السفر الدائم
السفر الدائم
عيسى القنصل
أسافر كل يوم ياحبيبتي اليك...
أجتاز كل هذه المسافات المرهقة كل ليلة لأشرب كأس ماء باردة من يديك.. او أريح رأسي المرهق على صدرك الرائع الحنون...
يقتلني حبك ياحبيبتي.. يغتالني في كل شوارع حياتي هنا.. يطلق كل لحظة رصاصة ذكرى.. أعانق من خلال دماء آلامي المتدفقة... معالم قصتي معك في كل حادثة وشخصية...
أسافر كل ليلة اليك.. أسرق لحظات الصحو التي أنالها لكي أراك.. جواز سفري شوقي اللاهب في حنايا الصدر دوماً.. وبطاقة السفر أوجاعي الدائمة نحوك.. ذلك الوجع الذي لا نهاية له من تدفق حبي نحوك.. وفي حقيبتي قطع من الذكريات اللاهبة والتي كلما عاينها جنود المطارات أسرعوا في إنهاء معاملتي قبل انفجار الحقيبة العابقة بالذكريات..
تركض بي أفكاري هذه الأيام في جنون إلى مكانك.. أحضن كل ذكرى.. أعانق كل لمحة من لمحات أمسي.. أتذكرين ياحبيبتي كم كنت قاسية على قلبي.. وكم كانت مطارقك تدق على قمة عواطفي نحوك حتي أصبحت ضائعاً حتى الارتجاف خوفاً.
أحملك معي.. على مقعد سيارتي.. وفي مكتب عملي.. على كتفي وفي عيوني.. أحملك على سريري.. أنام معك نتحدث طوال الليل.. ونغرق أحيانا في الحديث حتى ان زوجتي الرائعة الإيمان.. بدأت الغيرة تعرف الطريق إلى قلبها..
أواه ياحبيبتي.. أيتها الرقعة الحضارية الوحيدة التي أؤمن بها.. في روعة الكرامة فيها.. انت ياحبيبتي كأس عصير يرد الى الضائع رشدَه دون ان ينتهي هذا العصير..
غارقاً في الهمّ فكري.. ومليئاً بالخوف قلبي.. والوحدة هي الحصار الذي يدق حدوداً حول حياتي.. حتى طفلتي الباسمة على الدوام لا أراها أحيانا وهي تنام في غرفة نومها قرب غرفتي.. وعشرين كلمة نتحدث مع زوجتي وبقية الحديث على الهاتف.. هذه الحياة هنا.. صراع مع الجهات الأربعة.. والأرض والفضاء.. وضوء الشمس لم يعد بداية عمر ولقاء مع الأحبة كما في بلدي.. هنا بل مزيد من الإرهاق..
ومن أعاتب على هذا الفراق..
أنت وحدك ياحبيبتي من أعاتب.. أنت وحدك التي أغلقت الباب في وجه رجائي.. وسخرتِ من رجفة الشوق على شفة شاعر عاشق...
ما كنت يوماً جباناً.. وانا أحبك.. حتى وان صمت قلبي تحت سوط هجرك.. كنت أحبك فلا أصرخ ألما ولا أقول آه، هل قلت لك يوماً لا؟! أواه يا غنوة الزمن كيف أنت؟ كيف يأتيك الصباح هذه الأيام؟ هل يركض في شوارعك البشير.. من تزوّج من بنيك؟؟ من ولد جديداً؟؟ من كتب فيك قصيدة حب؟؟.. ومن نحره الشوق تحت بابك؟؟.. في أعماقي شوق إلى سماع قصصك.. إلى سماع صوتك.. إلى عناق صيفك.. وبرد شتائك.. ورحلة عمر مع أصدقاء العمر إلى مرابعك الحلوة..
أواه يابلدي..
ما أروع بشرك!!.. عيون الصدق في حب أهلك.. وما أروع فنجان قهوة من يد أمي، او عجة البيض من أصابع زوجة الأخ (هيام)..
سيعود يوماً يا بلدي اأشرب فيه من يد صديقي كأس ماء ومن عيون صديقتي الاحتراق..
متى؟.. هل ثملتُ حزناً هنا؟!.. او أنني أذهلني اتساع الفضاء في هذه المدينة التي لا تنام!!..
ولكنني حين ودّعتك.. فقدت صوت دجاجات أمي.. وكرامة نفسي.
وانت وحدك من يعطيني ثانية هذه الكرامة.. هل أعود؟؟ هل أعود؟؟ وهل في صدرك اتساع لي ياحبيبتي؟!.