تحية من القلب .. واعتذارٌ من السَّريرة!
|
ومـا كلُّ من يهـوى يعِفُّ إذا خلا عفافي ويُرضي الحبَّ والخيلُ تلتقي سقى اللهُ أيـامَ الصِّبـا ما يسرُّهـا ويفعــلُ فعـلَ البـابليِّ المعتَّـقِ إذا ما لبستُ الدهـرَ مستمتعـاً به تخرّقـتُ والملبـوسُ لم يتخـرَّقِ ولم أرَ كالألحــاظِ يومَ رحيلِهمْ بَعَثـْنَ بكلِّ القتلِ من كلِّ مشْفـقِ عشيةَ يعدونـا عنِ النظرِ البُكـا وعن لذّةِ التوديعِ خوفُ التفـرُّقِ |
أرى لزاماً علي، بدءاً، أن أوجه التحية إلى الرئيس بشار الأسد، لأمرين كبيرين: أولهما رعايته الكريمة للمثقفين، وأنا منهم، بمنحهم وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة، في دورات متلاحقة، مستمرة. وثانيهما لأن سيادته أتاح لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، أن يكون لكل منها صحيفة ومنبر، أما الصحيفة التي أكتب لها هذه الكلمات فهي (النور) بعد أن توقفتُ عن الكتابة في جريدة (تشرين)، التي فتحت لي صدر صفحاتها، مشكورة، لأكتب ما أريد، في السياسة البناءة، والنقد البناء، مطالباً دائماً بالمزيد من الديمقراطية، والمزيد من حرية الإعلام، سواء كتبت في الشأن الثقافي، أو الشأن الاجتماعي، دون حذف، دون تغيير، حتى عجزتُ عن الكتابة في صحيفتين، كلتاهما عزيزة عليَّ، بسبب التقدم في السنّ، ومعه أمراض الشيخوخة، بعد أن نيّفت على الثانية والثمانين عاماً، وصرت من زُبُن المشافي الدائمين، بغير دفتر دوام أو ما يحزنون!
هذا فيما يتعلق بالصحف، أما المنابر المتاحة لكل حزب، فإن المنبر الذي أرغب، الآن، في الكتابة عنه، هو منبر الحزب الشيوعي السوري، في احتفاله المركزي، بمناسبة الذكرى الثانية والثمانين لتأسيسه، وفيه جانب مهم، مخصَّص لتكريم الشيوعيين القدامى، ومنهم الرفيق العزيز الدكتور الإنساني النبيل، نبيه رشيدات وأنا، مع إعطائي شرف إلقاء كلمة باسم هؤلاء الرفاق القدامى، وافقت عليها، وعجزت عن الوفاء بها، بسبب عارض مرضي، كدت أُنقَل لعلاجه في أحد المشافي، لولا أن التحسّن بدأ تدريجياً، في الساعة الثالثة فجراً، فكان الاطمئنان، وكانت التوصية الطبية بالراحة وملازمة الفراش، الذي لم (أطقه) عمري كله، وها أنذا أنهض من فراشي لكتابة هذه الكلمات، عساها تسفر لي عند رفاقي، فيكون منهم العذر، ومني الشكر.
لقد كرّست نفسي لكتابة الرواية، بعد الأربعين من عمري، ومهما يكن من أمر رواياتي، البالغة الاثنتين والأربعين رواية حتى هذه الساعة، ومنها سبع عشرة رواية، مترجمة إلى كل اللغات الحية، فإن كتابة المقالة، في جرائد (تشرين) و(النور) و(الحياة) و(الرياض) وغيرها تأخذ جلَّ وقتي، ومع هذا فإني شغوف بها، مثابر عليها، حتى أسهم، ولو بقسط ضئيل، في خدمة وطني الصغير سورية العزيزة، ووطني الكبير البلاد العربية، ثم العالم كله، الذي ينبغي أن يعرف حقيقتنا بأقلامنا، لأننا من نبت هذه الأرض الطيبة، وما شكّلته، قديماً وحديثاً، من أثر بالغ، ثر، في الإبداع، وفي الدفاع عن الحدود والحقوق، في وجه عدو إسرائيلي عدواني، عنصري تدعمه أمريكا، وتزوّده مالاً وسلاحاً وعتاداً!
إن المقالة الأدبية، بعض ولعي، وبعض جنوني، وفي هذه السطور أحاول، مجتهداً، أن أشرح نفسي لقرائي بخاصة، وللكتّاب بعامة، أن الحياة تؤخذ تجربة عفوية، ومعاناة مضنية، إذا ما أردناها، غلاباً، أن تكون، محلياً وعربياً وعالمياً، نافعة لنا، وتسفر لأمتنا عند غيرنا، خدمة للوطن، وللشعب، وللفقراء، والبائسين، والمعذبين في الأرض، وفي سبيل الحق والخير والجمال.
قلت، سابقاً، أنا لا أملك يداً سحرية تقطف النجوم، وأصابعي التي هي أغصان شجرة مرجانية، منسية في قاع البحر الأحمر، لا تورق كزهور الثلج. وأضيف، اليوم، أن حروفي منذورة لدمي، الذي نزف في مواقع خطواتي على درب الشقاء الطويل! نعم! درب الشقاء الطويل، الذي أباركه لأنه صاغني، من حبة رمل على شاطئ مهجور، إلى حجر منمنم، أو إلى حصاة مدورة، لكثرة ما تأنق الموج في تقبيلها، ليجعل منها حصاة متشكلة بريشة فنان، أو مستنيرة بمفردة شاعر، أو، ربما، مصوغة بأزميل نحات ماهر.
هكذا كتب علي أن أشقى، وما همّ، الشقاء هو الذي صقل يراعتي، وما كنتُ، في أيِّما يوم من يفاعتي، أحلم أن تكون لي يراعة، وتالياً كلمة مكتوبة، لأنني بالخطأ ولدت، وبالخطأ نشأت، وبالخطأ كتبت أيضاً. ومن يدري، فقد أموت بالخطأ أيضاً وأيضاً، وعندئذً تنغلق الدائرة السعيدة، شرط ألا يتأخر انغلاقها، فأمسي في التّعساء سأماً من حياة عشقتها ولمّا أزل.
لقد باركتْ، عمري كله، أصابع اليد، فهي الإبداع في كل ألوانه، ولئن عجزَتْ أصابعي أن تقطف النجوم، فإنها خطّت الحروف، والحرف، في دلالته البهية، هو الذي أعطى النجمة بهاءها، وأعطى غصن المرجان أن يورق ويثمر. ولما لم تكن لي حبيبة أهديها نجماً، أو أقدم لها غصن مرجان عندَمِيَّ الثمر، فقد أضعت عمري، واختل توازني النفسي، ولم أجد سبيلاً إلى خلاص روحي المجرّحة بالألم، إلا بخربشة الحكايات على الورق، ولعلكم، أو بعضكم على الأقل، قرأ، مشكوراً، بعض حكاياتي، أو بعض قصصي، وهذا حسبي، فأنا قاص وروائي، إذا ما كان زعمي، وزعمكم أيضاً، صحيحاً في هذه التسمية، أما التنظير للقصة أو الرواية، فليس لي فيه شبر أو فتر، وإنما رأي يُرى. وإلا فلماذا أنا موجود؟ ولماذا أتكلم وقد كنت أرغب في السماع فقط؟ ولماذا أقتنص حق غيري في الحديث على (الرواية العربية وفنّ القصّ بين التراث والحداثة)؟
رأيي مختصر جداً، بسيط جداً، مفيد قليلاً، ففن القصّ هو ابن زمانه، أو ابن تاريخه الاجتماعي، والتاريخ عصور، ولكل عصر فنه في هذا المجال، وهذا هو التحديث، المستند إلى التراث، أو إلى الموروث الشعبي. لقد أخذنا الكثير من هذا التراث، وهذا الموروث، وأعطينا ما أخذنا بشكل آخر، في الرواية والقصة والمسرح والسينما والتلفزة. أخذناه خامة، أو نطفة، أو ملاحظة، أو حكاية، وسبكنا، كل ذلك، سبكاً جديداً، حديثاً، له من مرحلته التاريخية طابع الحداثة، وحسناً فعلنا، لأن غيرنا، في العالم صنع نفس صنيعنا، فكانت حداثته غير منبتة الجذور عن تراثه، موروثه، بيئته، تاريخه، لذلك أسمح لنفسي بالقول: إننا في الموقع الصح.
إن كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة، وبخلاء الجاحظ، وغيرها وغيرها، قد أَثْرت إبداعنا العربي، وأثْرته، أيضاً، التجارب، لا قصدية بل عفوية، فالقصد في التجربة باطلٌ باطل، والعفوية حقٌ حق، لأن (العيش جميل يا صديقي) كما قال ناظم حكمت، وعلينا، في طلاب التجارب، أن نعيشها، دون أن نفكر في الكتابة عنها. العيش أولاً، والكتابة تالياً، ودون خوف، دون حياء، دون رياء، ومع المغامرة حتى الموت، حتى الموت، حتى الموت، وتلك نصيحتي!