمنة لتتحوّل إلى محيطات دمع ودماء.
لم أكن أفرّق بين انتصار وآخر حتى أدركت أن قوّتنا تكمن في انتصارنا على الأقوياء. فكم من رابح بيننا؟ نحن المهلّلين بالنصر يومياً!
يهبنا الأطفال الدفء بدون مقابل، يحتضنوننا بمحبّتهم حين نتباهى بأننا نعطيهم أكثر!! فكيف، أمام براءتهم، نحارب عدواً بحجم الموت؟
هكذا أمام رسالة صديقتي، وجدتني منزوعة السلاح، عارية العواطف، مجمّدة الأحاسيس وسؤالي واحد: كيف تقترف الإنسانية ذلك باسم التقنيّة المستحدثة لحماية الجنس البشري؟
شربني الجهل المرّ ولم يرتوِ؛ تناولني الحزن العقيم ولم ينجب إلاّ حزناً أكبر؛ التحفني الغضب المتواري تحت طاولة الإجرام، في وليمة واحدة أطباقها جثث محترقة وعيون مشدوهة من هول ما وقعت عليه.
بصمتٍ مهيب اجتاز الخوف لحظات الحزن بخطى الواثق ممّا يعرف، أسقط الأسوار، دخل عالمي الأبيض، لوّنه بخطوط تهجم من سماء كانت مرصودة للمطر والخيرات، فإذا بها على مرأى من عين الحضارة تستحيل فضاءً مشرّعاً لآلات القتل والدّمار. تبعثرت أشلاؤهم على أرض الحلم، قطّعته ونثرته على امتداد أوطان مقيمة فوق بساط الصمت القاتل.
مجموعة صور أسقطت إيماني بالانتظار على ناصية الطريق. فالأطفال، بعد اليوم، لن يمرّوا من هنا.
هكذا، بكدسة صورٍ لا تفوق عدد أصابع اليد الواحدة، تكدّست طفولتي في مخزن لأهوال الحرب. أغلقتُ الدفاتر التي مسختها حرائق قضت على أحلام الأطفال بين صفحات كانت معدّة لتحقيق أحلامهم، وقرّرتُ استئذان حزني عليك يا أخي، لأشاركهم دمع الموت الأسود.
اليوم تبلغ سنوات غيابك الواحدة والعشرين، وأبلغ أنا السنّ القانونية للانتخاب، ما أغباهم حين يختارون لسنوات عمرنا أسماء وأوصافاً لا تشبهها.
أنا البالغة سنّ الرشد من عمر جناحي المكسور، سأستعمل صوتي لأنتخب ألواناً جديدة للأبواب السوداء، وأنغاماً فرحة للأعراس الجنائزيّة الطابع.
أنا العاشقة الأبديّة لطفولة لا تزال تنتظرك على مفترق أضعتك بعده، سأدلي بصوتي اليوم في صندوق من خشب الشهادة يضمّ جثث أطفال يرحلون إليك.
من كان ليتصوّر أن تحمل رسالة من صديقة طال غيابها، كلّ هذا الحزن المرصوف بألوان تسرق النظر لتتخطّى الأجساد المشوّهة؟.
أقفل عيني، أخفي الرسالة في مهملات بريدي المعجوق بالأخبار التافهة، علّها إن ضاعت بينها أنساها، و(كذباً) أمحو تلك الصور من ذاكرتي وأدّعي كما شعوب العالم المهزومة، أنني لم أرَها.
ما أجمل صورتك الساهرة في قلبي على عمرٍ لا ينفك يلملم جراح غيابك التي، في كلّ تشرين ثان، تزهر حصاد عمر من الشوق إليك.
يا أخي...
يا أخي...
اشتقت إليك أكثر.
أكثر.