حلقات من رواية "صفحات من سيرة المبروكة"
حلقات من رواية "صفحات من سيرة المبروكة"
محمد نصار
هكذا قال الراوي. فقلت: أخطأ. قال: لا. قلت: زوّر. قال: لا. فقلت: أنكر.. صمتَ حينها ولم يرد، فكدت أبكي من فرط الأسى.. عندها تركني وانصرف، فعدت أسترجع تفاصيل الحكاية من جديد، أتتبع خيوطها، أمسك بها حيناً وتفلت من بين أصابعي أحياناً كثيرة.. أستعين بالراوي رغم شكّي بجدوى ذلك، فتناوشني الصور.. تتقاطع أمام ناظري. تتداخل مولدة صوراً أخرى. يزداد تأزّمي.. فالراوي لا زال يناصبني العداء، وكلما حاولت الاستعانة به.. مطّ لسانه مستهزئاً، وأحياناً يتلاشى من أمامي كالدخان، أما حين يوغل في استفزازي فيتشظّى إلى آلاف الألسنة، كل لسان برواية، وكل رواية تدحض أختها والحقيقة سراب ألهث خلفه بلا معنى.. حينها يعاودني نفس السؤال. هل حقاً صدقني القول؛ أم أراد إسماعي ما أريد؟.
سؤال ظلّ يحاصرني بلا كلل.. كأنما يهزأ بي، أو يدفعني للشك في الرواية كالآخرين، رغم ثقتي العالية بصدق ما قال، فلا زلت أرى ذلك في وميض عينيه.. في خلجات وجهه.. في نبرات صوته المتهدج، وهو يستذكر بعضاً من ماض تناثر بين ثنايا السنين الغابرة.. بعضاً من ذكرى جدي الذي تنكر له كثيرون.. وجلهم آثر الصمت. لا زلت أرى العبرات تتراقص في مقلتيه كلما اقترب من بواطن الحكاية.. لكن الأمر يختلف تماماً حين تستدرجه فصولها إلى اللحظة التي يروي فيها قصة جدي مع الوالي.. يعتدل في جلسته وتتبدل نبرته لتبدو أكثر ثقة وشباباً، كأنما عادت به السنون بضع عقود إلى الوراء. ـ كنت يومها على وجه بلوغ. يزفر بها مستهلاً حديثه، ثم يصمت لبرهة من الوقت، كأنما يستعيد فيها أنفاسه المنهكة بعد هذا الجهد الكبير، أو يوطن النفس من خلالها لما هو آت، فلا تدع للعوارض شاردة.. "كنت أرعى الغنم وقتها". من هنا يحلو له أن يبدأ دوماً، ثم يتابع مكملاً..
"لم يكن لنا من شيء سوى ذلك.. هذه البيارات لم تكن قد غرست بعد، رغم أن القرى من حولنا قد عرفت طريقها إليها قبلنا بسنين.. نصحو مع خيوط الفجر الأولى، وأحياناً كثيرة قبلها، يلازمني صوت أبي متقاطعاً مع صوت المؤذن: يا حليمة، نبّهي الولد.. الشمس بتقلي