نسيت ولدي في "بترا" فيروز!

انطوان السبعلاني قرأها 3,874
  

نسيت ولدي في "بترا" فيروز!

انطوان السبعلاني

كتبت هذا المقال زمان الحكاية التي حدثت معي ذات ليلة. ولست أدري لماذا لم أنشره في حينه.

كما لست أدري لماذا في هذا الأوان تلح علي اثنتان لدفعه إلى النشر: زوجتي ورغبة بي من الأعماق.

-1-

وعلى ذكر زوجتي فإنها تحب فيروز أكثر مما تحبني، واولادنا مجتمعين، أو هي تكاد. وتزعم لي انها تزوجتني عن حب كبير. والغريب في أمرها أنها تبكي عندما تطل فيروز في التلفزيون أو على المرسح. وتسبح في عالم بعيد، هي التي نادراً تحلم... وتحدثك بشيء من الفخر انها حضرت مسرحيات فيروز جميعاً في بعلبك والبيكاديللي، تعدها واحدة واحدة: أيام فخر الدين، حجر الصوان، ناس من ورق، وغيرها مما نسيت.

أما أنا والمسرح فلا نلتقي كثيراً... هذا ناتج من فراغ رهيب في ثقافتي المدرسية التي لم تهتم يوماً بواحد مما نسميه الفنون الجميلة. وكانت مدارس بلادي ولا تزال فبارك لصنع الشهادات، وليس شيئاً أكثر...

وأعترف ٍاني نزلت مرة عند رغبة زوجتي ورافقتها إلى مسرح "شوشو". وبالفعل لم تكن سهرة ضائعة. ويوم مات "شوشو" حزنت كثيراً وقلت: "قلّ موسم الضحك عندنا"...

-2-

قلت لا أحب المسرح في المطلق ومن ثم لم أحضر مسرحية واحدة لفيروز قبل "بترا" أنا الذي أقول ليس في تاريخ الغناء مذ غنى الإنسان صوت كصوتها وأظنه لن يكون... أنا الذي شكر ربه لأنه خلقه في عصر فيروز.

وبشيء من "الشوفينية" البغيضة خاصة في ميدان الفن أعتز بكونها لبنانية.

وذاكر أنا كم مرة تأخرت عن دخولي الصف في الصباح بسبب أغنية لها، وكم مرة اصطدمت والإدارة لذلك وكدت أطرد من المدرسة تأديبياً بلا تعويض. والشيء الذي لا تستطيع الإدارة أن تعرفه، ولا هي تلام، هو أنني لا أملك قوة خنق صوت فيروز في الراديو، هذا شيء أقوى مني، ولا أنا ألام أيضاً.

Fairouz%20-BWGraph.JPG

-3-

نحن في شهر أيار، التلفزيون يعلن كل ليلة.

فيروز في كازينو لبنان في مغناتها الأخيرة: "بترا" أعمال الأخوين الرحباني.

قالت: زوجتي: سأحضر فيروز. خذني إلى بيروت، ننام عند أهلي، ونذهب إلى الكازينو. لا تقل لا، برحمة بيك. أحب أن أحضر "بترا".

أجبتها: هناك وقت طويل بعد، وليس هينا أن ننتقل في هذه الأيام من المقلب الثاني من الشمال إلى بيروت. على كل حال أعدك بأن نحضرها.

التذاكر؟

أجابت: من أوتيل الكسندر أو كازينو لبنان.

 في الأوتيل، جار بيت عمي في بيروت، قالوا لي: لم يبق عندنا بطاقات لهذه الليلة. ٍجرب حظك في الكازينو، على التلفون، كان الجواب نعم.

ودعوت عمي للسهرة معنا. وعرف ولدي بيار ابن الخمس أننا ذاهبون إلى فيروز فقال: "بدي روح معكم – بدي روح، أنا بحب فيروز كتير – بدي أسمع بحبك يا لبنان يا وطني". رفضت أمه، فصار يبكي بشدة، وهو ولد ربيته على طريقتي الخاصة، التربية، التي يسميها الناس: "منزوعة" ولست أدري من منا يربي الثاني؟

قلت له: "مشي، معنا" فكان عيد.

قالت أمه: ممنوع دخول الأولاد الصغار، وسينام على كل حال، ولماذا تدفع عنه 35 ليرة؟ أجبتها: إذا منعوه من الدخول فسأعود وإياه، وإن سمحوا له فلا بأس أن يفاخر هذا الصبي أمام أصحابه الصغار بأنه شاهد فيروز، أياً يكن الثمن.

على شباك التذاكر اكتفوا بثلاث. كان ذلك مساء الأحد 21 أيار. السهرة تبدأ حسب البطاقة الساعة الثامنة – انتظرنا في "كافيتريا" الكازينو ذات الأسعار المقبولة جداً – بيار في قلب الغبطة والغبطة في قلبه على تعبير الريحاني، وأمه كذلك – ويبدو أن جده مثلي ليس من أنصار المسرح.

نبشنا الدرك اللبناني على المدخل. وكنا في القاعة الفخمة، في وسطها حسب أرقام التذاكر – الساعة السابعة والنصف تقريباً.

دخل الداخلون وكانوا كثيرين جداً. وكانت تلك زيارتي الأولى لهذا المكان. غريب قلت ليس من أولاد في هذه القاعة غير ولدنا. فعلاً كان الولد الوحيد بين ذلك الجمع الغفير. عرفنا أن "الماتينه" كانت للأولاد، ولست أعرف كيف سمحوا لبيار بالدخول. وهو تساءل أيضاً عن غياب الأولاد. قلت له ممنوع عليهم الدخول. ولأن فيروز تحبك قالت لهم اتركوه يدخل. فضحك، واعتز وقال: "أنا بحب فيروز كمان، وينيي ٍما طلعت بعد"!

 قلت له: اسكت وانتظر. وكنت في حرج من أمره، خفت أن يزعج جيران مقاعدنا.

-4-

بدأت الحفلة الساعة الثامنة والنصف أي بتأخير نصف ساعة. فتألمت لذلك وتألمت معي كبرياء الفن.

الموسيقى تؤذن ببدء المغناة. ومر الموسيقيون واحداً واحداً من على المسرح ونزلوا حيث آلاتهم. وكانوا عشرة.

ثم نزل المايسترو منصور الرحباني، على كتفيه تعب يصيب أهل الفن وحدهم ولا يراه كل الناس. في مشيته أية كبرياء، تحبها كثيراً لأنها ليست مثل كبرياء كل الناس.

غياب عاصي يوجع.

الستارة الغنية ترفع. الديكور يضعك في مناخ فني. وتبدأ حكاية "بترا" بمليكها وشعبها، وجيشها بصمود تلك الصخرة التي تتحطم عليها روما العظيمة.

ولما امتلأ الأفق عبقاً، وموسيقى وأناشيد وحماسة وجمالاً يأتي من هنا ومن هنا، أطلّت ملكة "بترا" فصفّقت ألفُ كفٍّ وكف. ورحلتْ صوبها ألف عين وعين!. ويا حلم الآذان موعودة به هذه الليلة... بكت زوجتي، وصرخ بيار: "هيدي فيروز. بدها تغني بحبك يا لبنان يا وطني" – فوضعت يدي على فمه.

ها نحن في وسط حكاية البطولة، في عمق الرحلة الفنية. هناك اليواقيت المرصودة تحرسها عرائس الجن.

مدهش عالم الرحابنة – تقول نهر الشعر توزع أمامك وتكسّر وتلوّن. نعم الأصداءُ ملونة، تراها العين.

فالكلام شعر، والحوار شعر، والصبايا الحاملات الجرار والراقصات على درب العين باقات شعر، والشعر الحلال ما قالت الأغنية. تقول أنت في عبقر، تقول أنت في جبل البرناس.

البطولات كلها وحكايات الرجال في فمِ نصري شمس الدين ويلعب لعبة الجاسوسية والخيانة أنطوان كرباج حتى تكاد تنسى بشاعة الاثنتين، وتكاد تناجي روما على طريقة هوراس وأنطونيو.

ويضحكك غصباً عنك زميلي وليم حسواني، بالكلمة الذكية المتفلسفة. وأحب بيار وليم كثيراً، وبعد أسئلة كثيرة أتعبتني أتعبه النعاس فنام. وكان شغُرَ مقعدٌ بالقرب مني فمددته عليه. أمه في غير عالم وأبوها نصف نائم.

وأخذت الحكاية مداها وكان دفق الشعر سخياً والبطولات كذلك، واللعب بمشاعر المتفرجين جميعاً: للعين سكرتها، وللأذن ولقوى النفس الرفيعة التي تحدث عنها أفلاطون.

وكانت فيروز كبيرة الحضور، وكبيرة الغياب.

وصارت الساعة 11 وساعات السعادة مشيها سريع. وانتهت "بترا" وما انتهت فيروز.

وغنت "بحبك يا لبنان يا وطني".

ويا ما دمعت عيون مثل عيني أنا وزوجتي.

وياما صفقت أيد، وعلت أصوات. وأصابني مثل الذهول، ورحت نتيجة ذلك كله إلى عوالم لم يسكن فيها بشر. وكأني في حالة من حالات المتصوفين: الشطح، أو الخطف أو شيء من ذلك. "فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر".

وأذكر أنها غنت هذه الأغنية مرتين عرفت في ما بعد أن الجمهور ألحّ عليها فلبّت الطلب، وفي كل نبرة من نبراتها كنت أحسّ أن لبنان صار أكبر، صار أعظم. خلته "بترا". شعرتُ أن الحب يغمره من جنوبه إلى شماله إلى كل ربوعه. شعرتُ أن السماء صارت أقرب وأن الله يسهر معنا. وانتهت السهرة.

-5-

ومشى الناس إلى الخارج ومشينا معهم على صورة آلية في وسط هذا الذهول والانخطاف، بادياً ذلك علي، كما قيل لي. على شفاه الناس تمتمات وأقوال لم أفهم شيئاً منها. وزوجتي تلملم دموعها وتدعو لفيروز بطول العمر. وفي السيارة كانت "بترا" معنا وكنا معها، وكانت فيروز .... أراها أمامي هنا، تملأ العين والأذن – هنا على الكواع المؤدية إلى البحر – زوجتي تتحدث عن جمال المسرحية، عمي شبه نائم. وأنا أرى فيروز على تلك الشجيرات في فستانها الأسود فالأبيض، فالاثنين معاً. على سطح البحر المتكسرة عليه أضواء، هنا في أجمل بقعة تحت الشمس. وفي خواطري وجوانحي: بحبك يا لبنان! وأرى الصوت يتموج فوق الرمل المذهب. "حبة من ترابك بكنوز الدني".

وفجأة صرخت زوجتي:

أين الصبي يا أنطوان؟ أين بيار؟ وراحت تبكي بصوت عال – ولعن أبوها الحفلات... وإذا بالسيارة تعود إلى هناك، وكنا على مدخل جونيه وعدت كالمجنون، مع السير وعكسه، يا سيدة سبعل أجده هناك.

وصعدت درج الكازينو راكضاً! أوقفني دركي على الباب. وكان مشهدي مثيراً وظن بي الظنون. ونبشني بدقة. ودخل معي إلى حيث كنا. وحملت ولدي الصغير المنسي في مسرح فيروز. وسمعته يردد: بحبك يا لبنان يا وطني. وكان يغفو ويفيق.

-6-

وبت ليلتي في "بترا"

وعند الصباح ضاعت كلها من يدي.

فعمر الحكايات الجميلة وإن يكن "بترا"، ليلة واحدة.

وعدت إلى بيروت مع الصباح.

المهم الذهاب إلى المطار...

والأمر أهون ما دام صديقي عباس سيرافقني إلى هناك. وأن موعدنا بعد ساعة عند المتحف. ونعم عند المتحف يلتقي انطوان وعباس. وعندها يسهل طريق المطار.

ونسينا كلنا "بترا" ما عدا بيار الذي يخبر أصحابه الصغار حكاية سهرته في كازينو لبنان.

 Petra01.JPG

 Petra02.JPG